النظام والمعارضة في البحرين ومقومات الحوار

حجم الخط
0

يوسف مكي لم يمر النظام في البحرين في مأزق تاريخي وسياسي وأخلاقي طوال تاريخه كما هو عليه وضعه الآن. فمنذ الرابع عشر من شباط/ فبراير الماضي وهو يواجه حركة احتجاجية شعبية واسعة قوية وصامدة وتزداد رسوخا وإصرارا على تحقيق مطالبها العادلة، وعلى الرغم من آلة القمع الرهيبة، وعلى الرغم أيضا من الدعم المعنوي والمادي (تدخل القوات السعودية والإمارات لقمع الاحتجاجات) من قبل دول الخليج العربية، هذا فضلا عن التواطؤ العربي الرسمي والأمريكي، وذلك بخلاف مواقف الإدارة الأمريكية المعلنة والصريحة من بقية ثورات الربيع العربي. لكن مع كل ذلك فإن النظــــام في البحـــرين يعيش مأزقا، بحيث لم تستطع كل المساعدات والسكوت من هنا وهناك على قمعه خلال تسعة شهور من إخراجه من هذا المأزق، وفي الوقت نفسه أثباته للعالم انه غير قادر على الإصلاح بسبب تركيبته البنيوية القبلية، لا بل غير قادر حتى التقدم ولو خطوة واحدة نحو الإصلاح. وعليه ليس لديه ما يقدمه للشعب سوى النار والحديد وهي الورقة الوحيدة التي يملكها إزاء الشعب المنتفض، ومع ذلك لم تمنع الشعب المنتفض من الاستمرار في مقاومة آلة البطش كل هذه المدة ومواصلة ما عزم عليه مهما كلفه ذلك من تضحيات.

في ظل هذا الواقع الذي يعيشه النظام، وفي ظل هذه المقاومة الشعبية الباسلة لكل صنوف القمع والاستبداد من قبل النظام وعلى مرأى ومسمع من العالم، يحاول هذا النظام جاهدا أن يروج عبر قنوات قريبة وبعيدة لكنها محسوبة على النظام لما يسمى بالحوار بين المعارضة والنظام.

وعلى الرغم من أن الحوار من حيث المبدأ هو أمر مطلوب، إلا أن الحقيقة المرة تقول أن الدخول في حوار هكذا مع النظام هو أشبه بالدخول في متاهة لن تفضي إلى شيء، بقدر ما تفضي إلى تضييع مطالب الثورة وتضييع من يدخل معه في حوار وتميع القضايا السياسية الجوهرية في قضايا هامشية وثانوية أو تحصيل حاصل.

فبعد التجارب الماضية والمريرة في الحوار مع النظام استطاع أن يتملص من الالتزامات والاتفاقات التي يتم التوصل إليها، وقضية دستور 2002 وما ترتب عليه الميثاق سنة 2001 كلها أمور تبخرت وذهبت أدراج الرياح، ومضى عقد من السنين والمعارضة بمختلف مستويات ودرجات معارضتها للنظام كانت تلهث وتطالب النظام بالحوار والخروج من المأزق السياسي الذي تعيشه البلاد منذ أربعين عاما، لكن النظام كان يتعامل معها على طريقة أذن من طين وأذن من عجين، أو لا اسمع لا أرى لا أتكلم، حتى انفجرت ثورة 14 فبراير، لتثبت للعالم بما لا يقبل الشك أن هذا النظام خلال عشر سنوات الماضية لم يقم بعملية إصلاح كما يدعي، بل بعملية لف ودوران على الشعب ومصادرة على حقوق الشعب. أما نشره لشائعات الحوار مع المعارضة الآن، إنما يهدف إلى شق المعارضة، وذلك من خلال تأكيده على الحوار مع المعارضة التي خارج السجن وبالتالي إثارة البلبلة بين قوى الحركة الاحتجاجية التي خارج السجن والتي في داخله. والنظام (ومن خلال التجربة) لا يلوح بالحوار إلا عند ما يكون في حالة ضعف وفي أسوأ حالاته على الصعيدين السياسي والاقتصادي والحقوقي. فالحوار الجدي والحقيقي ليس من شيم النظام البحريني.

وإذا كان الحوار مطلوبا، فإن لهذا الحوار مقومات وأسسا لا بد منها وعلى المعارضة أن تكون على وعي تام بها، وبتقديرنا فإن هذه المقومات تتمثل في مجموعة من الأسس التي لابد من توافرها كأرضية لأي حوار جدي مرتقب مع النظام، ودونها يصبح الحوار خوارا لا أكثر ولا اقل.

يأتي في مقدمة المقومات من اجل الحوار الأمور التالية: أولا: سحب كافة المظاهر الأمنية والعسكرية من المدن والقرى، والسماح للجماهير بممارسة حقها في التظاهر والمسيرات السلمية، وحرية التعبير بمختلف الوسائل.

ثانيا: إطلاق كافة المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم قيادة الحركة الاحتجاجية دون قيد أو شرط ومن لهم علاقة بالاحتجاجات. ثالثا: سحب قوات درع الجزيرة فورا. رابعا: الحوار يشمل كافة أطياف المعارضة وفي مقدمتها حركة 14 فبراير باعتبارها الحركة الأبرز في الحركة الشعبية من جهة والنظام من جهة أخرى. خامسا: يتم تنظيم الحوار من قبل النظام والمعارضة وليس من قبل النظام فقط.

سادسا: إفهام النظام أن ما سيتم التحاور بشأنه هو تحول سلمي في السلطة من نظام ملكي قبلي إلى نظام ملكي دستوري بما تعنيه الملكية الدستورية الديمقراطية العريقة في الحد الأدنى. سادسا: يتم ذلك من خلال جمعية تأسيسية لصياغة دستور عقدي جديد ينقض ويلغي دستور 2002 وما ترتب عليه من نتائج سلبية، ويؤسس للملكية الدستورية المتوخاة.

سابعا: إقامة دولة مدنية ديمقراطية يعيش فيها كل مكونات الشعب البحراني دون تمييز، وعلى أسس مكينة من المواطنة والفرص المتكافئة.

ثامنا: رعاية الحوار من قبل طرف ثالث يتم الاتفاق عليه من قبل الطرفين (النظام والمعارضة) ويرعى ما تم الاتفاق عليه. تاسعا: وقف التلفزيون الرسمي والصحافة الرسمية والمعبرة عن النظام لحملات الفتنة الطائفية وبث الكراهية بين أبناء الشعب الواحد (تحييد وسائل الإعلام بمختلف صورها). تاسعا: علنية الحوار وبعيدا عن الغرف المغلقة، فهذا حق من حقوق الشعب، أن يعرف ما يدور حوله.

عاشرا: تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في غضون ثماني شهور بحد أقصى. دون ذلك، فإن أي حوار لتحول النظام من ملكي استبدادي إلى ملكي دستوري يعني التفريط في الثمن الباهظ التي دفعه الشعب البحراني من دماء شهدائه وتضحيات نسائه ورجاله وشيبه وشبابه، كما يمثل في الوقت نفسه هدية للنظام على طبق من ذهب لم يكن يتوقعها أو يحلم بها. خاصة انه في شبه عزلة دولية سياسيا. ‘ باحث في علم الاجتماع البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية