عمر الغدامسي
نقاد الأكاديمية (1)علي إثر مقالي المنشور بجريدة “القدس العربي” بتاريخ 27 آذار (مارس) تحت عنوان فرعي هل بدأنا عصر الناقد بتفويض أجنبي وتحت عنوان رئيسي من الشارقة والقاهرة قائمة بأسماء نقاد تونسيين وهميين طالعت وفي باب الرد ما نشره أولاً نزار شقرون تحت عنوان توضيح التهافت في حمي النقد الجرائدي بجريدة القدس 2 نيسان (ابريل) ثم تاليا محمد بن حمودة في معني النقد الفني هل أصبح الوسيط هو الرسالة؟
من باب التذكير، فإن مقالنا المنشور كتبناه علي إثر ما تم الإعلان عنه في الشارقة خلال شهر كانون الاول (ديسمبر) المنقضي من بعث حالة تجمعية للنقاد العرب، ضمت قائمتها ممثلين عن النقد في تونس. هذا وقد تلخص مضمون مقالنا في التأكيد علي أن أغلب من ضمتهم القائمة من التونسيين لا علاقة لهم بالنقد وتعوزهم النصوص النقدية التي تؤكد انتماءهم للمشهد التشكيلي التونسي، وذهبنا في مقالنا للتأكيد بأن القائمة أعدت وفق حسابات جهوية ومهنية من نسج بعض المنتحلين لصفة الناقد. صدقا لم أرغب في كتابة هذا الرد، ذلك لأن ما احتواه رد شقرون وبن حمودة يمكن اختزال أغلبه إما في:
ـ بعث إشارات عامة ومفتوحة علي أكثر من تأويل لرسم أو تسويق بورتريه حول شخصي لدي القارئ العربي، بما يجعل أي رد علي تلك الإشارات العامة والهلامية، أشبه بالوقوع في الجب حيث سيكون الرد عليها كالآتي: أنا لم أقصد ذلك.. أنا أتحدث عن شيء عام.
ـ قيام كل واحد منهما بالنبش في سيرته الذاتية للتعريف بنفسه وكم كانت العملية شاقة بالنسبة إليهما. وقد كان عليهما اختزالها في ذكر نصوصهم النقدية التي تؤكد انتماءهما للممارسة التشكيلية في تونس. لقد ذكر بن حمودة نصوصا ـ قال بأنها نقدية ـ حول فنانين من بلدان عربية لا يحضر ضمنها فنان تونسي واحد، أما نزار شقرون فقد اكتفي بذكر رسام تونسي واحد هو رؤوف الكراي، حيث قال وبالحرف الواحد: إني كتبت عن تجربة صديقي الفنان رؤوف الكراي عشرات المقالات وكلامه هذا يجعلني أتفهم بعمق حساسيته تجاه ما وصفه بالماخور النقدي، ذلك لأنه يؤمن بأحادية العلاقة الزوجية، عفوا العلاقة النقدية، فهل إن تجربة رؤوف الكراي ـ مع احترامنا لها ـ من العبقرية ما يجعلها تستحق عشرات المقالات من طرف شخص واحد. أم أن شقرون الأكاديمي والشاعر عاجز عن تبليغ المعني في مقال واحد أو حتي خمسة مقالات. سواء في رد شقرون أو بن حمودة، ثم تصويري كصحافي عصامي، بما يمكن أن يستتبع ذلك من استنتاجات تصب فيما هو تهافت ومذهبية صحافية، متناسين كل تلك الندوات والملتقيات التي شاركتهم أشغالها كمحاضر، أو تلك الندوات التي نظمتها أو ما نشرته من دراسات حول الفن والفنانين التونسيين وما أكتبه دوريا حول المسائل النظرية والمادية التي تهم فنوننا التشكيلية. لعل أهم ما تناساه بن حمودة وشقرون، هي صفتي كفنان تشكيلي وقد كان شهر شباط (فبراير) 2006 تاريخ آخر معارضي الشخصية وكان برواق الضامة والذي يشرف عليه الشاعر والفنان سيلفان مونتليوني والذي هو أيضا أستاذي في تقنيات الفن بالمعهد الإيطالي دانتي اليغياري في أوائل التـــسعينات بخـــلاف هــــذا المعرض الأخير، فإن لي مشــــاركات دولية عــــديدة كان آخــرها بينالي طهران الدولي. أما محليا فإنني أشارك دوريا ضمن معارض الفضاء الحر بالتياترو ومديره المسرحي القدير توفيق الجبالي ويشرف علي قسم معارضه الفنان والناقد محمود شلبي ويتميز هذا الفضاء بأنه يجمع فنانين خارج تحديدات وحواجز من نوع هذا أكاديمي وهذا عصامي، أو هذا مشهور وذاك مغمور لأنه يعتمد مقياسا أساسيا ألا وهو الأصالة في التعبير والحرية الذهنية والروحية. لذلك فإننا نجد من بين عناصر هذا الفضاء فنانين يعتبرون من بين أهم ما أنجبت حركة الفن بتونس أمثال الفقيد الحبيب بوعبانة ونجيب بلخوجة والأمين ساسي وإلي جانبهم شبان بعضهم أصبح اليوم يحتل مكانة ملفتة ومقصد أكثر الأروقة التونسية احترافية وأذكر هنا أسماء مثل محمد بن سلامة، نبيل الصوابي، حليم قارة بيبان، وعبد العزيز المحسني، بعضهم عصامي وبعضهم الآخر متخرج من المعاهد العليا للفنون الجميلة. ضمن هذه التجربة المتميزة للفضاء الحر بالتياترو والمستمرة منذ أوائل التسعينات كان هناك نبض جوهري. لم يكن النقد ببعيد عنه. انه نبض من يقرؤون النصوص والدنيا في آن وافتح هنا قوسا لأقول بأنه لا يجب تصوير هذا السجال والذي احتضنته مشكورة جريدة القدس علي أنه سجال بين عصامية وأكاديمية، كما ذهب إلي ذلك شقرون وبن حمودة، فكم من عصامي التقي مع أكاديمي في التفكير النمطي والمدرسي أو في الرؤية الغيبية أو الأخري الانتهازية والتي كانت في الأول مقصد مقالنا عندما اتهمنا بن حمودة وشقرون بالادعاء وانتحال صفة لا يملكانها.
النقد في نفق ساباتو من قرأ مقالي المنشور بجريدة القدس سيكتشف وبسهولة كيف انني لم أتطرق لصفتي كفنان تشكيلي واذكرها الآن لكي أستحضر رواية النفق لأرنستو ساباتو، حيث يورد علي لسان بطله وهو رسام ما يلي: أمقت من بين الجماعات كلها، جماعة الرسامين بصورة خاصة لأنني بطبيعة الحال أدري منهم، ومن المعروف أن المرء يمكن أن يكره بحق من يعرف تمام المعرفة. كذلك لدي سبب آخر لكراهية النقاد، فهم وباء لم أتمكن من أدراك كنهه إطلاقا. لو كنت جراحا كبيرا، وجاءني رجل لم يسبق له أن تناول مبضعا قط، لا هو طبيب ولم يجبر قائمة هر أبدا، ليبين أخطائي في عملية جراحية فماذا عساكم تتصورون؟… يحدث الأمر ذاته في فن الرسم، والغريب أن الناس لا يلاحظون ذلك فعلي الرغم من أنهم يهزؤون من ادعاءات ناقد الجراحة هذا، تراهم يصغون باحترام بالغ إلي أولئك الثرثارين. هكذا وفي غياب المعرفة بأحد المكونات الأساسية للممارسات التشكيلية بمكوناتها المادية (مواد، خامات، حوامل،… الخ) غير الحيادية والتي تنصهر وفق رؤية الفنان لتنتج المكون البصري ضمن حالة فريدة من التوافق بينها وبين الحواس وصفها جيل دولوز(2) باللحظة المهمة في الرسم، وهي لحظة تساوي فيها العين اليدين دون نقصان (3) وذلك في درسه المقدم بتاريخ 28 نيسان (ابريل) 1981، وهي لحظة أساسية ضمن أساليب ومرجعيات الفن الحديث والمعاصر، حيث أن عناصر مثل المفاجئ والمنفلت والحدثي أساسية في عملية التمشي الفني الذي يمكننا تبسيط حيويته، والتي لا يمكن للنقد المعاصر القفز عليها، في مقولة شارلي شابلن الشهيرة: قبل أن أعرف إلي أين أنا ذاهب ينبغي أن