لندن ـ «القدس العربي»: في الحرب على الإرهاب القاعدة هي «المنتعشة» تحليل كتبه باتريك كوكبيرن في صحيفة «إندبندنت أون صنداي» البريطانية ووصف فيه الإسبوع الماضي بإسبوع النفاق الطازج، مقارنا مثل غيره بين رد فعل الدول الغربية على انتخاب الرئيس السوري بشار الأسد بنسبة 88.7 والذي اتسم بالشجب، ورد فعلها على انتخاب عبد الفتاح السيسي الذي جرى تنصيبه رئيسا لمصر يوم أمس بنسبة 96.9 حيث وعدت بالتعاون والعمل معه.
لا يزال يقصف
والنفاق لا ينتهي عند هذه الدول «فرغم كل اللهجة الإنتصارية حول نسبة المشاركة فطريقة الاسد في التعامل مع المناطق الأخرى الخارجة عن سيطرته هو قصفها بالبراميل المتفجرة»، ولا يستثني الكاتب هنا المعارضة التي يقول إنها ليست بعيدة عن النفاق عندما تستهدف المدنيين باستثناء أن «وسائل الدمار المتوفرة لديها أقل من التي بيد الدولة». ويضيف كوكبيرن إن القوات التابعة للحكومة قامت بدك أحياء تسيطر عليها المعارضة يعيش فيها 300.000 نسمة شرق مدينة حلب بالبراميل المتفجرة.
وأصبحت هذه الهجمات أكثر شراسة لأن المروحيات التي تحملها تقوم بطلعاتها الجوية في الليل حيث لا يراها السكان عندما تقلع وتعود إلى مواقعها. وأشار الكاتب إلى مقال كتبه شخص يكتب باسم إدوارد دارك من مدينة حلب ونشره موقع «المونيتور» حيث قال إن البراميل المتفجرة «تلخص الطبيعة المثيرة للضحك لهذا الصراع اللانساني والذي يحدث للشيخ مقصود في حلب». ويكتب كيف تعرض الحي لقصف المعارضة التي قالت إن هناك عدد كبير من قاطنيه من الموالين للحكومة. وعندما دخلت المعارضة في آذار/مارس 2013 جاء دور الجيش السوري الذي بدأ بالقصف الذي لا يميز على بيوت المدنيين التي كانت لا تزال واقفة في مكانها.
حس المرارة
ويرى كوكبيرن إن كل شيء يحدث في سوريا هذه الأيام يجب التعامل معه بنوع من الحس المر والساخر، فعندما تتفق قوات الحكومة مع المقاتلين للهدنة يكون بوعد مشاركتهم بحراسة نقاط التفتيش وبالتالي الحصول على حصة من الأتاوات المفروضة على المارين عبره. ويقول إنه كان في بلدة النبك عندما أقام الجيش السوري احتفالا قال إنه جاء بعد خروج المقاتلين من البلدة، وما حدث هو ان المقاتلين الذين تعهدوا بالدفاع عن النبك حتى آخر نقطة من دمائهم انضموا لقوات الدفاع الشعبي وشاركوا في الإحتفال.
ويقارن الكاتب الحرب السورية اليوم بحرب الثلاثين عاما الألمانية قبل أربعة قرون، فهناك نزاعات كثيرة ولاعبون كثر واتفاقيات هدنة لا يقبل بها الكل. ويضيف أن البعض يحلو له مقارن الحرب الأهلية السورية باللبنانية التي اندلعت ما بين 1975- 1990 حيث قرر اللاعبون فيها التوقف عن الحرب بسبب التعب والإجهاد الذي أصابهم، لكن الحرب لم تنته بهذه الطريقة.
والسبب الحقيقي هو دخول صدام حسين الكويت، وانضمام سوريا للتحالف الذي قادته الولايات المتحدة لإخراجه منها، مما أدى لتسامح الولايات المتحدة مع النظام السوري الذي قام بسحق آخر جيب للمقاومة له في لبنان.
ويعتقد الكاتب أن السوريين متعبون بلا شك وسيفعلون كل ما بوسعهم لوقف الحرب، ولكن وقفها لم يعد بأيديهم بل بمن يقوم بدعم المقاتلين ـ خاصة السعودية التي تدرب وتدعم «المعتدلين» الذين من المفترض منهم قتال الأسد والدولة الإسلامية في العراق والشام مع انه يشكك في وجودهم إلا في خطاب الدول الغربية.
ولم يقل الكاتب شيئا عن دور إيران وحزب الله بدعم النظام. ويرى الكاتب إن الأشهر القادمة ستظهر فيما إن كان الأسد قويا بالدرجة الكافية لكسر الجمود في الحرب، مع انه من غير المحتمل قيامه بهذا، فلم يعد الجيش الحكومي قادرا على القتال إلا في ساحة واحدة.
ويقول المسؤولون الأردنيون إن النظام السوري عزز من قواته في جنوب البلاد في درعا حيث اندلعت الإنتفاضة عام 2011 ولهذا يتوقعون عملية عسكرية هناك، وفي حالة حدوث هذا «مع أن الحديث عن عمليات كبيرة لا ينتهي» فهذا يعني أن الجيش السوري يحقق تقدما ولا يقوم بقصف معاقل المعارضة فقط.
«القاعدة» مستقيدة
ويرى في هذا السياق أن الحديث خاصة في العام الماضي ظل يتركز حول صعود الجماعات الجهادية مثل داعش وجبهة النصرة وأحرار الشام أو أنها تتحرك بحرية في المناطق الواسعة بين العراق والشام، وخاصة داعش التي فتحت جبهة في البلدين، ففي الإسبوع الماضي دخل رتل من السيارات تابع للتنظيم مدينة سامراء.
وعليه فطالما استمرت الحرب فإن جماعات كهذه هي التي تنتفع من تواصلها لان جماعات يقاتل تحت لوائها مقاتلون مستعدون للقتال حتى الموت تنتفع من النزاعات. وفي الوقت نفسه تخسر الجماعات المعتدلة وتهمش مع النزوع لعسكرة الإنتفاضة ولا يلقي أحد للرأي العام السوري.
ويعتقد أن من أهم التطورات الإيجابية التي حدثت في سوريا في الفترة الأخيرة هو إجلاء المقاتلين عن المدينة القديمة في حمص، حيث خرج منها 1200 مقاتل بعد اتفاق.
ويعتقد أن ما يهم في هذه الإتفاقيات هو قيام جماعات مقاتلة متماسكة بالتفاوض وتنفيذ شروط الإتفاق.
ويختم بالإشارة إلى أن الدول الغربية لم تستفق بعد للبعد الذي تمثله محاور الحرب الفوضوية التي فتحت على شواطيء المتوسط في كل من سوريا وليبيا لان التهديد ظل نظريا، وما حدث من اعتداء على المتحف اليهودي في بروكسل الشهر الماضي يجب أن يكون بمثابة الصحوة.
ولكن المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين يرفضون تقديم شرح الطريقة التي استطاع فيها تنظيم القاعدة بناء ملاجيء آمنة له في أوروبا بعد 13 عاما من هجمات إيلول (سبتمبر) وإعلان ما اطلق عليها «الحرب على الإرهاب».
خطر سوريا الخارجي
وحقيقة وصول الجهاديين لأوروبا استدعت اهتمام المؤسسات الأمنية الأوروبية وحظيت بالكثير من النقاش، خاصة بعد قيام مهدي نيموش، الجهادي الفرنسي بالهجوم على المتحف اليهودي.
وفي أمريكا لاحظ ماثيو ليفيت في «ناشونال بوست» أن الجهاديين السنة ليسوا وحدهم من يشكلون خطرا بل وأيضا الشيعة في 25 أيار/ مايو الماضي قام منير محمد أبو صالحة، الشاب الامريكي بتفجير نفسه ليصبح أول انتحاري أمريكي يموت في سوريا، وبعد أقل من 24 ساعة قتل فوزي أيوب، وهو قيادي من حزب الله حصل على الجنسية الكندية واسمه على قائمة مطلوبي «اف بي أي» في كمين وفي سوريا أيضا. والفرق بين أيوب وأبو صالحة هو أن الأخير أصبح ناشطا متشددا قبل وقت قصير انضمامه للقتال في سوريا، أما أيوب فهو ناشط قديم في حزب الله، ولكن ما يجمعهما حسب ليفيت المتخصص بشؤون مكافحة الإرهاب بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى هي الطبيعة الطائفية التي تطبع الحرب الأهلية السورية.
وبحسب مؤسسات الأمن الأمريكية والكندية فهناك 30 كنديا و 100 أمريكي سافروا للقتال مع الجماعات المعارضة لنظام الأسد، ومعظمهم انخرط في صفوف جبهة النصرة أو داعش.
فالتفجير الذي شارك فيه أبو صالحة الذي نفذ في محافظة إدلب تبنته جبه النصرة. وتوصلت الإستخبارات الأمريكية إلى نتيجة مفادها أن القاعدة وناشطيها يرغبون بتوجيه ضربات لأمريكا وأشاروا إلى عبد الرحمن الجهني الذي انضم في منتصف العام الماضي لوحدة كي تخطط وتنفذ عمليات في الخارج.
وبحسب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي) «لن نسمح بأن يتم استلهام أي هجمات من سوريا لتنفيذ 9/11 جديدة».
ويرى ليفيت أن الجهاديين السنة هم جزء من الصورة في سوريا، ففي آذار/ مارس اعتقلت عملاء أف بي أي محمد حسن حمدان في مطار ديترويت وهو يحاول ركوب طائرة والسفر للقتال مع حزب الله في سوريا، ومنذ مشاركة حزب الله في سوريا قتل الكثير من جنوده، بالإضافة لمقاتلين قادة مثل أيوب الذي انضم للحزب منذ الثمانينات من القرن الماضي، وكلف بمهام خارجية منها اختطاف الطائرة العراقية التي كانت تقلع من مطار بوخارست، العاصمة الرومانية.
وعاش في كندا حيث عمل في بقالة في النهار ودرس في الليل وتزوج من أمريكية، وعاش فترة في ديربورن في ميتشغان، وبعد ذلك دخل إسرائيل عبر أوروبا كي يقوم بعمليات وسجن في إسرائيل وخرج في صفقة تبادل بين حزب الله وإسرائيل حيث استقبله الأمين العام للحزب حسن نصر الله. ويظهر مقتل أيوب المدى الذي ذهب فيه حزب الله للدفاع عن الأسد. ومن هنا جاءت تصريحات نصر الله الأخيرة.
دور الحزب
ففي يوم الجمعة الماضي دعا زعيم الحزب نصر الله الولايات المتحدة الإعتراف بأن الرئيس بشار الاسد قد ربح الحرب في سوريا، وطالب الحكومة الأمريكية قبول النظام السوري من أجل تسوية وإنهاء الحرب التي مضى عليها أكثر من 3 أعوام.
وفي خطابه الذي نقل عبر الفيديو دعا الولايات المتحدة للحوار مع النظام إن أرادت أن تكون جزءا من الحل. وجاءت تصريحات نصر الله بمناسبة إعلان فوز الأسد في الإنتخابات السورية التي جرت يوم الثلاثاء، حيث تزامنت مع تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري والتي اقترح فيها إمكانية لعب حزب الله ـ المصنف كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة – لعب دور في تحقيق «تسوية مشروعة – إلى جانب إيران وروسيا. وعلقت صحيفة «واشنطن بوست» أن التصريحات تشير للدور المحوري لحزب الله الذي أرسل مقاتليه لسوريا لمساعدة نظام الأسد وتأمين بقاء الأسد بالسلطة وحديث كيري هو اعتراف بهذا الدور.
ولكن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية إدغار فاسكويز علق على تصريحات كيري وأنه ليس المقصود منها تغيرا في الموقف الأمريكي الداعم للمقاتلين والبحث عن مستقبل أو موقفها الداعي لمستقبل سوري بدون الأسد.
وقال فاسكويز «لا زلنا نواصل دعم المعارضة المعتدلة والجهود لتحقيق انتقال سياسي حقيقي»، مضيفا إن «تعليقات نصر الله لا قيمة لها مثل الإنتخابات التي جرت في سوريا».
وتمضي الصحيفة بالقول إن نصر الله لم يستبعد إمكانية الحوار مع الولايات المتحدة ولكنه اشترط مبادرة الولايات المتحدة بالحوار مع الأسد. ومع أنه لم يذكر اسم كيري إلا أنه لم يترك أي مجال للشك إنه كان يعلق على ما قاله كيري، شاجبا الموقف الأمريكي وتصريحات وزير الخارجية التي وصف فيها الإنتخابات السورية بأنها مجرد «صفر» وقال نصر الله إنها «صفر ضخم وكبير» و»ولم تكن صفرا للملايين من السوريين الذين صوتوا فيها».
واعتبر مثل إيران أن الإنتخابات أكدت الدعم الذي تحظى به الحكومة السورية، وبطريقة أخرى فشل عملية جنيف، حيث قال إن «نتائج الإنتخابات تعني أنه لا يوجد حل يقوم على جنيف» لأن أي حل يدعو لرحيل الأسد الذي أعاد السوريون انتخابه غير ممكن».
ومن ثم وضع نصر الله شرطين يسمح من خلالهما للولايات المتحدة وحلفاءها المشاركة في تحقيق تسوية في سوريا، «الأول هو الإعتراف بشرعية الإنتخابات، أما الثاني فهو التوقف عن دعم المعارضة».
ودعا المعارضة للإستسلام، مشيرا أن مصيرهم سيكون مثلهم لو قرروا مواصلة القتال.
إبراهيم درويش