القاهرة ـ «القدس العربي»: تقع النساء في شبه جزيرة سيناء، فريسة للانتهاكات على يد طرفي النزاع «جماعة ولاية سيناء» من ناحية، والسلطات المصرية من ناحية أخرى، حسب تقرير صدر أمس الإثنين عن «الجبهة المصرية للحقوق الشخصية».
وتحت عنوان «من جحيم الولاية إلى جحيم الدولة» وثقت المنظمة الحقوقية ما تتعرض له النساء في شبه الجزيرة من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
عنف أسري
وحسب التقرير: قام أعضاء ولاية سيناء بممارسة العنف الأسري أو المنزلي ضد هؤلاء النساء، وتزوجوا منهن زواجا قسريا وأحيانا وهن قاصرات، وهي انتهاكات تمثل نوعا من العنف ضد النساء، وقد ترقى لكونها اتجارا بالأشخاص وشكلا من أشكال الاستغلال الجنسي، وهي أيضا جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
وزاد: كما قامت قوات الأمن الوطني بتعذيب هؤلاء النساء وإخفائهن قسريا، وشمل التعذيب تمزيق ملابسهن وتهديدات بالاغتصاب، وهي مخالفات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة ومن الممكن أيضا اعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وبيّن أن النيابة العامة ما زالت تنتهك حقوقهن في محاكمة عادلة وتحتجزهن تعسفيا قيد الحبس الاحتياطي المطول دون إحالتهن للمحاكمة، ليس لأي جرائم واضحة ارتكبنها، ولكن بسبب انضمام أزواجهن أو أحد أقاربهن من الرجال لـ«ولاية سيناء» وبصفة عامة فإن تعامل نظام العدالة المصري مع هؤلاء النساء ينتهك حق المدنيين في محاكمة عادلة كما هو مكفول في اتفاقية جنيف الرابعة.
وتعيش منطقة شمال سيناء منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2014 في حالة طوارئ بعد أن بدأت الدولة المصرية ما أسمتها «الحرب على الإرهاب» ضد الجماعات المسلحة في سيناء، التي تعمل تحت تنظيم يعرف باسم «ولاية سيناء».
وقالت المنظمة في تقريرها: منذ بداية النزاع، وثقت مراكز حقوقية دولية ومحلية انتهاكات جسيمة ارتكبها كلا طرفي النزاع بحق السكان المدنيين لشمال سيناء، كما أدى الصراع الدائر في المنطقة إلى ترد كبير في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسكان المنطقة من حق في التعليم والعمل والحق في الحصول على الغذاء، والحق في مستوى معيشي مناسب، لكن حتى الآن لا توجد أي دراسات تشير إلى تأثير الصراع على النساء بشكل خاص، وهن إحدى الفئات التي عادة ما تعاني بشكل مضاعف في الحروب والنزاعات.
وسلطت المنظمة الضوء على البعد الجندري للصراع في سيناء، والانتهاكات التي تتعرض لها النساء في إطاره.
وتناول الفصل الأول خلفية تاريخية عن شبه جزيرة سيناء لفهم تاريخ المنطقة وما دار فيها من صراعات أدت إلى تهميشها التاريخي، وفي الفصل الثاني قدم التقرير خلفية اقتصادية واجتماعية عن الوضع في شمال سيناء من حيث الحق في العمل والحق في التعليم، والتمييز الذي تعاني منه النساء في هذين المجالين.
منظمة حقوقية ترصد في تقرير «من جحيم الولاية إلى جحيم الدولة» أبرز الانتهاكات
وركز التقرير على عينة بحثية مكونة من 23 متهمة في 3 قضايا ظهرت في نيابة أمن الدولة العليا في عامي 2018 و2019، واجهت فيها المتهمات اتهامات بالانضمام لجماعة «الدولة الإسلامية» في سيناء أو تمويل تلك الجماعة ماديا، منهن 10 متهمات في القضية 750 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا و11 متهمة في القضية 810 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا، ومتهمتان في القضية 1345 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا.
ويستعرض التقرير في فصله الثالث ما تعرض له عدد من نساء شمال سيناء من انتهاكات على يد أعضاء «ولاية سيناء» والتي تشمل العنف الأسري والعنف المبني على النوع الاجتماعي، والزواج القسري وزواج القاصرات.
ونقل التقرير عن محامية إحدى المتهمات قولها إن زوجها أجبرها على السفر معه إلى شمال سيناء، دون علمها بانضمامه لـ«ولاية سيناء» وأجبرها على العيش معه هناك مدة عامين، حاولت خلالهما الهرب عدة مرات وكانت تتم معاقبتها بالضرب في كل مرة، وفي المرة التي نجحت فيها في الهرب، ووصلت إلى القاهرة، فوجئت بقوات الأمن تلقي القبض عليها.
وفي شأن زواج القاصرات، تروي إحدى المتهمات على لسان محامية، أنها كانت متزوجة من شخص منضم لـ«ولاية سيناء» الذي قام بتزويج ابنتهما التي لم تكمل الـ 18 عاما لعضو آخر في الولاية، وفي حين أنها لم تكن تعيش معه، إلا أنه كان يجبرها على التوجه له في أماكن تمركزهم، ويهددها بالقتل إذا لم تنفذ ذلك. وينقل التقرير عن متهمة أخرى قولها، إن زوجها ووالدها كانا ينتميان لتنظيم «ولاية سيناء» وكانا يجبرانها على السفر لشراء المواد الغذائية، وفي حال رفضها، يهددها زوجها بحرمانها من أطفالها، وعندما حاولت الهرب ألقي القبض عليها.
وتناول التقرير إشكالية أخرى ترتبط بزواج القاصرات، وهي عدم وجود طريقة رسمية لتخلص الفتيات من هذا الزواج، فالدولة تعتبره باطلا، وفقا للقانون المصري، ولا يمكن إقامة دعوى أمام محكمة بخصوص الزواج إذا كان سن الزوجة أقل من 16 سنة، أو كان سن الزوج يقل عن 18 سنة وقت رفع الدعوى.
وفي الفصل الرابع والأخير يوثق التقرير الانتهاكات التي تعرضت لها النساء أنفسهن، ولكن على يد مؤسسات الدولة المصرية من قوات مسلحة، وأمن وطني، ونظام عدالة.
أزمة غذائية
ويستعرض هذا الفصل ما قامت به القوات المسلحة من انتهاك لحق هؤلاء النساء في الحركة والتنقل داخل وخارج شمال سيناء، وتبعات ذلك من أزمة غذائية استمرت لما يقرب العامين، كما يوثق ما تعرضت له تلك النساء أيضا من انتهاكات لضمانات المحاكمة العادلة، عقب القبض عليهن، أولا على يد الأمن الوطني وما اقترفه بحقهن من إخفاء قسري واحتجاز تعسفي وتعذيب، ثم على يد نظام العدالة المصري من نيابة وقضاء. وأخيرا، يوثق هذا الفصل عددا من الانتهاكات التي تعرضت لها المتهمات القاصرات في القضايا محل الدراسة. وفي إحدى الحالات التي وثقتها المنظمة، قامت قوات الأمن بالقبض على سيدة سيناوية عند محاولتها الخروج من شمال سيناء عبر كمين المعدية، بعد استجوابها وسؤالها عن زوجها الذي لا يملك أوراقا ثبوتية مصرية، ولا يستطيع السفر إلى محافظة الإسماعيلية ـ غرب القناة – لشراء الطعام والسلع الأساسية، فكانت السيدة تتكفل بذلك، حتى تم الاشتباه بها والقبض عليها في إحدى المرات أثناء محاولة عبورها للكمين، تحت دعوى أن زوجها فلسطيني، وتم اتهامها بالانضمام لجماعة «إرهابية».
تحريات مكتبية
وحسب التقرير: تعتمد النيابة في الاتهامات الموجهة للسيدات على تحريات مكتبية يجريها ضباط الأمن الوطني، وأن محامي المتهمات دفعوا بكيدية تلك الاتهامات وعدم معقوليتها، وافتقارها إلى أي أدلة ملموسة تثبت الاتهامات.
ووجد التقرير، بعد الأخذ في الاعتبار أن شمال سيناء هي منطقة نزاع مسلح غير دولي، أن الكثير من الانتهاكات التي ارتكبتها ولاية سيناء والدولة المصرية بحق هؤلاء النساء ترقى لكونها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتعتبر مخالفات جسيمة وخطيرة للقانون الدولي الإنساني. كما توصل إلى أن الانتهاكات التي تعرضت لها النساء لها بعد جندري واضح، حيث إن نوعية العنف التي تعرضن لها مبنية بشكل كبير على نوعهن الاجتماعي وكونهن نساء، سواء الانتهاكات التي تعرضن لها على يد «ولاية سيناء» أو مؤسسات الدولة.