أصل إلي هناك لعل عدم وعي عديد من يكتبون حول الفن بمثل هذه العناصر الأساسية هي التي جعلتهم لا يجدون البصري في البصري أي الأثر. بل فيما هو نصوص هائمة صالحة لكل مكان وزمان وهذا موضوع انتبه إليه الفكر منذ عقود ونذكر هنا مؤلف جيل دولوز الحقيقة في التصوير والذي تعرض فيه لتحليل هيدجير حول لوحة الحذاء لفان غوغ فقال أن هيدجير لم يشاهد اللوحة جيدا لأن فان غوغ لم يرسم زوجا من الأحذية الفلاحية النسائية، فنحن لا نعرف إذا كان من يرتديها رجل أم امرأة في الأساس. بل وابعد من ذلك إنهما لا يشكلان معا زوجا من الأحذية، لأنهما لنفس القدم اليسري فهما فردتان متشابهتان. (4) تغييب العناصر الهامة في الأثر البصري هو الذي جعل جوزيف بويز يقوم في أحد معارضه في الثمانينات بجلب أرنب ميت إلي قاعة العرض ليملي عليه دروسا في الفن. لقد جاء الفن الحديث كنوع جديد من الرسم يكشف طبيعة الادراك أكثر مما يكشف طبيعة الشيء المدرك ويفسر ألان باونيس أستاذ تاريخ الفن الحديث بجامعة لندن ذلك بقوله: لقد كان كوربييه يعلم أن لون الحشيش أخضر وذلك هو منتهاه. لكن مونيه ورينورا رأيا ان ذلك الحشيش قد يبدو رماديا أو أصفر أو أزرقا قياسا بالضوء الساقط عليه وهذه الرؤية هي أصل الثورة في رسمهما. (5) أما في الفن المعاصر فلقد كان بازليتس يقلب لوحاته كموقف من الطريقة التقليدية في النظر للوحة والمرتبطة بذاكرة التعامل مع العمل الفني عموما. فهو يري أن العمل الفني المشحون بطاقة ما يتحول إلي كيان مادي مستقل. فهو ليس نصا عن العالم وإنما هو جزء من هذا العالم نفسه وفي ذلك تأكيد علي الحضور المادي للعمل الفني واستقلاليته عن الملتقي وعن معايير الحكم علي القيمة الفنية، وهذا ما تؤكد عليه تجارب وتوجهات الفن المعاصر منذ مارسال دوشامب والدادائية إلي غاية اليوم. طبعا كل هذه المفاهيم غير مهمة بالنسبة لشقرون وبن حمودة بسبب تمثلها الأكاديمي جدا لمعني النقد والذي يعني لدي شقرون وكما جاء في رده أنا لا أكتب إلا عن التجارب التي استشعر بحميميتها أو بالنسبة لبن حمودة: في أول مناسبة كتبت بشكل حميمي فلكي أغنم صداقة اعتز بها لليوم ليضيف في موقع آخر من مقاله تعريفا إضافيا للنقد قائلا: فالنقد تقويم والتقويم هو أخطر الأفعال وأهمها لأنه يفترض الإحاطة بموضوعه من كل جوانبه. اختزال النقد في عنصر التقويم هو إغفال لعناصر أساسية في كل قراءة نقدية تهم ما هو بصري أي الوصف والتشريح والتي هي المنطلق لما هو تقييم وقراءة وتنظير. أن يقوم النقد علي الحميمية والصداقة، فهذا أمر لا يمكننا التعليق عليه، لأنه يدخل في سياق ما هو علاقات شخصية أما أن يكون النقد تقويما حسب بن حمودة فإن ذلك يستوجب منه عرض ما قومه في اعمال من ذكرهم من الرسامين العرب وهو الذي لا يملك القدرة علي الإحاطة بموضوعه (أي الأثر) من كل جانب. تذكروا ما قاله بطل النفق في رواية ساباتو. بقي هناك سؤال أساسي آخر، يخص الكيفية التي اتصل من خلالها شقرون وبن حمودة بأعمال من كتبوا عنهم من الرسامين العرب. هل من خلال صور فوتوغرافية أو كتالوجات أو عبر صور مرسلة بالانترنيت. سؤال لا يبدو مهما إلا لمن يولي أهمية للأثر البصري.
الفن في مجتمع المشهداختزال النقد فيما هو حميمي وصداقة يفرغ الفن من دلالاته ومعانيه الجوهرية بوصفه خطابا وطريقة في التفكير ويجعله مجرد منتوج سلعي ومجرد فاصل من مجتمع المشهد فالنقد معني يجسم العلاقة بين الأثر بشحناته الدلالية والقيمية كخطاب صامت وبين الحيز الثقافي الذي ولد ضمنه بما يضمه ذلك الحيز الثقافي من خطابات متعددة سائدة أو هامشية، متحررة أو محافظة، طلائعية أو جاذبة. وهذا ما جعلنا دوما نؤكد علي عدم حيادية النقد أو اختصاره كجهد تقني وصفي. فالنقد هو بالأساس خطاب انتماء واندماج ضمن رؤية تخص المجتمع والعصر، الحياة والوجود. وأعتقد أن هذا المفهوم للنقد غير الحيادي، هو الذي جعل النقد الأكاديمي ينكر تجارب المرفوضين وهو الذي جعل النقد المحافظ يرفض أعمال الوحشيين وغيرهم. تغييب هذا البعد الجوهري في الفن كما في النقد جعل الغلبة في فنوننا لما هو تزيين وصناعة للصور وتبضيع وتسويق، لذلك فليس من باب الغرابة أن يتم التركيز لدي بعض أكاديميينا علي طرح مسألة سوق الفن وعقد الندوات حولها، متناسين أن القيمة المادية المتحققة اليوم للفن في الغرب راجعة إلي تلك القيمة الرمزية والتاريخية التي يحملها الأثر الفني، فما نعتبره نحن سوق فنية متطورة وهائلة في الغرب هو استثمار مادي لما هو رمزي وتاريخي لمجتمعات ممتلئة بانجازاتها الراهنة والماضية إلي حد النرجسية أليس كل أثر فني هو انعكاس أصيل لعصره. لقد شاركت شخصيا في ندوة سوق الفن التي تحدث عنها بن حمودة في رده وقد حملت مداخلتي عنوان النقد وسوق الفن الجسور المتصلة والمقطوعة ومن باب الفذلكة حينها وربما من باب قول ما يجب قوله في إشارات مكثفة أعلنت عن تحوير العنوان المقدم لمداخلتي لأنه بدا لي مملا طويلا فكان العنوان الجديد كالآتي: النقد التابع والمحنط في علاقته بسوق الفن. الالدورادو الضائعة. مغارة علي بابا والأربعون مليون بيروقراطي ونصف المليون فنان… الجسور المتصلة أو وافق شن طبقة. طبعا، القارئ العربي لا يمكنه الإحاطة بما حمله هذا العنوان المقتضب من إشارات، لكنه يكفيني القول بأن ما يسمي بسوق الفن في تونس يتأتي الجزء الأكبر من أمواله من الدولة عبر لجنة اقتناءات تشرف عليها وزارة الثقافة، وكل الفنانين، مهما كانت تجربتهم يعتبرون أنفسهم معنيين باقتناءات الدولة لأعمالهم. وعمليات الاقتناء تخضع لمعايير مختلفة ومتنوعة. سواء في رد شقرون أو بن حمودة، ثم تقديمي كعصامي وكم أخجلني واحرجني هذا الوصف، إذ ماذا تساوي عصاميتي أنا أمام عصامية أفذاذ أمثال بيل غيتس ورولان بارط وحنا مينة وفان غوغ والسينغالي العالمي عثمان صو الذي اكتشف النحت بعد أن تجاوز سن الأربعين، ماذا تساوي عصاميتي أنا أمام الآلاف المؤلفة من رجالات الفكر والفن والاختراع؟… لكن أليست العصامية معني قبل أن تكون صفة؟ نعم أنا عصامي، ذلك لأنني بلا عظام كما قال العرب القدامي (6). فما هي عظام أمثال شقرون وبن حمودة أنهم وكما يقول فيصل دراج في نص عنوانه الناقد الهاوي والناقد المحترف يتراءي فضاء الاختصاص المغلق في علاقات كثيرة تـُجـَانِسُ المختصين اللقب والموضوع الذي يتوارثونه عارفا من عارف من دون تبديل أو تحوير أساسيين… ، وبداهة فإن الخبير لن يأتي بجديد، ذلك انه يقارب بين نص ونص وبين نظرية ونظرية ويعطف قولا أكاديميا علي قول أكاديمي آخر، وحين يخرج من فضاء النظرية إلي حيز التطبيق، فإنه يقرأ النص علي ضوء قراءة أخري جاهزة، مؤكدا النصية الثابتة مبتدأ للقراءة والخبرة (7). أليس هذا ما ينطبق علي نصوص بن حمودة الذي نراه في رده يستعرض ملخصاتها ليقول لنا من هو. فنجده لا يكتفي باستعارة مفاهيم غيره في ترجمات ركيكة وضمن توليفات متحذلقة ليرضخها لاستنتاجات تدعي التأمل والتفكير في ما هو خاص من ذلك أنه يرضخ مفاهيم وتحاليل ريجيس دوبرييه حول تاريخية علاقة الفن بالموت في الثقافة الغربية بجذورها اليونانية الرومانية وفي الحضارات القديمة كالفرعونية ليصل إلي استنتاجات تذكرنا ببروكست(8) وسريره في الأسطورة اليونانية إذ يقول: لازال الفنانون في المجتمعات العربية الإسلامية يشاركون جميع الناس نفس المنوال الجنائزي، أي نفس الصلاة علي الميت ونفس مراسم الدفن ونفس التأبين، وخاصة نفس قانون الأحوال الشخصية، إذ لم يتحول الموت في أوطاننا إلي مسألة فكرية فيخضع إلي مقاييس الفكر هكذا فإن النظرية من وجهة نظر بن حمودة تدعو فنانينا إلي دخول طقس الطائفة، وهذا عين السلخ بمشرط الحداثة.
ہناقد من تونس