النفوذ السعودي العابر للقارات!

حجم الخط
0

سليم عزوز

فضائيا، وربما اعلاميا بشكل عام، فان هذا الأسبوع هو أسبوع المملكة العربية بامتياز، ليس فقط بسبب قيام بعض الفضائيات بمناقشة قرار بلير بايقاف التحقيق في صفقة اليمامة، رضوخا للأوامر السعودية، ولكن بالاضافة الي ذلك فان بيان علماء المملكة الداعي الي نجدة أهل السنة في العراق من البطش الشيعي، لا يزال يناقش فضائيا.

في مساء يوم الجمعة الماضية كنت أتجول بين الفضائيات كعادتي، وهي رحلة سياحية تبدأ بقناة (الحوار) وتنتهي بقناة (الجزيرة)، وكانت الأولي تبث برنامج (أضواء علي الأحداث)، ولكني هربت منها كالبرق الخاطف او الريح المرسلة، وذهبت الي الفضائية الأخيرة، لأجد جمانة نمور تقدم برنامج (ما وراء الخبر)، علي ما أتذكر، والذي كان يناقش التحقيقات في صفقة اليمامة، وتستضيف عزام التميمي مدير معهد الفكر الاسلامي بلندن، وجوناثان الكاتب والمحلل البريطاني، والذي كان يدافع عن القرار الجريمة ويبرره. أصل الحكاية ان المملكة العربية السعودية كانت قد اشترت صفقة طائرات من المملكة المتحدة، وقيل – والله اعلم ـ ان شخصيات نافذة من أهل البيت السعودي قد تقاضت رشاوي ضخمة مقابل اتمامها، وهو أمر يفسر لماذا تحرص المملكة علي ان تبدد مليارات الدولارات سنويا من اجل شراء ترسانة من الأسلحة لا تستخدمها، علي النحو الذي ذكره زميلنا خالد الشامي في برنامج آخر هو (تسعون دقيقة) علي قناة (الحوار) أيضا، علي الرغم من أنها – أي المملكة – ليست من دول المواجهة باعتراف صالح بكر الطيار الذي ظهر في نفس البرنامج مدافعا عن المملكة بشكل أضحك الثكالي، وله جزيل الشكر، لأنه كان سببا في ان أبدأ يومي بابتسامة عريضة، علي غير العادة، حيث شهدت حلقة البرنامج المذكور في صباح الثلاثاء، وقت الاعادة، وليس حين البث علي الهواء مباشرة في الليلة الماضية، وكم كان جميلا لو شاهدته في حينه، وآويت الي فراشي وعلي وجهي ابتسامة صافية.

في مقال سابق انتقدت جمانة نمور، فتلقيت نقدا لاذعا من عدد لا بأس به من القارئات، واحداهن كانت صراحتها فجة، فأرجعت ما كتبت الي أنني حاقد عليها لجمالها، ولان الكذب خيبة، فقد اعترفت لها بأن هذا صحيح. وكنت قد انتقدت انشغال جمانة بجمالها أكثر من اللازم، وهي محقة في ذلك، ولم انتقد أداءها المهني، فهي مذيعة متمكنة من أدواتها، وحاضرة الذهن حتي وهي مشغولة، مع انه ورد في الاثر: ان صاحب بالين كذاب. وقد توقفت جمانة نمور في الآونة الأخيرة عن انشغالها سالف الذكر، و نجحت في حلقة (ما وراء الخبر)، علي ما أتذكر، مع أنها كانت تسحب الكلام سحبا من ضيفيها، فالضيف الخواجة يلف ويدور، حول امر واحد، هو التبرير لقرار وقف التحقيقات باعتبار ان بلاده مطالبة بالشفافية في الشأن الداخلي، اما عندما يكون الامر خاصا بمصالح تجارية خارجية، فليس مطلوبا منها ان تكون كذلك، لاسيما وان قيادات المملكة هددوا في حال استمرار التحقيقات بوقف التعامل مع لندن والذهاب الي فرنسا التي كان من الواضح انها مستعدة لاستقبال رجال خادم الحرمين الشريفين.. مدد.

عزام التميمي كانت اجاباته مقتضبة وان كانت صريحة، فالنفوذ السعودي عابر للقارات، وكل سؤال يجيب عليه في بضع كلمات، وكان طبيعيا ان تكثف جمانة نمور من الأسئلة حتي لا ينتهي وقت البرنامج قبل الموعد المقرر له، مع انه في حلقات أخري كان وقت البرنامج ينتهي بينما الضيوف لم يقولوا كل ما يريدون قوله، مثال ذلك الحلقة الخاصة بقضية الحجاب في مصر، والتي اختتمتها خديجة بن قنة بما يفيد ذلك، وأوعزت لنا معشر المشاهدين بتخصيص حلقات أخري لمناقشة هذه القضية، الا ان هذا لم يحدث.

لعلكم – يا معشر القراء – قد لاحظتم عبارة (علي ما أتذكر) عقب ذكر اسم برنامج (ما وراء الخبر) لأنني لست متأكدا حقا، من ان الحلقة المذكورة كانت خاصة بهذا البرنامج، وذكر هذه العبارة هو في الواقع أخذا بالاحوط، لأنني مصاب بزهايمر مبكر، والبعض يقول انه لا مبكر ولا يحزنون، فقد جاء في موعده بالضبط. والذي جعلني متشككا هو عدم وجود نص الحلقة علي موقع (الجزيرة نت) كما هو متبع، والبرامج تتشابه علينا، مع ان الديكور الذي شاهدته هو الخاص ببرنامج (ما وراء الخبر) لكن يخلق من الشبه أربعين، ولا يوجد الا معني واحد وهو ان النفوذ السعودي وصل الي قناة (الجزيرة)، واذا كان قد وصل الي بريطانيا العظمي ذاتها، ودفع برئيس الوزراء شخصيا الي الرضوخ للابتزاز، فهل يقف أمامه احد؟

منذ أسابيع قرر الصحافي المصري عبده مغربي عقد ندوة عن العلاقات السعودية الاسرائيلية، وحصل علي موافقة نقابة الصحافيين لتخصيص قاعة كما هو متبع لعقدها، وسألني هل تتحدث فيها ووافقت، وقامت الدنيا ولم تقعد، وقالوا في البداية ان السفارة السعودية احتجت لان كل المتحدثين من خصوم المملكة، وقتها شعرت ان قلبي وقع في حذائي من الهلع، فمن هذا المجنون، ونحن في الزمن السعودي، الذي يتم حسابه علي قائمة الخصوم ثم يهنأ له بال، الا اذا كان فاقدا للاحساس؟.. والحل؟ قالوا أنهم يقترحون بعض الأسماء التي تدافع عنهم، واتصل منظم المؤتمر بمسؤول في السفارة، الذي اقترح اسمين ليمثلوا الرأي الآخر، وكنت حاضرا الاتصال فطلبت ان يقترح مزيدا من الأسماء حتي نقف علي رجالهم في البلاد، ليس لأي هدف سيئ، لا سمح الله، او لأنني أهدف الي (تجريسهم) ولكن لكي احسدهم.

وبعد هذا كان كلامهم مختلفا ويدور حول ان قطر هي التي تدعم المؤتمر، وكان رد مغربي: لا بأس فلنغير عنوان الندوة الي العلاقات السرية بين قطر والسعودية مع اسرائيل، وكان الحل الامثل هو قرار لا نعرف الجهة التي أصدرته بالغاء الندوة، وتعجب صاحبنا لهذا النفوذ السعودي الخارق، وعقد مؤتمرا صحافيا ليشرح فيه ما جري، فلم تحضره فضائية واحدة، بما في ذلك فضائية (الجزيرة)، وتعجب مغربي لهذا النفوذ السعودي القادر علي الغاء ندوة في مصر، في وقت تعقد فيه الندوات لتهاجم الرئيس مبارك شخصيا ونجله، وقتها اذكر انني قلت له ان الرئيس مبارك متسامح في حقه، فما شأنك أنت؟ ولم تكد تمر سوي أسابيع علي (غزوة) ندوة القاهرة، حتي وقعت (غزوة) اكبر، لأنها كانت انتصارا علي دولة عظمي هي بريطانيا، بسيف الابتزاز.

الجنرال يتحدث في البداية قلت أنني مررت علي برنامج قناة (الحوار) كالبرق الخاطف، والسبب راجع الي استضافة جنرال ليتحدث، عبر اتصال هاتفـــــي، علي الرغم من انه لا توجد لي به سابق معرفة، لكن مجـــــــرد رؤية جنرال متقاعد يحلل عبر فضائية في قضية من القضايا أمر يصيبني (بالخفيف)، بعد ان باعـــــــــوا لنا الوهم في الحرب العراقية الأمريكية، وتبين انهم يدغدغون مشاعر المشاهدين الجياشة، وكان الواحد منهم ينتهي من الحديث في محطة فضائية، ليظهر في محطة أخري، وصار الطلب الفضائي عليهم أكثر من الطلب علي نانسي عجرم في ايام السلام، ثم سقطــــــت بغداد، لنكتشف انهم قوم لا علاقة لهم بالحروب ولا فنون القتال، وان علاقتهم في هذا المجال توقفت منذ زمن الخيل والليل والبيداء تعرفني. في نقابة المحامين المصريين احتشدنا لنستمع الي الرؤية التحليلية الفتاكة لكبيرهم في يوم السقوط، وكان المؤتمر قد تم تحديد موعده قبل أيام، ولم يكن مقبولا ان يعتذر، فحضر وبعد طول انتظار لكلمته، تكلم وقال لا ادري ما الذي يحدث.. حلاوتك، فأنا شخصيا مع أنني لست جنرالا، ولست محللا عسكريا، ولم أخض حربا من أي نوع، ولو كانت حرب البسوس، لا اعرف ما الذي يحدث.

عدت الي (الحوار) مرة أخري لأجد نفس البرنامج، ولكن بدون الجنرال، فقد تبين ان مداخلته كانت علي فقرة أخري فيه، وكان في الأستوديو الأستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير هذه الصحيفة، وعبر الهاتف الدكتور محمد سليم العوا الأمين العام لجبهة علماء المسلمين، وموضوع الفقرة: (بيان العلماء السعوديين.. معالجة أم تأزم؟). فأخيرا تذكر القوم في المملكة أنهم من أهل السنة، وان اخوانهم في العراق يعانون الأمرين، ووجب نصرتهم، مع ان الموضوع وما فيه هو جزء من الحملة الأمريكية علي ايران، والمساهمة في حرب طائفية، سعي الاحتلال اليها، وما يحدث للسنة هو نتاج غزو العراق الذي ساعد أهل الحكم في المملكة في انجازه، بل وحرضوا عليه. كما أنها تأتي في اطار مواجهة حزب الله، الذي سعوا منذ بداية نضاله التاريخي الي الايعاز بأنه شيعي، والتقليب في صفحات التاريخ من اجل وقف عملية الاعجاب بحسن نصرالله، الذي أصبح زعيم هذه الأمة بلا منازع!

كانوا نياما بيان السعودية كان للايعاز بان الشيعة يقتلون أهل السنة.. كأن القوم كانوا نياما واستيقظوا، وما يقال عن شيعة العراق ـ من وجهـــــة نظرهم ـ ينسحب بالطبع علي شيعة لبنان، لكن ضيفي برنامج (أضواء علي الأحداث) كانا واعيين للمؤامرة، فالاحتلال وعملاؤه يريدون ما يحدث في العراق ان يمتد الي جميع انحاء العالم الاسلامي، وطالب العوا الاعلاميين بأن يقفوا في مواجهة هذه الدعوات من خلال المنابر الاعلامية، ورد عطوان بان وسائل الاعلام تسيطر عليها الأنظمة العربية، التي تتحرك بالريموت كنترول من واشنطن.

في هذه اللحظة كانت قناة (العربية) تستضيف رئيس الوزراء العراقي، ربما ردا علي استضافة (الجزيرة) لنائب الرئيس العراقي وهو سني، كما كانت قناة (الاخبارية) السعودية تستضيف رئيس الوزراء الباكستاني ـ انعم وأكرم ـ الأمر الذي يؤكد ان المقياس هنا ليس التشيع ولا التسنن ولكن في القرب والبعد من الأمريكان!

واذا كان لابد من خاتمة لهذه السطور النكد، فاعتقد أنها من نصيب حلقة (تسعون دقيقة) التي انقلبت الي حلقـــــــــة فكاهية حقا، بسبب ما قاله صالح الطيار، وواضح انه سعودي، والذي علق علي مشكــــــــلة (صفقة) اليمامة بقوله انها مشكلة بريطانية داخلية لا يجب ان نقحــــم فيها الدول العربية، وعندما قال المذيع كيف ذلك والسعودية طرف فيها؟ رد بأن السعودية ليست طرفا لانها عضوة في منظمة الشفافية العالمية.. احلي كلام بصراحة.

كاتب وصحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية