ليس الدولار وحده الذي له أنياب تعض وتدمي. ولا الرقائق الإلكترونية المتقدمة وحدها. النفط أيضا له أنياب، والقمح له أنياب، والمعادن النادرة لها أنياب! العالم لم يعد يسير على ما تشتهي المصالح الأمريكية فقط. ولأن السعودية أثبتت أن النفط له أنياب، فإن الولايات المتحدة يجب أن تعلم علم اليقين أنها عندما تستخدم الدولار سلاحا ضد العالم، فإن كل دولة تجتهد في البحث عما في جعبتها من أسلحة، للدفاع عن مصالحها. قرار السعودية بتخفيض إنتاجها النفطي بكمية تبلغ 500 ألف برميل يوميا اعتبارا من الشهر المقبل ليس موجها ضد الولايات المتحدة، ولا ضد الدول المستهلكة، وإنما غرضه الرئيسي هو حماية المصلحة الوطنية للمملكة، وحماية ثروتها الأولى من تحديات السوق وتقلبات الأسعار.
وعلى الرغم من أن الاتهام الرئيسي الذي توجهه الولايات المتحدة إلى دول «أوبك +» التي تتزعمها السعودية وروسيا (22 دولة) هو أن قرار تخفيض الإنتاج يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وأن ارتفاع الأسعار يؤدي إلى ارتفاع التضخم، بما يهدد فرص النمو العالمي، فإنها في حقيقة الأمر تتجاهل أن سياستها النقدية هي التي أدت لارتفاع أسعار الدولار، ومن ثم ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوى له في الأربعين عاما الأخيرة، كما أن هذه السياسة أدت أيضا إلى انفجار أزمة غلاء المعيشة حول العالم، وهروب الاستثمارات الأجنبية من الدول النامية، وتدهور قيمة عملاتها وتدهور معدلات النمو.
حقائق جديدة في سوق النفط
منذ اكتشاف النفط حتى أزمة الإمدادات النفطية الأولى عام 1973 ظلت سوق النفط خاضعة لإرادة الدول الصناعية المستهلكة وشركاتها، قبل أن تصبح سوقا يقول فيها المنتجون الكلمة الأخيرة. لكنها منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي تتأرجح بين أن تكون سوق منتجين، تكون اليد العليا فيها للدول المصدرة، أو تكون سوق مستهلكين تكون اليد العليا فيها للدول الصناعية المستهلكة. وقد تعلمت الدول المصدرة للنفط من أزمة 2014 – 2016 التي هبطت فيها أسعار النفط هبوطا حادا، أن وحدة المصدرين الأعضاء في أوبك والدول الرئيسية غير الأعضاء، تمثل العامل الرئيسي الذي يمكن أن يحقق التوازن في السوق واستقرار الأسعار. ومنذ تشكيل مجموعة «أوبك+» في أواخر 2016 أصبحت سوق النفط هي سوق منتجين. وعلى الرغم من محاولة الولايات المتحدة تقويض سيطرة المجموعة عن طريق توسيع مناطق التنقيب عن النفط، وإغراق السوق بالنفط الصخري الرخيص، والسحب من المخزون الاستراتيجي، فإن السمة الرئيسية للتوازن في السوق ما تزال حتى الآن هي سيطرة الدول المصدرة، خصوصا بعد تراجع إنتاج النفط الصخري، وفشل الضغوط السياسية التي تمارسها الولايات المتحدة، التي بلغت ذروتها في تموز/يوليو من العام الماضي، خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي للسعودية.
وتتضمن الحقائق الجديدة في سوق النفط، تضامن الدول النامية في مواجهة العقوبات النفطية والاقتصادية التي تخضع لها روسيا وإيران وفنزويلا، وتجلت مظاهر هذا التضامن في زيادة مشتريات تلك الدول وعلى رأسها الهند والصين من النفط الروسي، واستمرار التنسيق على أعلى مستوى داخل مجموعة «أوبك+» في حين تواجه الدول الصناعية المستهلكة، بما فيها الولايات المتحدة تحديات انخفاض إنتاج النفط الصخري، وضرورة إعادة بناء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، والمخزونات التجارية للشركات ومحطات الطاقة، بعد أن تم إنهاك الاحتياطي والمخزونات التجارية بالسحب منها خلال الأشهر الأخيرة، في محاولة للضغط على الأسعار إلى أسفل. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تتعرض السوق لنقص في الإمدادات عن الطلب خلال النصف الثاني من العام الحالي، حيث أن الطلب سيسجل ارتفاعا قياسيا هذا العام.
العوامل المحددة للعرض
يتحدد مستوى الإنتاج النفطي بناء على ما تقرره احتياجات التنمية للدول المصدرة وتحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن بين العرض والطلب في السوق العالمي، وضمان أقصى قدر من الاستقرار في الأسعار وكمية الإمدادات. ومن ثم فإن العوامل الرئيسية التي تقرر مستوى العرض وتحقيق السعر العادل للنفط تتضمن:
زيادة عائدات التصدير
أولا: ضمان توفير احتياجات تمويل التنمية في القطاعات غير النفطية، في الدول المصدرة، استعدادا لمرحلة ما بعد النفط، وتجنب الوقوع في أزمات اقتصادية بسبب تفاقم العجز في الموازنات الحكومية. ويجب أن نعلم هنا أن قدرة القطاع الخاص على الإسهام في تعزيز الاستثمار في القطاع غير النفطي ما تزال محدودة، وتعتمد كليا أو جزئيا على إسهام الحكومة في الاستثمار. ويتطلب توفير احتياجات تمويل التنمية المحافظة على السعر التوازني المقدر في ميزانيات الدول النامية المصدرة للنفط. ويبلغ هذا السعر في الوقت الحالي ما يقرب من 80 دولارا للبرميل. إن ضمان عائد مرتفع للصادرات النفطية، مع الحرص على توازن السوق، يمثل المحدد الأول للعرض في السوق؛ فانهيار أسعار النفط، أو تدهورها تحت متوسط السعر التوازني، يمثل تهديدا للتوازن الاقتصادي ومتطلبات التنمية في الدول النامية المصدرة للنفط، ومن ثم فإنه يتعارض مع مصالحها الوطنية. كما أن انخفاض الأسعار يهدد قدرتها على ضخ استثمارات جديدة لزيادة الإنتاج بما يكفي لمقابلة الزيادة في الطلب العالمي، وهو ما يتعارض مع مصلحة الدول المستهلكة والعالم. إضافة إلى ضرورة تخصيص استثمارات كافية للوفاء بمتطلبات عملية الانتقال من مصادر الطاقة التقليدية إلى الطاقة الجديدة، وتطوير إنتاج أنواع الوقود المنتجة حاليا، لتخفيض الانبعاثات الكربونية، بما يتلاءم مع احتياجات مواجهة التحدي البيئي المتمثل في أزمة المناخ.
زيادة الإنتاج العالمي
ثانيا: تلبية احتياجات نمو الطلب العالمي بالمحافظة على مستويات كافية من الإنتاج والعائد، للمساعدة على ضخ استثمارات جديدة في حقول الإنتاج القائمة، والتنقيب عن حقول جديدة. ويتعرض جانب العرض في الوقت الحاضر لضغوط وتشوهات واسعة النطاق، تؤدي إلى عجز الدول المصدرة للنفط عن إنتاج الحصص المحددة لها. وقد ظهر تأثير العقوبات على إمدادات النفط الروسية مبكرا في الشهر الماضي، أي قبل إعلان السعودية ودول أوبك قرارها بتخفيض الإنتاج طوعيا في اوائل الشهر الحالي.
وطبقا لمسح أجرته مؤسسة «ستاندرد آند بورز» عن تدفقات النفط للأسواق العالمية خلال الشهر الماضي، فإن الضغوط السعرية واللوجستية على النفط الروسي أدت إلى تخفيض الإنتاج بحوالي 260 ألف برميل يوميا. وأسفر الحساب النهائي لتغير مستويات الإنتاج بواسطة مجموعة «أوبك+» إلى انخفاض الإنتاج الكلي بحوالي 300 ألف برميل، ليصل إلى 42.37 مليون برميل يوميا. كما سجل التقرير أن نقص الاستثمارات اللازمة لزيادة الإنتاج، أدى في نهاية الأمر إلى أن الإنتاج الكلي لدول «أوبك+» في الشهر الماضي كان أقل من مجموع الحصص المقررة بحوالي 2.173 مليون برميل يوميا. وذكر التقرير أن هذا يمثل أكبر فجوة بين الإنتاج الفعلي والإنتاج المستهدف منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر 2022. ومع ذلك فإن هذا النقص في الإنتاج بسبب نقص الاستثمار ترافق مع انخفاض الأسعار، ومن ثم تراجع إيرادات الصادرات، حيث هبط متوسط أسعار سلة نفوط أوبك إلى 70.77 دولار للبرميل في 20 اذار/مارس، وهو أقل مستوى له في الـ 12 شهرا الأخيرة، وانخفض سعر خام الأورال الروسي إلى 42.32 دولار للبرميل في 17 اذار/مارس. ولهذا السبب فإن روسيا أعلنت من جانب واحد، تخفيض إنتاجها بمقدار 500 ألف برميل يوميا حتى نهاية العام الجاري، بغرض تجنب آثار تحديد سقف السعر المحدد بواسطة الدول الغربية بـ 60 دولارا في المتوسط للبرميل من خام الأورال الروسي، وتوفير حالة من الاستقرار لمستوى كمية الإمدادات اليومية.
وفي هذا السياق أيضا جاء قرار المملكة السعودية في الثاني من الشهر الجاري، بإعلان تخفيض طوعي في الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل يوميا، إعتبارا من أول الشهر المقبل، كما انضمت بقية دول أوبك للقرار بتخفيض الإنتاج فيما بينها بكمية تبلغ 660 ألف برميل يوميا. القرارات بواسطة دول مجموعة «أوبك+» ترجح أن يكون متوسط الأسعار في السوق أعلى من 80 دولارا حتى نهاية العام الحالي. وقد ارتفعت الأسعار فعلا بعد إعلان التخفيضات، حيث بلغ متوسط أسعار سلة نفوط أوبك 85.4 دولار، وخام الأورال 55.12 دولار للبرميل في منتصف الشهر الحالي.
مواجهة أزمة المناخ
ثالثا: ضخ استثمارات جديدة كافية لتحقيق هدف الحياد الكربوني بحلول عام 2050. وهو ما يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية من أجل تطوير تكنولوجيا تخفيض نسبة الكربون في الوقود المستخدم، وتكنولوجيا الطاقة الجديدة، بما في ذلك تكنولوجيا تخزين الطاقة. ويتوقع تقرير أصدرته مؤسسة «وود ماكنزي» ارتفاع قيمة الاستثمارات النفطية المطلوبة هذا العام، لوضع الصناعة على المسار السليم، لمقابلة الأهداف البيئية والوفاء باحتياجات نمو الطلب على النفط والغاز في العالم بحوالي 470 مليار دولار. واستخلص التقرير أن نصف قيمة الزيادة في الاستثمارات المطلوبة هذا العام يغطي ارتفاع التكاليف، وليس لتحقيق زيادة الإنتاج لمقابلة الزيادة المتوقعة في الاستهلاك.
وبسبب الاهتمام العالمي بتحقيق الأهداف البيئية المتفق عليها في اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ، فإن شركات النفط العالمية، وليس الدول المصدرة فقط، تخصص استثمارات كبيرة لتطوير قطاع الطاقة منخفضة الكربون، إلى درجة أن شركة «إكسون» تتوقع أن استثماراتها في قطاع الطاقة المنخفضة الكربون، ستحقق في السنوات المقبلة دخلا يفوق الإيرادات التي تحققها من الاستثمارات التقليدية في قطاع النفط والغاز.
وفي أوروبا تعتني شركات الطاقة بالاستثمار في قطاعات الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتكنولوجيا وأنظمة تخزين الكهرباء، أكثر من الاستثمار في الطاقة المنخفضة الكربون.
إن تحديد الإنتاج على أساس هذه المحددات الثلاثة ينفي عن السعودية والدول المصدرة للنفط تهمة «تسييس» النفط، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن النفط له أنياب تستطيع بها الدول المصدرة المحافظة على مصالحها الوطنية، كما يتحقق بها السعر العادل لجميع الأطراف، بما يضمن سلاسة التحول العالمي إلى الطاقة النظيفة، وزيادة عائد الصادرات لتمويل التوسع الاستثماري لزيادة الإنتاج لمقابلة الطلب، وتوفير الإيرادات الكافية لتمويل التنمية، ودفع عملية الانتقال إلى اقتصاد ما بعد النفط في الدول النامية المصدرة.