النظري والعملي في المطالبة بالدفاع عن قيم الجمهورية

 أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بخصوص الإسلام قبل نحو شهرين ضجة كبيرة، وانتقادات واسعة النطاق، بين المسلمين في شتى أنحاء العالم، رغم أن الرجل حاول التخفيف من وطأة تصريحاته، خاصة قوله إن الإسلام كدين في أزمة، ودعوته إلى ما يشبه هندسة الإسلام في فرنسا، أو ربما بتعبير أدق هندسة الإسلام الفرنسي من قبل الدولة بقوانين تشرعنها الجمعية الوطنية الفرنسية، وقرارات تتخذها الحكومة. هذا في حين أن هذا الموضوع يستوجب حواراً وطنياً عاماً، يجمع بين المفكرين والباحثين ورجال الدين والسياسيين من جميع الأديان والتيارات الفكرية الفرنسية؛ حتى يتم التوصل إلى نموذج واقعي مقبول. نموذج يعالج المشكلات الحقيقية الموجودة في المجتمع الفرنسي، سواء تلك التي تتسبب فيها جماعات الإسلام السياسي أم تلك التي تساهم فيها أحزاب وقوى اليمين المتطرف العنصري الذي غالباً ما يتخذ من التشدد الإسلاموي حجة للتهجم على المسلمين، بل على المهاجرين برمتهم، خاصة الآسيويين والأفارقة منهم.
فرنسا لديها تراث عريق في الفكر التنويري الذي استلهمت منه الثورة الأمريكية، ومن ثم الفرنسية؛ وأسهم في تبدل مفاهيم الحكم وحقوق الإنسان. وأدى التراث المعني إلى نشر الأفكار الديمقراطية ليس في أوروبا وحدها، بل في العالم أجمع. ولعل هذا ما يلقي الضوء على الباعث خلف اتخاذ القوانين والدساتير الفرنسية مثالاً يُحتذى حتى يومنا هذا في صياغة القوانين والدساتير في مختلف أنحاء العالم.
تراجع ماكرون بعض الشيء عن تصريحاته المشار إليها التي لم تكن حكيمة الصياغة، بل كانت أقرب إلى التسرع والاستعجال، إن لم نقل متماهية مع الشعبوية؛ حتى فسرها بعضهم بأنها محاولة للعزف على وتر جهود اليمين المتطرف استعداداً للانتخابات الرئاسية المقبلة، وهي الانتخابات التي ربما سيكون من الصعب أن تتوفر فيها مجددا الظروف ذاتها التي مكّنت ماكرون من الفوز على السياسيين المخضرمين من مرشحي الأحزاب الفرنسية العتيقة.
ورغم الجهود الدبلوماسية والإعلامية التي بذلت من قبل ماكرون وحكومته لتطويق تبعات موجة الغضب والنقد التي توسعت دوائرها في سائر المجتمعات المسلمة، سواء في الدول الإسلامية نفسها، أم ضمن الجاليات المسلمة في مختلف أنحاء العالم؛ رغم كل هذا وذاك، ما زال الشعور العام بالغبن والإجحاف فاعلاً بين المسلمين المتدينين العاديين، إذا صح التعبير، هؤلاء ممن لم يخلطوا في يوم من الأيام بين الدين والسياسة، وممن “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”.
كذلك حاولت بعض الدول استغلال الموضوع في خلافاتها البينية؛ كما أن بعض الأنظمة المستبدة تعاملت مع الموضوع من موقع منح المشروعية لنفسها عبر اتهام معارضاتها بـ “الإسلام السياسي” الذي هو، وفق الدعاية الإعلامية لتلك الأنظمة، المصدر الرئيس لكل الجماعات المتطرفة الإرهابية التي تقدم الأنظمة المعنية نفسها باعتبارها ضحية من ضحاياها، والقادرة في الوقت ذاته على مجابهتها ولجمها، إذا ما حصلت على الدعم والمساندة من جانب القوى الدولية المتضررة من العمليات الإرهابية التي جرت في العديد من الدول الأوروبية والأمريكية ومنطقة الشرق الأوسط؛ وهي العمليات التي تبنتها في معظم الأحيان تنظيمات متشددة.
قضية عدم اندماج قسم من المسلمين، وليس جميعهم، بصورة إيجابية مع احترام الخصوصيات، ضمن المجتمعات الغربية بصورة عامة، والمجتمعات الأوروبية بصورة خاصة، لا تخص فرنسا وحدها، بل تشمل العديد من الدول الأوروبية التي احتضنت على مدى عقود جاليات كبيرة من المسلمين انتقلت من أوطانها الأم إلى أوطانها الجديدة لأسباب متباينة، في مقدمتها: اخفاق حكومات المجتمعات الأم في توفير الأمن والأمان ومقومات العيش الكريم لجميع مواطنيها، بل اعتمدت تلك الحكومات سياسات القمع وكم الأفواه، والتصفية بحق المناهضين لاستبدادها وفسادها، هذا بالإضافة إلى عدم اهتمامها بالوطن وأهله إلا من زاوية مصالحها الخاصة، وحرصها على البقاء في سدّة الحكم وبأي ثمن.
كان من اللافت احتماء الرئيس ماكرون بحق التعبير عن الرأي في سياق قضية الرسوم المسيئة. وحق التعبير عن الرأي ، كما هو معروف، ركن أساس من أركان النظام الديمقراطي، ولكنه مشروط بعدم الإساءة إلى الآخرين بسبب العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس أو الفكر.
إلا أن ما صرح به ماكرون قبل أيام، وما أقدم عليه، أثار الجدل مجدداً حول مدى مصداقية التزامه بقيم الجمهورية ذاتها التي يدافع عنها. فالتصريحات التي أدلى بها في سياق تسويغ صفقة السلاح مع مصر، ذهبت إلى حد دعوته إلى عدم الربط بين تلك الصفقة وسجل النظام المصري في ميدان حقوق الإنسان؛ وذلك بذريعة أن مواجهة الإرهاب هي أولوية الأولويات. هذا رغم اعتراض منظمات حقوقية دولية معروفة على الصفقة، ودعوتها إلى ضرورة احترام  النظام المصري لقضايا حقوق الإنسان، وإطلاق سراح الناشطين، وغالبيتهم لا ينتمون إلى الإسلام السياسي، بل هم من أصحاب التوجهات الليبرالية والديمقراطية. ومن بين المنظمات الموقعة على البيانات المعنية، منظمة العفو الدولية والمنظمة الدولية لمراقبة حقوق الإنسان “هيومن رايتس ووتش”.
ولكن رد الرئيس الفرنسي حول هذا الموضوع كان التالي: “أعتقد أن وضع مثل هذه الحالة الشرطية لن يدفع الموضوعات التي نناقشها إلى الأمام للحظة، وأنها ستضعف شركاءنا في حربهم ضد الإرهاب”. بمثل هذا الوضوح يؤكد ماكرون أن حقوق الإنسان لا تحظى بالأولوية  في موضوعات صفقات الأسلحة، وفزّاعات الإرهاب المتنقل الذي أتقنت حكومات الاستبداد تصنيعه وتسويقه واستثماره لتحصل على العقود، وتتعهّد بضبط الأوضاع مقابل الحصول على الدعم المادي، والتغطية السياسية من الحكومات الديمقراطية، وشركات السلاح التي يبدو أن مصالحها هي التي تُفرض في نهاية المطاف، رغم كل الدعوات المطالبة بضرورة الحفاظ على الأمن والسلام.
فما تعانيه مصر لا يتمثل في الإرهاب الغريب المجهول بالنسبة للمواطنين المصريين العاديين الذين يعانون من الفقر والمرض وتراجع مستويات التعليم والبحث العلمي والمشكلات البيئية، وغياب حرية التعبير التي من المفروض أن ماكرون يقدسها التزاماً منه بقيم الجمهورية.
ما تحتاجه مصر قبل كل شيء ليس السلاح بل الدواء، والطعام وتأمين فرص التعليم والعمل. وهذا كله لن يتم من من دون مشروع وطني مصري متكامل يكون بكل المصريين ولجميع المصريين. مصر في حاجة ماسة إلى مصالحة حقيقية مع ذاتها، وهي تدفع منذ عقود طويلة ضريبة الصراع بين العسكر والإسلامويين تحت شعارات متباينة.
هناك فساد شمولي في مصر وغيرها من الأنظمة الجمهورية العسكرية التي فُرضت على مجتمعاتها بدعم خارجي، وسوّقت نفسها داخلياً بشعارات قوموية كبرى. ولكن ذاب الثلج وبان المرج، وتكشفت العورات. وللتغطية على ذلك، سرعان ما أصبح موضوع محاربة الإرهاب البضاعة الرائجة التي اعتمدتها الأنظمة المعنية لتبرير استبدادها وفسادها، وصفقات الأسلحة التي غالباً ما تستخدم ضد الشعوب.
الضمانة الأكيدة للمحافظة على الأمن الوطني، والسلام المجتمعي في دول المنطقة يتمثل في المصالحة الوطنية الداخلية، والتوافق على آليات وقواعد المنافسة المشروعة للوصول إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع. فالعملية الديمقراطية لا تكتمل من دون احترام الآخر المختلف، والحصول على ثقة الناس عبر الإنجازات، لا من خلال فرض السلطات، وقمع حريات التعبير.
الأمر الآخر الذي يلفت الانتباه في مسيرة ماكرون الرئاسية، إصراره على سد الأبواب أمام أي تفاهم مع تركيا؛ هذا مع ملاحظة أن الرئيس التركي أردوغان نفسه يبادله هذا الموقف، ربما لحسابات داخلية، ومقاصد انتخابية، تخص الرجلين.
فالتصعيد الجاري حالياً في شرق المتوسط ليس في مصلحة الأوروبيين ولا في مصلحة دول منطقتنا، ومن ضمنها تركيا. والمنطق السليم يستوجب العودة إلى الحكمة، والتوافق على آلية لحل الخلافات وفق قواعد القانون الدولي مع مراعاة مصالح الجميع. فاستمرارهذا التصعيد سيؤدي إلى المزيد من الاستقطاب والتخندق بين الدول، وفي مثل هذه الوضعية تؤجل عادة القضايا التي تجسد أولويات الشعوب وتطلعاتها، وتغدو كل إمكانيات البلد تحت تصرف السلطات التي تستخدمها لتعزيز سيطرتها.
الحوار الجاد المسؤول هو المطلوب باستمرار لحل القضايا العالقة، سواء بين الحلفاء أم بين الجيران، أو بين الحكومات وشعوبها، وحتى بين الأعداء.
تركيا هي جارة مهمة لأوروبا، وما زالت مرشحة للدخول إلى الاتحاد الأوروبي. وبينها وبين الدول الأوروبية مصالح لا تعد ولا تحصى. والأمر ذاته بالنسبة إلى مصر. والمنطق السليم يستوجب احترام حقوق الإنسان والمصالح. وإذا توفرت الحكمة لدى مختلف الأطراف فإن عملية التوفيق بين الأمرين ممكنة، ونتائجها الإيجابية ستكون لصالح الجميع.
هناك قوى أساسية ضمن الاتحاد الأوروبي تميل إلى التفاهم من دون المزيد من التصعيد. ويبدو أن الجانب التركي هو الآخر بدأ يتراجع قليلاً نحو الخلف.
هل سيعيد ماكرون النظر في حساباته، ويقنع اليونانيين بضرورة الجلوس مجدداً إلى مائدة الحوار والمفاوضات؟ هل سيلتزم نصاً وروحاً بقيم الجمهورية التي تؤكد أن حقوق الإنسان تظل فوق حسابات البراغماتية السياسية؟
أسئلة تنتظر الإجابات من تلميذ بول ريكور الذي نتمنى له وللشعب الفرنسي السلامة، والانتصار على كورونا.

كاتب وأكاديمي سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية