تعمّقت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الهيكلية والظرفية في تونس فانفجرت أزمة جديدة في علاقات السلطات بنقابات العمال والصناعيين والتجار والفلاحين والنقابات المهنية القطاعية.
لم تعد للدولة ولا لكبار رجال الأعمال سيولة مالية تكفي لـ«شراء ودّ القيادات النقابية» وترضية ملايين من العمال والموظفين والكوادر في القطاعين العام والخاص تدهورت قدرتهم الشرائية واستفحلت معاناتهم بسبب التهاب الأسعار وارتفاع نسب التضخم والفقر والبطالة.
وبالرغم من جلسات العمل المتعاقبة التي عقدها الرئيس التونسي قيس سعيد ورئيسة الحكومة نجلاء بودن والوزراء منذ صائفة 2021 مع قيادات اتحاد الشغل والصناعة والتجارة والفلاحين، فقد تراكم غضب النقابات وعجزت السلطات عن تلبية المطالب المالية التي ترفعها النقابات وبينها تحسين الرواتب وجرايات التقاعد والتعويض عن زيادات أسعار المحروقات وكلفة الإنتاج وارتفاع كلفة التعليم والعلاج والنقل ..الخ.
تعهدات الحكومات السابقة
كما عجزت الحكومة عن الإيفاء بتعهدات الحكومات السابقة التي وافقت على زيادات «كبيرة جدا» في الرواتب والمنح وعلى تخفيضات في تكاليف الإنتاج.
وتكشف كل التقارير والدراسات أن ارتفاع نسب العجز التجاري وعجز ميزان الدفوعات وافلاس أغلب المؤسسات العمومية وشبه العمومية من بين العوامل التي تعقّد مهمة الحكومة وتعرقل تنظيم جلسات «تفاوض جدي» بين السلطات والنقابات.
في المقابل يطالب ممثلو اتحادات العمال والصناعيين والتجار والصناعيين بـ« تقاسم التضحيات» وبأن تنظم السلطات «جلسات تفاوض» معها وأن تكون قرارات الحكومة «حصيلة حوار ومسار تشارك «.
مبادرات الحوار الوطني مجمدة
وبسبب الأبعاد السياسية والأمنية المعقدة للأزمة الحالية أعدت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل بالشراكة مع ثلاث منظمات حقوقية ومهنية «مبادرة للحوار الوطني» وشكلت لها ثلاث مجموعات عمل سياسية واقتصادية واجتماعية.
وأطلقت شخصيات مستقلة ومعارضة مبادرات مماثلة تلتقي حول نفس الأهداف، رغم اختلافها في تقييم منعرج 25 تموز/يوليو 2021 هل كان حركة تصحيح أم انقلابا على الدستور وعلى البرلمان المنتخب في 2019.
لكن الرئيس التونسي تجاهل هذه المبادرات ثم تهجم عليها وعلى أصحابها بقوة. واتهم النقابات في خطابات ألقاها في الثكنة المركزية لقوات الحرس الوطني في العاصمة تونس ثم خلال جولات في الشارع بـ«تسييس العمل النقابي» وبالخلط بين الدور الاجتماعي للنقابات ودور المؤسسات السياسية و«بالتآمر على أمن الدولة».
وتهكم سعيد في خطاب جديد على معارضيه السياسيين والنقابيين والحقوقيين وأصحاب «مبادرات الإنقاذ والخلاص» النقابية والسياسية قائلا: «لماذا نظمنا انتخابات إذن؟» ثم اتهمهم بالتحالف مع «الذين حكموا تونس وخربوها في عشرية الخراب وفي العقود الماضية». بهذه التصريحات حكم سعيد على مبادرة «الحوار الوطني» النقابية وكل مبادرات الحوار التشاركي المستقلة بالفشل.
وقلل مرة أخرى من أهمية تجربة الحوار الذي نظم في 2013 وأسفر عن فوز قيادات النقابات ومنظمات حقوق الإنسان والمحامين بجائزة توبل للسلام.
لكن سعيد قال عن ذلك «الحوار الوطني: «لم يكن حوارا ولم يكن وطنيا» وهو ما تسبب في تصعيد التوتر والحملات الإعلامية بين قصر قرطاج والقيادات النقابية الحالية والسابقة بزعامة الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي وسلفه حسين العباسي.
دور القوى الوسيطة؟
وبرهن الرئيس سعيد مجددا أنه لا يؤمن كثيرا بدور «القوى الوسيطة» بين السلطة والمجتمع بما في ذلك النقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.
وكرّس مرة أخرى أنه يؤمن بـ«الدولة القوية وبرئيس واحد» ورفض تقسيم نفوذ الدولة بين عدة مراكز قرا. وأوحى بكونه لم يعد مستعدا للحوار مع قادة النقابات والأحزاب والمجتمع المدني المتهمين «بالفساد والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي».
واعتبر أن معالجة «المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية» من مشمولات الدولة والمجلس النيابي الذي انتخب 29 كانون الثاني/يناير الماضي، رغم تشكيك النقابات والأحزاب والمنظمات الحقوقية فيه لأسباب عديدة من بينها ضعف نسب المشاركة فيه، والتي كانت أقل من 12 في المئة.
خطر الانفلات الاجتماعي والأمني؟
=في الأثناء صعّدت القيادات المركزية لنقابات العمال لهجتها، ودعت إلى اجتماعات ومظاهرات وإضرابات شملت عدة جهات وقطاعات، بما في ذلك كبرى المدن الاقتصادية والتجمعات العمالية مثل صفاقس وقفصة والقصرين وجندوبة. ولوحت بتحركات واحتجاجات في العاصمة تونس والمحافظات القريبة منها مطلع شهر اذار/مارس المقبل.
وقد أعربت أوساط عديدة عن تخوفها من أن تتطور هذه الاحتجاجات والتحركات إلى «انفلات اجتماعي وأمني» على غرار ما وقع خلال مواجهات سابقة بين النقابات والمهمشين من جهة والسلطات من جهة أخرى، في كانون الثاني/يناير 1978 كانون الثاني/يناير 1984 ثم في كانون الثاني/يناير 2011.
بل يذهب البعض إلى حد توقع «انفجارات اجتماعية عنيفة» تعجز النقابات نفسها عن احتوائها، بسبب تدهور الأوضاع المادية لملايين الموظفين والعمال والمتقاعدين وتراكم مشاكل البطالة والفقر وارتفاع الأسعار وانسداد الآفاق أمام الشباب والمثقفين وخريجي الجامعات والمدارس العمومية.
لذلك كثّفت الحكومة تحركاتها عربيا ودوليا لمحاولة توفير ما تحتاجه ميزانية الدولة من تمويلات فورية.
لكن موافقة الصناديق الدولية على توفير مثل هذه التمويلات مشروط بموافقة رئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة والبرلمان على «قرارات لا شعبية» و «إجراءات موجعة» من بينها رفع الدعم عن المحروقات والمواد الغذائية وعن المؤسسات العمومية المفلسة مثل شركات النقل والكهرباء والغاز والمياه وصنع الأدوية وتوزيعها..ألخ.
في المقابل فإن قيادات النقابات ترفض بقوة هذه «الشروط» و«الرضوخ لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمؤسسات المالية الأوروبية والأفريقية والعربية».
في نفس الوقت يرفض قصر قرطاج الربط بين القروض الأجنبية والضغوطات التي تمارس عليها منذ عام ونصف «للعودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني» ومرة أخرى تجد تونس نفسها تدور في حلقة مفرغة في خضم أزمات تخفي أخرى.