‘النظام العربي الجديد… اوراق في الثورات العربية’ لشاكر النابلسي

حجم الخط
0

بيروت ـ من عبد الحاج: أمامنا أربعة فصول مهمومة بما يسميه الكاتب الأردني (شاكر النابلسي) ‘النظام العربي الجديد..اوراق في الثورات العربية’، الصادر عن المؤسسة العربية للدارسات والنشر بيروت، يقلب النابلسي أوراق الحرية، والديكتاتورية العربية، والنظام العربي الجديد، محاولاً رسم بيانات واضحة للحرية، والديكتاتورية العربية، فعندما ينشغل نص نظري بمعالجة مفاهيم واسعة مثل الأمة والقومية والهوية والثقافة والديمقراطية والدين والمواطنة والثورة، يواجه سؤالا هل للدكتاتورية ثمن؟
لكن لا يمكننا مناقشة هذا الكتاب من دون تنزيله، – أولاً- ضمن الانتاج الفكري لمؤلفه، وذلك انطلاقاً من تركيب علاقة بين القومية والديمقراطية في الفكر العربي، وتوطئة لجهود قادمة في الفكر الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي عبرسلسلة ممتدة لا تنقطع عبر شعوب وبلدان وأزمنة مختلفة.
في مقدمة الكتاب يعلل النابلسي الثمن الباهظ للحرية بأن ‘العرب منذ العهد الاموي، قد وضعو في أقفاص العبودية السياسية / الدينية، وظلوا في هذه العبودية طيلة العهدين الاموي والعباسي، إلى أن جاء المماليك وولاة العثمانية، وخضع العرب لحكم مجموعة من الطوائف والمذاهب السياسية/ الدينية الحاكمة كالفاطميين والايوبيين، والأخشيديين، وغيرهم. ويضيف النابلسي’ شاهدنا في العصر الحديث العلويين في سوريا والمغرب، والهاشميين في العراق والأردن، ومجموعة من زعماء القبائل في الخليج العربي’.
ويرى النابلسي أن مفاجأة الربيع العربي نهاية عام 2010 في تونس ثم في مصر، ثم في ليبيا، ثم في اليمن وسوريا، تنتظر ربيعاً أخر في السنوات القادمة، وأنه عندما تتحرر البلدان العربية من الدكتاتورية القروسطية التي حكمتها لسنوات ممتدة ستكشف ثمن الحرية، كما ستكتشف أن ثمن الديكتاتورية كان باهظاً جداً قياساً بثمن الحرية.
في الفصل الأول من الكتاب يعقد مؤلف ‘العرب بين الليبرالية والأصولية الدينية- 2010’، مقارنة بين ديمقراطية الأسلام (العدل والأحسان)، وديمقراطية طه حسين الذي أرجع الديمقراطية إلى أصلها اليوناني وحكيمها (سولون) بتفاصيلها، باعتبار أن الديمقراطية ليست مفهوماً سياسياً فقط، بقدر ما هي مفهوم اجتماعي واقتصادي أيضاً. ويوضح البون الشاسع بين الدين والسياسة باعتبار أن الأحزاب الدينية العربية كانت صاحبة دعوة دينية تعبدية تقليدية محضة بدون أدنى مقارنة بالتاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشعوب الاخرى، ويطالب زعماء وسياسي التيارات الدينية الصاعدة بإعادة قراءة التاريخ السياسي للبشرية وتاريخ الليبرالية في الغرب وكذلك الدعوة الإسلامية الليبرالية، ومحاولة التوفيق بين الفلسفة السياسة والاجتماعية والدين الذي لا يتعارض بجوهره مع هذا الفلسفات بحسب الدكتور شاكر.
و تحت عنوان فرعي ‘الاسلاميون المعتدلون’ يَعَجب النابلسي من تشاؤم بعض العَلْمانيين لمستقبل البلدان المحررة من رقبة الديكتاتورية وخشية بعض الليبراليين من تولي الإسلاميين المعتدلين الحكم، داعياً إلى حكم إسلامي معتدل لاعتقاده بأن الشارع العربي لن يقبل بحكم أصولي متطرف كما في أيران، ولأن العلمانية الغربية والحداثة الغربية ما زالتا بعيدتين عن التطبيق الفعلي على أرض الواقع العربي، طارحاً سؤالا حول ماذا يريد الليبراليون والحداثيون العرب؟ والجواب عنده أيضاً باقامة أوطان يحكمها العدل والاحسان والمسامحة بغض النظر عن الحاكم، وطلبه باقامة الدولة الدينية مقدماً من نموذج الخلافة ‘الحمساوية’ في غزة دليلا للإسلام السياسي، لننتهي من هذه الحقبة و’كسر حبة الجوز’، وتجاوز مرحلة الإسلام السياسي إلى مرحلة العلمانية السياسية التوحيدية، وفصل الدين عن الدولة، وإبقاء الدين في مكانه العلوي المقدس.
يثير النابلسي إشكالية العلاقة بين الإسلام والماركسية من منظور مفكري جيل النهضة وتحديداً عباس العقاد، الذي يرى ان لا مشكلة بين الإسلام والحركة الشيوعية بل على العكس يعتبر الإسلام حليف كل القوى الاشتراكية منذ الثورة البلشفية 1917.
ليطرح بعد ذلك أسس بنية النظام العربي الجديد الذي تسعى له الثورات العربية وهي بحسب النابلسي:’ تحديث البنى التحتية والفوقية، وخصوصاً تحرير العقل من النقل، وإلغاء طائفية الدولة عملياً، وعلمنة البحث العلمي والإبداع الفني والأدبي، وعلمنة التعليم، ليطرح بعد ذلك تحديا أمام الدولة الدينية التي يؤيد قيامها بالانتقال من أنماط الحكم الملطخة برواسب العصور الوسطى إلى الديمقراطية العصرية المنشأ، وإحداث جواز المرور من كونفدرالية الطوائف إلى الدولة الحديثة، لفك التماهي مع الماضي كما فعلت ألمانيا بالنسبة لخسارتها أمام فرنسا عام 1806. ص36
ويدعم حجته بشهادات ومؤلفات لكتاب مجددين ومنتقدين للإسلام السياسي (أمين الطوخي، صادق جلال العظم كتاب ‘نقد الفكر الديني- 1969، جورج قرم).
ليأتي بعد ذلك على ذكر التيار الديني في الربيع المصري في الفصل الثاني من الكتاب، مقدماً خلفية تاريخية لنشأة حركة الاخوان المسلمين 1928 كرد فعل لإلغاء أتاتورك الخلافة الإسلامية، ودعوتهم للخلافة الإسلامية للملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق ومحاولات حسن البنا لعب دور سياسي (الترشح للانتخابات النيابية 1942م). ليحصل الصدام بعد ذلك مع الرئيس جمال عبد الناصر ومن ثم السادات وتحالفهم مع حزب الوفد، والقوى الأشتراكية وصولاً إلى ثورة 25 يناير واستلامهم مقاليد الحكم في مصر( مجلس الشعب الشورى الرئاسة) ، مطالباً الليبراليين المصريين والليبراليين العرب بالصبر والأناة وانتظار ما سيفعله التيار الديني في مصر. ووفقاً للنابلسي فمشكلة الليبراليين المصريين ومن بعدهم العرب كانت المفاجأة في وجود أغلبية حاكمة تصل عن طريق الانتخابات منذ 15 قرن، وأن النزاع بين الليبراليين والإسلاميين ليس على الطرق الأنجع لخدمة مصر بل على الحكم والسلطة.
في الحقيقة الكتاب يثير الكثير من الأسئلة والعناوين الأشكالية تحتاج لقراءة موسعة أكثر لكن أهم ما قدمه الكاتب يتركز في الفصل الثالث على ‘الديكتاتورية والربيع العربي’، مقدماً تحليلاً نفسياً للدكتاتوريات العربية، مميزاً بين نوعين أساسيين منها ‘ الدكتاتورية الخضراء، الديكتاتورية الحمراء’، مشخصاً أهم أمراض الديكتاتورية العربية وأخطرها على الاطلاق’ الجبن ، حب السلطة، حب المال، تعذيب الاخرين’، مبرزاً زيف شرعيتهم المكتسبة بقوة السيف والظلم والطغيان و(الهمبكة).
متحدثاً بلغة الأرقام عن ثمن الديكتاتوريات المدفوعة من حساب الشعب العربي، وأن النهاية مسألة وقت فقط، والمأزق المحرج للثورات العربية التي نجحت في تونس ومصر، والتي لم تحقق أهدافها بعد في ليبيا واليمن وسوريا، وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟ فأمريكا اليوم تحت الإدارة الديمقراطية المترددة وليست تحت الإدارة الجمهورية المقدامة، ولا يوجد أي أمل بتدخل عربي لانها ترى أن هذا التدخل سواء لصالح الانظمة الديكتاتورية أو لصالح الثورات الشعبية، سوف يضر بمصالحها، ومستقبلها السياسي. فـ’الحداثة بحاجة إلى سلطان’ ص148.
مقدماً النابلسي مبررات قيام الخلافة اليوم من وجهة نظر المفكر المصري محمد خالد 1950 لأسباب تاريخية لأن الرسول (ص) كان يدرك أن بناء الدولة الإسلامية جزء من مهمته كنبي ورسول، وأن الإسلام كدين ودنيا لايعرف الفصل بين الدين والدولة، مستعيناً بأفكار الماوردي 974م.
ويثير شاكر النابلسي في الفصل الأخير من كتابه الرعب من طوطم الأرهاب وارتباطه بالدم، تلك الآية الكبرى التي قرأناها، وشاهدنا مآسيها الكثيرة والكبيرة فالدم هو حبر كتابة الأرهاب، ونصوصه المختلفة. والدم، هو الذي يرسم به الإرهابيون صورة الطوطم، الذي يقدسونه وينصاعون له، متسائلاً هل الحرب سر مقدس؟ ص191.
وعن قتل الطوطم الاكبر (أسامة بن لادن) فماذا عن ثعالب الغابة الاخرى؟وماذا حقق الارهابيون من مكاسب وانجازات حضارية منذ عشرات السنوات للان؟
أسئلة برأي النابلسي مهمة يجب التفكير بها بشكل جدي هذه الأيام لتفسير فلسفة الأرهاب، والهوس بالطوطم والطبو ‘الشيء المحرم عند المتوحشين، وهذان هما سبب ولادة المحرمات، والمحرمات هي التي ولدت الاخلاق’ ص192.
لدينا أسباب كثيرة تجعلنا نعتقد أن هذا الكتاب يمثل نقلة تحفيزية للتفكير العربي، التي لم تعالج بالشكل الكافي بعد زمن طويل من التجربة والتعثر والفشل، لقد كان الادعاء الرئيس في هذا الكتاب هو أن الطريق إلى الحداثة السياسية في البلدان العربية قد توقف بسبب تخلي الدولة عن دورها في تحقيق الامة المواطنية، التي تمتد من صراعات الهوية إلى الديكتاتوريات إلى الإرهاب إلى إصلاح نفسه،وكلها ليست سوى تجل من تجليات هذه المرحلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية