النظام العربي في القبضة (البوشية) مجدداً… إلي متي؟
مطاع صفدي النظام العربي في القبضة (البوشية) مجدداً… إلي متي؟ العسر الحقيقي الذي تكابده الطبقة الحاكمة في أمريكا إزاء إحباطات الممارسة السياسية المتوالية والتي ترتكبها الإدارة الحالية للبيت الأبيض، لا يعود ـ هذا العسر ـ إلي مجرد إخفاقات عابرة لا تتعدي مستوي التسمية التداولية لها تحت مصطلح الأخطاء. فليس البيت الأبيض هو وحده الذي يخطئ أو يتعثر في العراق مثلاً أو لبنان أو فلسطين، وعليه أن يتحمل المسؤولية التي تلقي علي عاتق الفريق الرئاسي، أو علي شخص الرئيس بالذات. إنها أمريكا نفسها التي أمست أخيراً تنوء تحت طائلة الإخفاق وتداعياته الذاتية. الأمر الذي يمس صلب استراتيجيتها الكلية، المتمثل في عقيدتها، وليس فقط في خططها أو تكتيكاتها.القول إن المشروع الإمبراطوري هو الذي تهتز قواعده، يصير موضع الشكوك وفقدان الثقة بأولوياته، وأنه يبلغ تلك الحالة البائسة من ضرورة إعادة النظر في ملفه بكل فصوله. فلا يتعلق الموضوع بما يعلنه بوش عن تغيير ما في استراتيجيته كمحاولة أخيرة للاستحواذ علي العراق ومحيطه، كما كان الهدف المعلن في بداية الغزو؛ فالرهان المطروح لدي طبقة الحكم هو ما يتبقي من أمريكا بعد التخلي عن الامبراطورية. أو هو السؤال المتعلق ليس بهوية الدولة الأعظم في هذا العصر فحسب، بل بما تعنيه الدولة الأقوي بدون برهان التفوق بالقوة تحت طائلة الاختبارات العملية التي تُزج بها.ذلك ما يفسر قليلاً مآل الموقف الواحد لحزبي السلطة (الديمقراطي والجمهوري)، بالرغم من تعارضهما السياسي الظاهر حول عناصر المسألة المحورية الراهنة ما بين العراق وإيران ومحيطهما العربي. فالإشكالية تتعدي هزيمة بوش أو المؤسسة الرئاسية، إنها التعبير عن ذلك الاختبار الكارثي الذي يأتي بمحصلة المشروع أو الرهان إلي بدايته قبل الانطلاق نحو بقية مراحله، أي أن إخفاق المقدمة يجعلها خاتمة المحاولة كلها. فالتدشين يصير إلي مأتم المولود قبل أن يشب عن الطوق.. ومن هنا يمكن أن تفهم تصرفات البيت الأبيض وطبقته الحاكمة من حوله، بعد الكشف عن تقرير لجنة بيكر ـ هاميلتون: يسارع فريق المحافظين الجدد بوضع خريطة الالتفاف علي نتائج التقرير (التاريخي). يخترعون مفهومها المركزي هكذا: إقحام العرب جميعاً في بؤرة النار. والوسيلة الأولي هي التهديد بِعَرْقَنة كل دولة تتأبي الاصطفاف الطوعي في المكان المخصص لها من طوبوغرافيا المعركة القادمة المحتومة. ومن أجل أن تقع مثل هذه المعركة لا بد من اختراع استقطاب ما، شرط أن يُشتق من عقد اللاشعور الجمعي للكتل الشعبوية المترسبة في سحيق الإهرامات الأهلوية والسابقة علي نشأة مجتمعاتها المدنية وإقامة دولها أو كياناتها السياسية. إنه الموروث الشعبوي المسكوت عنه الذي ينبغي أن يتحول إلي خزان من القوي العمياء، لكنها المقدْسَنة بتعاويذ الطقوس وهواجس الغيب المسيطر علي الأبدان من دون العقول والقلوب.إنه استقطاب جغرافية المنطقة كلها بين قرنيْ ثنائية مجلوبة من سحيق التراث المذهبي، ما بين الاسمين العَلَمين الكبيرين: السنة والشيعة. حيثما يمكن المراهنة علي تسويق ايديولوجيا تعبوية جديدة، كيما تغطي علي معطيات الصراع الحدي الأعظم والمستدام ما بين المشروع النهضوي العربي والاسلامي، والمشروع الأمبريالي الغربي المزمن، وفي طبعته الأخيرة الأمريكية الصهيونية، وفي لحظة الذروة من تقرير مصير هذا الصراع لصالح أحد القطبين ضداً علي الآخر. وقد تجيء لحظة الذروة هذه عندما تتم النقلة العصية للثنائية الجديدة، التي هي قيد التصنيع والتنزيل في لحم الواقع الاجتماعي وعظمه، من مرحلة إنجاز الأدلجة اللفظوية لمفرداتها وسياقاتها الشعبوية حسب تضاريس التمذهب في كل قطر علي حدة. ومن ثم يجري تعميم نيران الفتنة ما بين الأقطار. فيترافق الانحلال الداخلي للقطر مع تسعير الحدود ما بين جملة الأقطار، وقلبها إلي خطوط تماس ما بين جبهات معسكرة.ليس المطلوب مضاعفة أعداد الكيانات السياسية القائمة في جغرافية المنطقة، بل تكثيرها إلي غيتاوات، إلي معازل أشبه بأورام سرطانية تنتشر في النسيج القطري والقومي. ولأن الوباء لا يزال محصوراً في خلايا القطر النموذجي كحقل للاختبارات، وهو العراق، يجادل فريق الرئيس بوش جبهات المعارضة المفتوحة ضده داخل طبقة الحكم نفسها، وفي أجهزة الإعلام، ومؤسسات الرأي. وما الإعلان عن استراتيجيته الجديدة، سوي مجرد العزم علي إحداث بعض التعديلات التكتيكية في الاستراتيجية الأصلية للغزو. كل هذا يحدث من منطلق إدارة الأزمة وليس حلها. ولقد نجح الغزو والاحتلال من بعده في إعداد وتحضير مختلف عوامل الأزمة. والمطلوب الآن التشبث بخطط تفعيلها وتعميمها، وتوفير مواردها الدموية من إشاعة ثقافة المهالك الجماعية. فمن (حق) بوش ألا يستسلم لإرادة الانسحاب، ألا يخضع لتوجيهات تقرير بيكر ـ هاميلتون، ألا يتنازل للديمقراطيين عن جوهر إنجازاته (التاريخية)، المتمثل خاصة في تغليب أدلجة المذهبة علي كل ما عداها من الإيديولوجيات النضالية المحلية. إنها إعادة قولبة المجتمع العراقي كمدخل استراتيجي كياني لإعادة قولبة المنطقة كلها من حوله. فكيف له أن يستقيل من مخططه وقد شارف علي بلوغ غاياته القصوي.الابتلاء العربي بأمريكا قديم وحافل باختبارات الطغيان والرد عليها. لكن الابتلاء بشخص كالرئيس بوش هو من النوع الاستثنائي الذي لم يجد له منافساً في كراهية العرب الا شارون. إذ يصير العداء هاجساً ذاتياً، تتحلق حوله صورة شخصيته، لكنها شخصية لرئيس الدولة العظمي في هذا العصر. ولأن نظام هذه الدولة يلوي رقبة الديمقراطية التي تدعيها بما يسمي بالجمهورية الرئاسية، فإنه يتيح للجاثم في رأس الهرم أن يذهب بالهرم كله إلي أية مغامرة دولية دموية، كما لو كان الرئيس قيصراً رومانياً أو فاتحاً بدائياً من فصيلة هولاكو أو جنكيز خان. والعجيب هو أن هذه الدولة العظمي، زعيمة العالم الحر، والقيمة علي ديمقراطية الدول أن تجر حضاراتها وشعوبها المتفوقة وراء حروب عبثية تكرر ذات المبررات المفتعلة دائماً لاختراع العدو الخارجي وإسباغ كل خصائص الشيطنة المهددِة بخيارات الحياة أو الموت ضد ضحاياها. هكذا يتم تصوير الجلاد الأمريكي وكأنه هو الحمل الوديع الذي سيفترس الذئب الفالت في غابات العالم. فما علي هذا الحمل إلا أن يغدو هو الذئب الأعظم. هكذا يصير تدمير الشعوب المسالمة إنجازاً بطولياً تسوغه العدالة وتحميه حقوق الإنسان. هكذا تمسي المهالك الأهلية في العراق سبباً وجيهاً لتصديرها إلي جيران البلد المنكوب واحداً بعد الآخر. فإن الاخفاقات الكارثية مع عرب العراق ينبغي في عرف البيت الأبيض، الأحمر، أن ترتد علي المشرق كله، تغطية للآثام والجرائم ضد الإنسانية لا تكون الا بابتكار المزيد منها.فلا بد إذن من إدارة الفظائع العراقية غير المسبوقة، حتي تنضج جاهزياتها ومنهجياتها؛ فترقي إلي مستوي الأمثولات الجهنمية الباعثة علي اختراع او استيقاظ شياطينها النائمة في قيعان المجتمعات الأخري المجاورة، والمقموعة بالاستبداد السياسي، لكنها المعدة والجاهزة للانفجار بأولي الشرارات المتطايرة من حرائق الجيران، والمزروعة علي خطوط التماس بين الكتل وفق توزيعات مدروسة.ما زالت متوالية الخراب محتاجة إلي رعاية مهندسها. فكيف يمكن له أن يتخلي عنها مع تعاظم الحاجة الملحة إلي عبقرية في ابتكار المخططات ورسم السيناريوهات، واختيار الأدوات القديرة، وانتهاز الفرص الذكية لتحقيقها. فالمنطقة تعج بكل المواد الأولية المطلوبة لمسرحة العنف، وانتاج التنويعات التفصيلية علي موضوعاته الأساسية المتوفرة عفوياً، أو عن سابق تصميم وإرادة.إن قولبة الشعوب وإعادة صياغاتها في غير قوالبها باتت تشكل أعلي فنون العصر المرآوي. الفن الذي يتعاون علي اغنائه بالأفكار العلمية وتفصيل مواده، وابتكار أحابيله ونمذجات ممارساته العملية، خبراء ينحدرون من الجامعات ومراكز الأبحاث السرية والعلنية. فلا تقع عملية تفجير واحدة في الأحياء المذهبية ببغداد، عن صدفة أو نزوة أو تخطيط عرضي. والمهالك الجماعية تتصادي دلالاتها فيما بينها. فالحرب الأهلية هي أحدث صناعة عسكرية استراتيجية بأدوات مدنية. وأفجع ما في واقعتها ليس انسياق الكتل الجاهلة كالقطعان الي مذابحها فحسب، ولكن هو انخراط العديد من رموز الطبقة المثقفة والوسطي في وعثائها، تخطيطاً خبيثاً وتنفيذاً والغا في الدم والنار والدموع والعويل.البوشية معطوفة علي أجهزة المهالك المحلية، سواء كانت حكومية أو أهلوية، أضحت جميعاً متحالفة في الخطط والأهداف، متآلفة في المساعي والتدابير، منخرطة في عسكرة السياسات والعقائد، لم تعد الأحزاب والجمعيات الأهلية في معظمها سوي استطالات للأجهزة الأمنية. وأما إعلام الصورة والصوت والكلمة فإنه مخطوف العين واللسان والقلم، ومهمته الأولي إخفاء خاطفيه والتستر علي أسمائهم ووجوههم.البوشية الراهنة، المعاندة ضد الاستقالة من مشروعها الإمبراطوري الهزلي. والمتمردة علي ما يسمي بالمؤسسات الدستورية في بلادها، المناهضة لغالبية الهيئة التشريعية، المتخاصمة مع لجانها وتوجيهاتها الدولتية العليا؛ البوشية هذه أعادت استنساخ النظام العربي الحاكم علي صورتها، جعلته حليفها الأول الذي تستقوي به حتي علي خصومها في وطنها الأصلي، أفرغت جبته من قاموس المعاني المدنية المتداولة، كالحرية والاستقلال والوطن والأمة والعدالة، لتحبس نطقه المحرج بين لفظي السنة والشيعة فحسب؛ فالبوشية لا تنهزم فقط وإن كانت لا تنتصر لكنها قد تنجح علي الأقل في تحقيق النقلة لما تدعي من هندسة وإدارة المستنقع البغدادي إلي صنوه الأكبر في الإقليم كله من حوله، فلماذا لا نصدقها إذن؟ مفكر عربي مقيم في باريس9