النقد الثقافي: رؤية جديدة للعراقي حسين القاصد

صدر للناقد العراقي حسين القاصد كتابه الجديد «النقد الثقافي رؤية جديدة: الصورة الثقافية والتشبيه الثقافي في الشعر العربي» عن مؤسسة الصادق الثقافية في العراق 2021، وهو رحلة في حقل النقد الثقافي في نسخته العربية التي اشتغلت متونها على نشاطات جديدة على النقد الأدبي، اتخذت من الانفتاح على المظاهر الفكرية والمعرفية، وخطابات الاجتماع والسياسة، مجالا لها، فضلا عن انفتاحها على الخطابات الفنية مثل: الغناء والرقص، والموسيقى والنحت، والرسم والفلكلور والأزياء والمسرح، ووسائل الاتصالات، وما هو مهمش في الحياة، ومقصي عن التداول، بعيدا عن سلطة البلاغة، والترفع الأدبي بعد أن تبين للنقاد الثقافيين أن النقد الأدبي في مضماره المعاصر لم يعد قادرا على متابعة الحقول السابقة إلا من خلال إجراءاتهم التي تتجاوز النص إلى ما وراء ذلك، معولة على الثقافة المحيطة، وهي تلتفت إلى العلوم الاجتماعية والتأريخ، والفكر، والأنثروبولوجيا؛ كي تتقصى الأنساق المضمرة عبر الأنساق الظاهرة.
الكتاب في حقيقة أمره محاولة من ناقد شجاع اقترح جملة مسائل أراد أن يلحقها في مجال النقد الثقافي، بعد أن أصدر أكثر من كتاب في ذلك الحقل: «الناقد الديني قامعا» 2010 و»النقد الثقافي ريادة وتنظير: العراق رائدا» 2013 و»القصيدة الإعلامية» 2013 و»الجريمة الثقافية في العراق» 2016 وكان قد رأى قلة ما ظهر من نقد ثقافي يكمل ما بدأه الناقد عبد الله الغذامي في كتابه الشهير «النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية» من هذه الزاوية اقترح القاصد جملة مسائل أراد أن يلحقها في النقد الثقافي وهي:
المسألة الأولى التي تناولها بالقراءة والإجراء (الصورة الثقافية في الشعر) وهي قائمة على الاستغناء عن الصورة الفنية المتعارف على بنائها بلاغيا بعد أن وجد أبياتا عديدة، وجملا نثرية خالية من التصوير الفني، وقد شُهرت لا لأنها بلاغية، إنما لأنها تحمل ثقافة عصرها، من هنا عد التشبيه البليغ، والضمني تشبيهين ثقافيين بامتياز لخلوهما من أدوات التشبيه وقيامهما على محاكاة حالات ما، وعنده ليس بالتشبيه وحده تبنى الصورة الشعرية، إنما بما هو ثقافي أيضا، فالصورة الثقافية كما رآها تبنى بوسائل ليست بلاغية، بل بوسائل ثقافية يقترحها المجتمع.
ودرس الناقد في المسألة الثانية: (الصورة اللغوية) التي هي صورة ثقافية أيضا أداتها اللغة وحسب، بعيدا عن جماليات التشكيل البلاغي التقليدية، وهي في ميدان إجراءاته صورة تتوسل بحكايات اللغة، وما يؤول منها وصفا في الشعر، فحين يصف المتنبي مثلا الكلمة، وهو ينوي فعلا مضارعا في بيته الشهير: (إذا كانَ ما تَنْوِيهِ فِعْلاً مُضارِعاً.. مَضَى قبلَ أنْ تُلقى علَيهِ الجَوازِمُ) يكون قد فارق الخطاب البلاغي، واقترب من اللغة في إطارها الاجتماعي المحض، وهذا ظاهر بيّن في شعره حتى قدر له أن يوظف النتائج البلاغية لتكون أدوات تصويرية، بعيدا عن جماليات النصوص المفتونة بالزهو الجمالي المباشر، وهذا ما وجده في شعر أبي العلاء المعري أيضا، الذي استنفر كما يقول الناقد، كوامن اللغة لتأثيث صور شعرية ثقافية وحسب، وقد تتبع هذه الظاهرة ليجدها في أشعار واضحة عند الجواهري، وفي شعر نزار قباني، وأديب كمال الدين، وقصائد رحمن غركان، وعند الشاعر حمد الدوخي. وكانت المسألة الثالثة قد برزت (الصورة التوضيحية) التي عمادها أن الشعر يأتي شارحا وموضحا بصور لا تتكئ على مظهر بلاغي أبدا، فهي مشغولة بالبناء اللغوي والإيقاعي بوصفه واحدا من أنماط البناء الثقافي السائد، وهذا ما وجده في شعر المتنبي، والجواهري، ومحمود درويش، ونزار قباني.
المسألة الرابعة التي تقصاها الناقد (الصورة النفسية) التي يجاور من خلالها الشاعر المعنى بصورة قريبة منه كي تكون في الأساس نفسية نابعة من نفس الشاعر، وتصوراته الخاصة وهو يحقق أعلى درجات الجودة والتميز، وهذا ما وجده في شعر عنترة العبسي، والمتنبي والسياب.
وقرأ الناقد من خلال (الصورة الفلسفية) المسألة الخامسة في الكتاب وهي تتعلق بالرؤى الفلسفية التي تكمن في مخيلة الشاعر: أي بعين الفلسفة التي تريد أن تمجد وجود الحياة والإنسان، وليس بعين البلاغة وجمالياتها، فالفلسفة قادرة على تفكيك الواقع، وتحليل مظاهر الخطابات المختلفة فيه بوساطة سلطة الهدم، والشك، والتأمل المفضي إلى استقراء الموجودات، وهذا ما يقرب وعي الشاعر من سلطة الفيلسوف، وهو ما وجده في شعر أبي العلاء المعري، والمتنبي، ومحمد صالح بحر العلوم في رائعته الشهيرة (أين حقي).

كشف الناقد في ختام خاتمته التي افترضتها أنا عن تواضعه حين كتب (وحسبي أني رأيت هذا، ولا أدعيه كاملا، فلا حسم، ولا جزم في الأدب والنقد) ولمتلقي الكتاب أن يقترح ما فات الناقد، أو رفض متنه، أو قبوله، فهم الناقد كما قال إنه حرك مياه التفكير في بئر النقد الثقافي بعد أن أصيب بعضُ نقاده بعبادة الناقد الواحد.

وسعى في المسألة السادسة إلى الوقوف عند (كسر أفق التوقع الثقافي) الذي مؤداه كسر السائد والخروج على النسق، وهو ما لم يألفه العرب في حياتهم، وهدفه تهشيم القوالب الجاهزة، والتخلص من سجن الكلام الموروث ذي السلطة القامعة حصرا، من خلال تأمل شعر الحكمة الذي يجري في الثقافة العربية مجرى القانون المرتبط بالسلطة دائما، وغاية الناقد الخروج المتعمد على نسقه، فالمتنبي مثلا أكثر الشعراء كسرا للنسق السائد، فهو على حد عبارة الناقد لم يتشرف بقومه، بل هم من تشرفوا به، وهذا ثلمٌ واضح للنسق، والشاعر نفسه يريد من زمنه أن يبلغ به ما لم يبلغ الزمن، ولا يهم أبو العلاء المعري سقوط المطر عليه، أو على أرضه، فهو يعيش فلسفة ترى الحياة كلها من منظور واحد.
وكانت المسألة السابعة في الكتاب قد لاحقت (الإيقاع الثقافي) الذي يقرأ الشعر بعين ثقافية، بعيدة عن إشكالية الصدر والعجز، والسبب، والوتد، والإيقاع الذي اعتنت به الدوائر الرسمية، والمحافل الحاكمة، وهي تعنى بالأناشيد، والمارشات العسكرية، وهذا ما وجده في أغنية كاظم الساهر (عراق القيم) التي اتكأ فيها على لحن السلام الجمهوري الأول في العراق، بهدف جعلها نشيدا وطنيا وحسب، ومثلها الأغنية الشهيرة (بغداد يا قلعة الأسود) التي أريد لها أن تكون تحية مصر للعراق الثائر على الملكية، لكن بصوت أم كلثوم لا بصوت جمال عبد الناصر.
أراد الناقد في المسألة الثامنة قراءة (الإيقاع ونسق الاتكاء الثقافي) وهو يسهم في تحجيم الشعر، بوساطة تجسير العلاقات مع المتلقي، عن طريق الاتكاء على إيقاع شائع ومعروف، وهو ما ظهر في أدبنا بعد شيوع قصيدة (بانت سعاد) لكعب بن زهير في مدح النبي محمد عليه أفضل الصلاة وعلى آله وأصحابه، ثم ظهور قصيدة البوصيري، وشيوع القصائد التي تحتفي بنسق البردة حتى أيامنا، وهذا ما بدا واضحا عند الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدته (في رحاب الحسين) التي جارى فيها إيقاع (آمنت بالحسين) عينية الجواهري، معتمدا إيقاع البحر المتقارب للغرض نفسه، وقد فعلها الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد ثانية، حين رثى الجواهري بقصيدة إيقاعها قصيدة الأخير (قف بالمعرة وامسح خدها التربا) وقد استثمر فيها الإيقاع والقافية معا، وهي ظاهرة تكررت في شعر شعراء عراقيين منهم: محمد صالح بحر العلوم ، والشاعر عارف الساعدي، وغيرهما.
