النظام السوري في خدمة المعارضة

حجم الخط
0

النظام السوري في خدمة المعارضة

محمد الحسناويالنظام السوري في خدمة المعارضة لن أذيع سراً إذا قلت: إن استراتيجية المعارضة السورية لتغيير الأوضاع بشكل ديموقراطي وسلمي إنما هو الوصول إلي العصيان الشعبي الشامل، لكن ما يشبه إذاعة السر أن النظام السوري بارتباكه وأخطائه الجديدة والمتراكمة يخدم المعارضة فيما تسعي إليه، وكشف هذه الخدمات لن يغير من موقف النظام، لأن بنيانه قائم أصلاً علي القبضة الأمنية وحيازة السلطة بانقلاب عسكري، أي هو فاقد للشرعية الدستورية. فلما أوغل بالاستبداد، وتراكم الفساد المستشري بأنواعه طوال أربعين عاماً، فقد أيضاً أي بديل للشرعية، فلا هـــــو يقبل النصيحة، ولا النصيحة تجدي في مرض عضال مزمن ميؤوس منه.ومن عجب أن يقوم النظام السوري بأداء هذا الدور، ويهديه إلي خصمه السياسي، والعجب الأكبر أنه لا يستطيع التخلص من هذه الورطة، بل إنه يشتد في أدائها كلما توغل فيما يظنه حماية له وتحصيناً.نضرب لذلك الأمثال، ثم نفرد الحديث مفصلاً عن واحد منها، لقوة تعبيره عن هذه الظاهرة، وهي الحكم الفصل في التمثيل وفي حسم الأمور.لما نصّب الرئيس الشاب عام 2000م ألقي (خطاب القسم) الذي عدّ في حينه مدخلاً إلي حقبة جديدة في تاريخ الحكم السوري، من حيث تشخيصه للمشكلات المزمنة، واعترافه بخطورتها، وقطعه الوعود بتنفيذها، كالانهيار الاقتصادي، والفساد الإداري، والاستبداد السياسي، وانتهاك حقوق الإنسان: من الحريات العامة إلي حرية الرأي، وحرية الصحافة، وتغول الأمن علي الدولة والمجتمع، وغير ذلك مما يعاني منه المجتمع السوري، وترصده الأحزاب الوطنية، وتتبناه أحزاب المعارضة. لكن مع مرور الزمن تبين أن خطاب القسم ورقة من الأوراق النقدية المزورة، لا رصيد لها ولا جدوي حقيقية في الواقع، وفي أحسن أحواله كان (علاجاً مسكناً) إن لم يكن خدعة متعمدة، لها أمثال لا تحصي ولا تعدّ. وقد زاد الطين بلة تهافت التعليلات التي ساقها الرئيس الشاب متراجعاً عن وعوده، منها أنه لم يكن يعلن (برنامجاً) للعمل، بل يلقي (تأملات) (وعش علي الأمل يا كمّون..). وفي مناسبة أخري أوضح أنه لا يملك عصا سحرية. والسؤال: إذن ماذا يملك من يمسك بقبضته السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بنص الدستور والأجهزة القمعية المستنفرة استنفار قانون الطواريء طوال أربعين عاماً! مثل هذه (التعليلات) و(المفردات) لا ينخدع بها فطاحلة السياسية وقادة الرأي المعارض، والأهم هو المواطن العادي الذي لا يقف عند الألفاظ أو المصطلحات، وإنما يتعامل بشكل ملموس علي مدار الساعة، مع انتشار الفقر والبطالة والمحسوبية وغياب الخدمات التحتية الضرورية وحتي لقمة العيش والمياه الصحية ونور الكهرباء ـ وأخيراً لا آخراً ـ السلامة البدنية والآمن النفسي…في الوقت الذي تتناسل فيه المجموعات (الطفيلية) من أقرباء المسؤولين الكبار أو السماسرة أو الانتهازيين الذين لا يعرفون خلقاً ولا حدوداً، ينعقون مع كل ناعق، ويضربون بالملاعق..خذ مثلا ثانياً، وهو موضوع الإخوة الأكراد، مواطني الجزيرة السورية، المحرومين من الجنسية بحجم مئتي ألف مواطن، أو الذين اغتصبت أراضيهم وقراهم بـ(الحزام العربي)، أو الذين يمنعون من اختيار أسماء أولادهم لئلا تكون (كردية)، كما يمنعون من التعامل بلغتهم في الوقت الذي يسمح فيه لأقليات أخري من (أرمنية) أو (آرامية) التمتع بهذا الحق، وهي (جريمة قديمة) تتوارثها الحكومات المتعاقبة منذ انقلاب الثامن من آذار/مارس 1963م. فلما طفت علي السطح في انتفاضة أكراد الجزيرة، نتيجة استفزازات في (نشاط رياضي) في مدينة القامشلي آذار/مارس 2004م، ذهب ضحيتها (45) مواطناً شهيداً، غير مئات المعتقلين حتي اليوم، فتفضل الرئيس الشاب، وزار المنطقة الملتهبة، وأطلق وعوداً بحل الإشكالات الكردية، وعلي رأسها الوعد بالموافقة علي (تجنيس) المواطنين الأكراد الذين ينوف عددهم علي مئتي ألف مواطن. وها قد مضي أكثر من سنتين علي هذا الوعد، ولم ينفذ شيء. وبتقديرنا أنه لن ينفذ هذا الوعد، لأنه يتعارض أصلاً مع الشوفينية (البعثية) ومع (النهج الفئوي الطائفي)، ولأن الذين زرعوا سكين التفرقة هم أنفسهم قائمون علي حراستها وتعميقها وإلي الأبد إن استطاعوا. واللعب بالنار ـ كإطلاق الوعد ثم الرجوع عنه ـ هو مدعاة ليحترق بها، ويزيد من احتقان قطاع واسع من الشعب يشغل مساحة غير صغيرة من تاريخ سورية القديم والجديد، فضلا عن المساحة الجغرافية التي يعمرها، فبانتفاضة القامشلي تحرك الشريط الحدودي الشرقي والشمالي (الحسكة ـ درباسية ـ عامودا ـ عين العرب ـ عفرين)، كما حصلت اضطرابات في محافظات حلب ودمشق، والحبل علي الجرار، وتوفي عدد من المعتقلين في سجون الرأي تحت التعذيب (13) شهيداً عام 2004م في الأقل، وقتل عدد من المجندين الأكراد في قطعاتهم العسكرية، واغتيل الشيخ محمد معشوق الغزنوي في الخط نفسه. فإلي أي حدّ يخدم هذا القمع رصيد المعارضة، ويزيد في عزلة النظام وارتكاباته؟والمثل الثالث استراتيجية النظام في التعامل مع المعارضة الوطنية، ولا سيما تنظيم الإخوان المسلمين، الملخصة بـ(بالعصا والجزرة) أي التظاهر بالحل والإطماع به، وإضمار (التخشب) و(القطيعة). إن هذه اللعبة لها أجل محدود، هو أجل طول (حبل الكذب). فإذا لم تنطلِ علي الأطراف السورية المعنية داخل سورية، فإنها تمارس الآن مع الأطراف العربية والإسلامية خارج سورية، كالأحزاب العربية والحركات الإسلامية، وستدخل المسألة في مفاصلة نهائية، قطعاً للمماطلة والالتباس، فإما الحل في وقت محدد أو كشف الزيف وقطع (اللعب علي اللحي والذقون). وهذا ليس كسبا للنظام بالتأكيد.فيما سلف من حديث كان اختيارنا لأمثلة ضخمة علي مستوي القطر وعلي مستوي الجهة العليا التي تعالجها، أي أصحاب القرار الأول، الذين يقدرون أكثر من غيرهم مصلحة السلطة، ويتجنبون في الوقت نفسه خدمة المعارضة، ومع ذلك وقعوا في محظورات أنفسهم، ولم يستطيعوا أو يريدوا الفكاك منها. وأما الوقائع التالية التي سوف ندرسها، فهي لا تقل فظاعة وخطورة عن تلك، لكن الذين ارتكبوها وما يزالون، هم من الدرجات الأدني من سلم السلطة، وهم عادة لا ينظرون إلي مصلحة السلطة، بقدر نظرهم إلي مصالحهم الخاصة والشخصية وليسوا حريصين عليها حرص أولئك، مما يفاقم من أثر الارتكابات، ويزيد في (تجييرها) لصالح المعارضة أيضاً، ويمهد لانتفاضة شاملة، ويعجل بالعصيان المدني في الوقت نفسه، ألا وهو مسألتا (الأرض) و(المسكن).الأرض والمسكن من ضرورات العيش، وكل حيف يقع علي أحدهما أو كليهما كان حيفاً بالغاً علي المواطن، لدرجة يضحي معها المواطن بروحه في الدفاع عنهما، وليس الدفاع عن الوطن إلا الصورة المجردة لهذه العلاقة بين الإنسان وأرضه أو مسكنه. وسوف نلاحظ دور النساء أي المواطنات السوريات في هذه المعركة مع الرجال أو وحدهن دون الرجال، مما يعبر أشد تعبير عن خطورة هذه المسالة في حياة المواطنين. كما نلحظ ملمحاً آخر للمشكلة أنها لا تخص منطقة واحدة في القطر، بل هي شاملة لكل المحافظات السورية (مدن وأرياف) من دمشق العاصمة إلي درعا إلي حمص (مصياف) إلي حماة (السلمية) إلي طرطوس، إلي إدلب إلي الرقة إلي الحسكة (القامشلي) إلي عشائر البادية. وإذا كانت السلطة (قومية عربية) بزعمها، لم توفر المواطنين العرب، فهي كذلك ضاعفت جورها علي المواطنين الأكراد في مسالة الأرض والمسكن، كما هو معلوم، وما ليس معلوماً، والمخفي أعظم. وملمح خامس أن هذه المأساة ليست بنت اليوم، يل تضرب في جذورها إلي ما يسمي (قانون الإصلاح الزراعي) في الستينيات، الذي لم يأخذ بالاشتراكية حقيقة بقدر ما أخذ بالتصفيات والأحقاد و(تنفيع) الأزلام والأقارب، وإن أراضي سهل الغاب والجزيرة السورية وأراضي الغمر في الرقة والحزام العربي شاهدة علي ذلك.نبدأ بدمشق العاصمة (قلب العاصمة وريفها) حيث تعمل الآن الجرارات علي هدم قسم من المناطق الأثرية، وتطرد سكانها منها، بشكــــل قسري، لا يراعي آثار ذلك علي الفئات الشعبية الفقــــيرة من حيث التعويض العادل أو البديل المناسب، أو دراسات الخبراء المهندسين في التخطيط والتنفيذ، فإذا كان هذا نصيب العاصمة، فما هو نصيب الأطراف النائية المهملة أصلاً؟أما ريف العاصمة فقد عرض طرفاً من مشكلاته مراسل جريدة (النهار) في أكثر من مقال، أحدها بعنوان (أحزمة البؤس ـ وربما العنف ـ حول دمشق، وفيها: 50 حياً مخالفاً للقانون، تضم %40 من السكان) 29/4/2004م جاء فيه قوله: (في حي الزبن الذي يقع جنوب القدم، جنوب دمشق، كان أحمد، وهو شاب يبلغ من العمر 15 عاماً ـ يبحث عن القمامة المنتشرة في كل شوارع الحي عن (النايلون) ليبيعه لبعض المعامل. وفي هذا الحي لا توجد مياه صالحة للشرب ولا كهرباء ولا شبكة هاتف)، ومن ثمار هذا الحزام إقدام الشرطة في مطلع شهر نيسان الماضي علي هدم منازل أحياء بكاملها في قرية (معربا) بحجة مخالفتها للقوانين، فتصدت النساء والأطفال الفقراء بالحجارة من سكان تلك البيوت الطينية للشرطة ولتعزيزات الجيش الآلية والبشرية، ووقعت إصابات في النساء والأطفال انضم بعدها الرجال واستطاعوا أن يأسروا عدداً غير قليل من رجال السلطة رهائن، وتم تبادل التهديدات بين المواطنين ورجال السلطة حتي اضطر المسؤولون للخضوع إلي طلبات المواطنين، مع العلم أن السلطة هي المسؤولة عن حل إشكالات التمليك، وتخطيط الأحياء، والحفاظ علي حياة المواطنين وكراماتهم، لا بيعهم وشراءهم كالعبيد بالرشاوي والاستغلال. ومثل ذلك قصة المطعم علي طريق (التل ـ معربا) الذي حصل أصحابه (زكريا حسين العلي) علي (الترخيص) وباشروا عملية التنفيذ والبناء ودفــــعوا كلفة تصل إلي 12 مليون ليرة، أدخلتهم جهات متنفــــذة (أقوي من القانون بكثير) وألزمتهم بإيقاف العـــمل وبالرجوع إلي القضاء، وكسب القضية مجدداً، ثم الدخول في متاهات الأجهزة، والإجهاز علي أصحاب المشروع (راجع: قصة من بلدي: ربحوا أمام القضاء، خسروا أمام الأشخاص ـ سيريا نيوز ـ خالد سميسم 21/5/2005م).وفي (مصياف) التابعة لمحافظة حمص تحدث المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية بتاريخ 30/3/2005 عن مواجهات طائفية بين (الطائفتين الإسلاميتين الإسماعيلية والعلوية) بسبب خلاف علي تسجيل الدور لرحلات السائقين.. تطور أو نتج (من أجل التحشيد والتجييش الطائفي في إطار التحضير للانتخابات التمهيدية لمؤتمر حزب البعث) بواسطة أعضاء من شعبة حزب البعث، وبواسطة قوي الأمن المحلية، ذهب ضحيتها إزهاق أرواح بعض المواطنين، وإحراق عدد من المحلات التجارية.وفي حمص نفسها عصابة في دائرة (تعليم قيادة المركبات) منحت عشرات الآلاف من السائقين… القتلة شهادات قيادة لا يستحقونها، والنتيجة كثرة الحوادث وكثرة الوفيات اعترفت بها جريدة (تشرين) الرسمية (في سورية عام 2005م وفاة 2197 شخصاً وجرح 12841 شخصاً.. بســـــبب منح شهادات بدون تأهيل وتدريب مقابل مبالغ مالية يعرفها القاصي والداني ـ وعلي عينك يا تاجر. (تشرين 20/2/2006). وفي مدينة السلمية تكرر (السيناريو) الطائفي نفسه عام 2005م، وأضــــيف له إقدام الجهات الإدارية بناء علي أوامر محافظ حماة 16/6/2006م بإغلاق مكتبات بالشمع الأحمر، وبتاريخ 15/2/2006م وإغلاق العربات المتجولة بالشمع الأحمر، ومنع أصحابها من مزاولة العـــمل، وبالتالي قطع مورد رزقهم الوحيد (نشطاء حقوق الإنسان في حماة ـ الوكالات).وفي قرية النسيم التابعة لمدينة الرقة شمالا، أقدمت مديرية الزراعة بمؤازرة دورية من عناصر الشرطة علي هدم عشرين منزلاً طينياً، مستغلة غياب مالكي هذه المنازل وانشغالهم بالعمل الزراعي، فتظاهر العشرات من أبناء القرية إلي جانب أصحاب المنازل المهدمة، مع العلم أن هذه القرية أنشئت بقرار الإدارة المحلية (861) بتاريخ 19/3/2006م (موقع أخبار الشرق 31/3/2006م).وفي الرقة نفسها اعتقلت اثنتا عشر مواطنة من أهالي قرية دبشة عفان ودبشة فرج، وقد أفرج عن أربع سيدات ولا زالت الثماني محتجزات، وذلك بعد أن اعتقلت السلطات أربعة أشخاص من القري نفسها منذ عشرة أيام علي خلفية احتجاج أهل القريتين علي نزع ملكية أراضيهم وتوزيعها علي بعض المتنفذين في حزب البعث الحاكم في محافظة الرقة، علماً بأنهم يزرعون تلك الأراضي منذ عام 1940م ومعهم أحكام قضائية بزراعتها منذ عام 1968م بعد قانون الإصلاح الزراعي (القدس العربي 21/7/2005م).وفي قرية الحلوة القريبة من القامشلي أبلغ سكان مواطنون أكراد بضرورة دفع قيمة الأراضي التي بنوا عليها منازلهم، رغم الشكوي بأنهم من سكان القرية أصلاً وملاكيها، وأنهم، بنوا بيوتهم الطينية التي يبلغ عددها 20 بيتاً منذ ما يزيد عن خمسين عاماً، وهي الأرض التي تسمي (الأرض المشاع).ولكيلا يطول الحديث نكتفي أخيراً بالإشارة إلي أن قريتين في محافظتي الحسكة وإدلب تخضعان لحصار قوات الأمن السورية وأعمال القسوة والتنكيل بأهلها علي قدم وساق بحجة البحث عن مطلوبين، ومشكلة قرية الشغور في محافظة إدلب أن سكانها اعترضوا علي تفجير مقلع صخور مجاور لقريتهم خلافاً لخطة المختصين في الشركة العاملة، نتج عنه تصدع البيوت الطينية وسقوط سقف أحدها علي أسرة كاملة نقلت للعناية الدائمة، فغضب شباب القرية وكسروا زجاج براكات الشركة والسيارات بتاريخ 3/5/2006م. (سورية الحرة ـ المنظمة السورية لحقوق الإنسان: سواسية 6/5/2006م).هذه الممارسات تعكس الفساد الإداري فضلا عن الفساد السياسي في بنية الهرم ـ السلطة من قمته إلي أخمص قدميه، حيث لا يرجي علاجه بمسكنات، ولا بوعود، وهي في النتيجة لا تشير إلي قرب الانتفاضة الجماعية للشعب السوري، بقدر ما تشير إلي دور النظام نفسه في إثارة المواطنين ومفاقمة معاناتهم، ودفعهم دفعاً إلي أحضان إخوانهم في المعارضة السورية.وأخيراً هل نفهم لماذا يرفض الكيان الصهيوني إسقاط النظام السوري حين يسأله المكتب الأبيض عن رأيه، قائلاً مجيباً: إن النظام السوري الضعيف (أي بإضعافه شعبه) خير من أي نظام يحل محله؟ كاتب سوري، عضو رابطة أدباء الشام8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية