لا يمكن أن يتحقق التقدم الحضاري إلا بالمعرفة، غير أن الممارسة تتطلب أدوات محددة بغية تكوين أو تدعيم الجانب المعرفي الذي يبدو شديد التواضع في العالم العربي، ولاسيما أن تقرير التنمية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2016 يرى أن سبيل التنمية في العالم العربي مرهون بفئة الشباب التي بدأت في بعض الدول تطالب بالمزيد من الحرية التي تعدّ شرطا من شروط التقدم، على الرغم من التّحديات التي تواجهها هذه العملية في العالم العربي، من حيث بطء التحول لتحقيق المزيد من الديمقراطية، فالمكتسبات تكاد تكون غير ملاحظة، غير أن ثمة حراكاً دائماً أسهمت فيه المنصات الجديدة التي بدأت تشكل رأيا عاما بات مصدر قلق للكثيرين.
لعل الاطلاع على بعض القضايا التي يذكرها التقرير سيضعنا أمام بعض الملاحظات التي تعوق تحقق التقدم، وتتمثل بندرة فرص العمل اللائق، فضلاً عن ضعف المشاركة السياسية، بالإضافة إلى انخفاض جودة الخدمات العامة في مجالي التعليم والصحة، وسوء إدارة التنوع في المجتمع، علاوة على انتشار مفاهيم وممارسات موروثة تحول دون تحقيق المساواة بين الجنسين، بالإضافة إلى الصراعات السياسية التي تقوض التنمية، مع الإشارة إلى قضايا تتعلق بالتطرف الديني والعنف (المصدر: تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016)
إن القدرة على إيجاد حلول للمشكلات غالباً ما يتعثر في معظم البلدان العربية، حيث لا يحقق الهدف المنشود، على الرغم من أن المواطن العربي يمتلك الموارد والمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى كافة التقنيات، ووسائل البحث العلمي، غير المنتج شديد التواضع، في حين إن معظم النظم الإدارية العربية العليا، ونعني النخب التي تقوم بالتخطيط قد تخرجت من جامعات غربية نتيجة الامتيازات الذي تحصل عليه طبقة أو فئة في المجتمع، حيث تتوالد القيادات من رحم بعضها بعضا، وتكون محصورة في فئة معينة، غير أن رؤيتها الإدارية تبقى تقليدية، نظراً لرغبتها بالمحافظة على تفوقها، في حين أنها ترتهن في معظم الأحيان لإملاءات خارجية من قبل القوى الكبرى، ولا تمتلك حلولاً مبتكرة، أو خططاً تنموية حقيقية. إن ما يعنينا في هذا السياق عقم الإدارة من حيث وضع حلول لسائر المشكلات التي تعاني منها الأوطان العربية، فثمة فشل في السياسات الاقتصادية، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة، كما الفساد، أضف إلى ذلك عدم القدرة على تحقيق إنتاجية في سائر المجالات، بما في ذلك الآداب والفنون، حيث ما زال الإبداع العربي قليل التأثير لم يصل إلى أن يكون صاحب رسالة كونية إنسانية.
معظم الدول التي لا تمتلك مصادر دخل طبيعية، أقامت ثرواتها على المعرفة والإنتاج، ومن ذلك النظم والتطبيقات الإلكترونية، أو الأجهزة الطبية، أو ابسط من ذلك صناعة مواد غذائية كالجبنة والشوكولاته اللتين يمكن أن تنهضها باقتصاد دولة، وتضعها في مصاف الدول المتقدمة.
هذه الأسئلة أو التأملات تحتم علينا النظر في الطريقة التي يمكن أن تنتهجها النظم المعرفية، من حيث قدرته على الإفادة من المعرفة في تحقيق الوجود، والخروج من دائرة الارتباك والارتجالية في القرار والفعل السياسي. إن مفهوم تطبيق المعرفة لطالما وقع بين تكوينات تتراوح بين عقلية ومثالية، فثمة منظورات واقعية ذات نزعة تجريبية علمية، كما ثمة منظور عقلاني مثالي ينطلق من فرضيات، وبين هذين المكونين ثمة الكثير من النقاشات التي أسهمت فيها عقول كونية منها ابن خلدون، وديكارت وكانط وهيغل ولوك وغيرهم الكثير. إن قدرتنا على الانحياز إلى جانب ما من حيث تقديم النظام التطبيقي القائم على التجريبية والواقعية، ربما لا يحقق النتائج المرجوة؛ ولهذا ينبغي أن يتم في بعض الأحيان اللجوء إلى الجانب العقلي القائم، ضمن صيغة مثالية من طرف الاستدلال والوصول إلى المعرفة. ولعل من أهم الذين قدموا مفهوما متكاملاً للجوانب الأبستمولوجيا الفيلسوف غاستون باشلار، الذي يقول إن أهمية المعرفة تكمن في العلم، فالفهم المنقوص من قبل العلماء سيقود دائماً إلى الفشل في ما يقومون به، وبذلك فإنهم لم يتمكنوا من تحقيق النتائج المرجوة. ثمة إذن حاجة للحصول على كافة المعطيات التي يمكن أن تقود إلى تحقيق معرفة حقيقية. إذن نحن أمام معضلة الواقع وكيفية تمثيله، في حين أن بين الواقع والتصور ثمة مسافة يقع فيها الخطأ.
إن مفهوم التمثيل الفلسفي Representation من وجهة نظر باشلار هو الوسيط الطبيعي لتحديد العلاقات الخاصة بالشيء ذاته، وكما الظاهرة ضمن علاقة جدلية وهذا ما يعني أننا غالبا ما نقع في الخطأ حينما نقع بين هذين المكونين، أو في مرحلة البحث، فالظاهرة تبدو لنا تجليات فعل التمثيل؛ أي أننا لا نستطيع أن نلجأ إلى حلول تجريبية لمشاكلنا، بدون تعمق أو عبر محاولة تصورات ذهنية نعتمد فيها على العقل، كما لا يمكن أن ننطلق من الظاهرة العقلية أو النظرية لحل مشكلة بلا قدرة على اعتماد مبادئ تجريبية أو واقعية، وهذا ما يعني أن ثمة مشكلة في كيفية وضع حلول للمشاكل في الواقع العربي، الذي غالباً ما يلجأ إلى تجربة حلول أو أفعال تتخذ شكل القرارات ـ بلا دراسة – وغالبا ما تؤدي إلى نتائج سلبية، وهذا يكاد ينسحب على الكثير من قضايا العالم العربي، حيث تسعى الحكومات إلى اتخاذ قرارات لا تبنى على العقل، ولا تخضع للبحث الحقيقي عند تحديد سياساتها، ولاسيما الاقتصادية منها، فهي تخضع نظامها إلى مبدأ واحد فقط، ونعني عقلاً فردياً، أو قيادة نخبوية فئوية، وبعد حين نكتشف أن معظم تلك السياسيات بنيت على معطيات خاطئة، وكما يقول براترند راسل، ثمة نوعان من المعرفة: معرفة الأشياء، ومعرفة الحقائق، وفي واقع العالم العربي غالبا ما يساء فهم هذا الأشياء حيث إن وجود أكبر نسبة فقر في العالم يبدو موضوعاً واضحاً نتوصل له من خلال المعاينة، كونها ماثلة أمام الأعين، غير أن معرفة الحقائق، ونعني هنا الأسباب التي أوجدت هذا الواقع، ووضع الحلول يبدو في معظم الأحيان صعباً، أو شائكاً، كون العقل لا يمارس نظام التفكير الصحيح، فاتخاذ القرار في معظم الأحيان يتناسى أن من أوجد هذا الشيء ممارسة خطأ نتجت عن نقص في المعلومة، وهنا لا يمكن التفكير في نماذج من الحلول التي يمكن أن تؤدي إلى بناء نهضة حقيقة على مستوى الفعل، كوننا مجتمعات غير منتجة للمعرفة، ولا تنتج قدرات بحثية حقيقية، فمعظم الدول التي لا تمتلك مصادر دخل طبيعية، أقامت ثرواتها على المعرفة والإنتاج، ومن ذلك النظم والتطبيقات الإلكترونية، أو الأجهزة الطبية، أو ابسط من ذلك صناعة مواد غذائية كالجبنة والشوكولاته اللتين يمكن أن تنهضها باقتصاد دولة، وتضعها في مصاف الدول المتقدمة.
إن بناء الاقتصاد لا يمكن أن يأتي بحلول ذهنية ما لم تتداخل مع واقع تجريبي، غير أن العقل التجريبي العربي نفسه قصير الذاكرة – شأنه في ذلك شأن ذاكرة السمكة- فهو سرعان ما يتخلى عن أهدافه سريعاً، أو يتناساها، فضلاً عن كونه يفتقر إلى الثقة بالنفس، وهنا نعود إلى مشكلة استعمارية، تتعلق بمشكلة الثقة، فنحن مسكونون بهذا القدر بأننا دائما ما نحتاج إلى الآخر، وينبغي لنا أن نبقى في علاقات بنيوية من الاحتياج للآخر. إن معظم الفشل في المؤسسات الكبرى على مستوى الدولة، ولا سيما على مستوى التخطيط يكمن في أننا لا نستطيع التعامل مع الواقع كما هو ماثل، إذ لا نملك القدرة عل تبيان ما هو نافع أو ضار، وهذا ينسحب على تجاهل العقول القادرة على إحداث تنمية كونها تمتلك المعرفة الكافية، ولكنهم في معظم الأحيان يستبعدون كونهم لا يتمتعون بقوة سلطوية تنتج عن وضع عائلي أو طبقي ما، وهنا يتحول العقل إلى جانب من جوانب تقديم الفكرة المفصولة عن الواقع، وبأن عصر توالد العقول قد ولى، إذ لا يمكن أن نبقى محكومين بنظم إدارة تقليدية، لا تميز بين الشيء وتمثيله في الوعي وحقيقته، كما القدرة على إخضاعه للتفكير العقلاني والمنطقي.
٭ كاتب أردني فلسطيني