في المسألة التاسعة الأخيرة وقف الناقد القاصد عند (الإيقاع بوصفه خادعا ثقافيا) حين يكون مطية للسلطة؛ أي سلطة خاصة أو عامة؛ تلك التي تريد ان تمرر قسما من خطاباتها وأفكارها إلى المتلقين؛ لأن الإيقاع يوفر لها حظا من الشهرة والقبول، ولا سيما في أيام الأزمات والمنازلات، وهو ما كشفه الناقد حين قرأ بيت المتنبي: (غَنِي عَنِ الأَوطانِ لا يَستَفِزني.. إلى بَلَدٍ سافَرتُ عَنهُ إِيابُ) الذي عده بيتا عبّر الشاعر من خلاله عن عدم محدودية الإنسان الذي يعيش في أممية تقع خارج ضيق الوطن، وكان إيقاع القصيدة كله سببا في خداع المتلقي، والتعلق بالمعنى المستحيل، وعدم السؤال عمن سبق الشاعر في هذا المعنى، وهو الإمام علي في مقولته الشهيرة: (ليس بلد أحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك) لكن الإيقاع في بيت المتنبي والقصيدة كلها صرف المتلقي عن السؤال عن صاحب السبق في القول،بسبب خداعه الجميل الذي هشت له النفس وطربت، وهذا كثير في شعر المتنبي، فضلا عن شعر أبي العلاء المعري، ثم تمثل الناقد ذلك الخداع في شعر المعاصرين، رائيا أن الشاعر عبد الوهاب البياتي وظف إيقاع الرجز في شعره، الذي أسهم في شهرته، وهو ما فعله السياب قبله محققا انعطافة قبول لشعره، فهذا الإيقاع حسب رأي الناقد تسبب في إيهام المتلقي بجمالية البوح الشعري، وجودته وحسن ابتكاره، حتى لو كان مسبوقا بعشرات القصائد، وهكذا يظهر الإيقاع عنده جسرا يمرّ الشاعر منه للوصول إلى غايته والمراهنة على سابق راسخ في الذهن، وطريقا موصلا لإمتاع التلقي، فهو والحال هذه إعادة إظهار المعنى الشعري بثوب جديد مغلف بالإيقاع.
هذا كتاب مهم في الحقل الذي وجد فيه، وقد اتسم بسمات ثلاث: أولها: إن الناقد جرد المسميات التي درسها بنية تقديمها مصطلحات قابلة للقراءة، من أي إحالة جمالية، أو رسمية، آخذا إياها إلى الحقل الثقافي العام. ثانيها: حاول الناقد إيجاد وشائج ثقافية ربطت بين تلك المسميات، والثقافة المجتمعية، من خلال الإشارات الرابطة بين ما هو ثقافي، وما هو حياتي. ثالثها: اعتمد الناقد في إجراءاته النقدية الثقافية الإحالة على الشعر القديم والحديث معا، وهي إحالة تحسب له، فقد أظهر تبحرا بقديم الشعر وحديث.
وبعد: فقد ظهر الكتاب للمتلقي موجزا إلى درجة متناهية في الإيجاز، وهذا ما بدا لي واضحا في المتن والخاتمة، التي لم يجعلها الناقد منفصلة عن الكتاب إنما دمجها مع ختام المسألة الأخيرة (الإيقاع بوصفه خادعا ثقافيا) وقد أجمل فيها نتائج البحث في ثلاثة أرباع الصفحة الأخيرة، ممثلة في محاورة التشبيه التعسفي، واقتراح تسميات جديدة علها تستقر مصطلحات عند نقاد النقد الثقافي بعد قراءتها، وتحديد الموقف منها، وقد وجدتها أهلا للقراءة، وإطلاق سمتها المعرفية والنقدية، وكان متن الكتاب قريبا من وعي الشاعر وثقافته وفلسفته ولغته، وعندي أن هذا الاقتراب ما كان إلا بسبب كون الناقد شاعرا في الأصل، فهو قريب من الشعرية في أعلى درجاتها.
لقد كشف الناقد في ختام خاتمته التي افترضتها أنا عن تواضعه حين كتب (وحسبي أني رأيت هذا، ولا أدعيه كاملا، فلا حسم، ولا جزم في الأدب والنقد) ولمتلقي الكتاب أن يقترح ما فات الناقد، أو رفض متنه، أو قبوله، فهم الناقد كما قال إنه حرك مياه التفكير في بئر النقد الثقافي بعد أن أصيب بعضُ نقاده بعبادة الناقد الواحد.

ناقد وأكاديمي من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية