النقد الديني وعنصرية العرب والقرآن الكريم

حجم الخط
7

بعض المشتغلين بالنقد الديني (للتوضيح فقط نقد جميع الأديان) ‘يفترضون’ (من منظورنا أما هم فيجزمون) أن القرآن الكريم والسنة المطهرة كرستا عنصرية الجاهلية الأولى وثقافتها الممتدة من إرث حرب ‘البسوس’ و’داحس والغبراء’ وما قبلهما وما تلاهما. ويدافعون عن اعتقادهم أن طرح السنة المطهرة والأئمة الأربعة وعلماء الأمة والمجتهدين لتفسيرات ومبررات الآيات الكريمة عن العنصرية الثقافية خلال عصر الجاهلية أو ما قبل الإسلام طرح ‘غير مقنع’ علميا، لأن المسألة ليست في التبريرات، بَيْدَ أن المسألة الأهم هي في وجود تلك الآيات وإجماع العلماء على صلاحيتها لكل زمان ومكان. فمثلاً يشيرون إلى آية ‘وللذكر مثل حظ الأنثيين’ بأنها تفرقة أو عنصرية جنسية، وبأنها مؤكدة في القرآن الكريم بصرف النظر عن التبريرات التي أتت بها السنة المطهرة والمفسرون بدءاً من الخلفاء الأربعة والأئمة الأربعة والتابعين وتابعي التابعين إلى يومنا هذا.
ويستدلون بآية مشروعية زواج الرجل بأربع نساء، وبما ملكت اليمين وضرب الزوجة (الزوج في اللغة القرآنية) الناشز (العاصية لأمر الزوج) بأنها كذلك تكريس لفوقية الذكر على الأنثى، وهي عنصرية جنسية واضحة بين الذكر والأنثى، بغض النظر عن مبرراتها ومسوغاتها وتفسيراتها.’ ويخرِّجون بأن لكل شيء لا بد من تبرير وتفسير، بَيْدَ أن الأهم أن التفرقة بين الجنسين بإعلاء قيمة الذكر وبحقه معاشرة ما ملكت يمينه من غير عقد شرعي، حتى مع انتساب أطفاله منها إليه، واعتبارهم شرعيين وضربه لزوجته حسبما يراه هو نشوزاً، وهو ضمن عناصر أخرى كثيرة من الإرث العنصري لقبائل العرب مكرسا ومؤكدا عليها في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وبأن التبريرات والتفسيرات لها لا تنفي كونها غير عنصرية. الأهم من وجهة نظرهم- أن التفرقة وعلوية الذكر وضرب الزوجة الناشز نصوص وآيات موجودة في القرآن الكريم.
ويستدلون أيضاً بآية ‘الرجال قوامون على النساء’ ويفترضون أنها بغض النظر عن تكملة سياق الآية وتبريراتها وتفسيراتها، بأن القرآن الكريم والسنة الكريمة المفسرة له كتاب عنصري يضع المرأة دائماً دون الرجل، ويركز على دونية الأنثى وعلوية الذكر. وبأن ‘المسلم أخو المسلم’ كما في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة عنصرية أيضاً بصرف النظر مرة أخرى عن التبريرات والتفسيرات.
وينظِّر أولئك النفر المشتغل بالنقد الديني، الذين في معظمهم لا يرحبون بفكرة الدين، أن تلك الآيات كانت إرضاء للقبائل العربية إغراء لهم للدخول في الدين الجديد وتكريساً لعنصرية الجاهلية التي جاء الإسلام أساساً لهدمها. وكان من المفترض ألا تكون صالحة إلا لزمانهم، أي الصدر الأول للإسلام على الأقل، وكون مفسري هذا العصر وكل عصر يصرون على أن القرآن كله صالح لكل زمان ومكان يدل على قصر نظر الإسلام متمثلاً في القرآن والسنة وإجماع العلماء.
وفات أولئك أن في الشرع الإسلامي اجتهاد وقياس.’وبعيداً عن أي تبرير حتى لا يتهموننا بأننا نبرر وجود تلك الآيات المتضمنة أحكاماً شرعية، فإننا في العموم نستشهد بقول الحق سبحانه ‘ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيف الخبير’.’وفي التخصيص نقول بالنسبة لموضوع الميراث في الآية الكريمة فإن الآية مقيدة بالأنثى والذكر في المجتمع المكي والمديني خلال السنوات الثلاث عشرةَ التي اكتمل فيها نزول القرآن الكريم، التي كانت فيها الأنثى تُعنى بشؤون المنزل والأطفال والأسرة، على خلاف الذكر العائل لهم. هذا المنطق ليس تبريراً وإنما هو استجابة لواقع المجتمع حينذاك.’وأما في الوقت الحاضر فقد ظهرت فتاوى لعلماء يختلفون عن نظرائهم التقليديين بوجودهم في بلاد غير إسلامية وبإلمامهم بفقه الواقع المتغير في حياة الأنثى (تعليميا وتصديها لمسؤوليات الشأن العام ووصولها إلى أرقى المناصب العلمية) وإتقانهم للغات عالمية حية أخرى، إضافة إلى إلمامهم بالقرآن والسنة فقد استخدموا القياس بناء على الاجتهاد المفتوح إلى يوم الدين، وأفتوا بتساوي الذكر والأنثى في الميراث.’ وديدنهم ‘أنتم أدرى بشؤون دنياكم’، وأن القرآن والسنة صالحان لكل زمان ومكان ليس في المطلق وإنما بشرط الاجتهاد والقياس نتيجة تغير المكان والزمان.’وأما عن اختلاف علماء الأمة على هذا الأمر فهو امر طبيعي يحدث في كل دين وثقافة، نتيجة تفاوت العقليات والافهام والانفتاح على الثقافات الأخرى. لنأخذ مثالاً الإسلام حرم الخمر، لأنها كانت موجودة في مكة والمدينة وغيرهما، ولم يحرم التدخين لأنه لم يكن موجوداً.’الآن بالقياس التدخين حرام لأسباب كثيرة وواضحة.
وأما الزواج بأربع فهو مشروط بالعدل ‘وإنْ خفتم ألاَّ تعدلوا فواحدة’ من جانب ومن جانب آخر في حكم الزواج بأربع في حالة توفر العدل حد للزنا وانتشار الفاحشة والمواليد غير الشرعيين، ونحن نرى في بعض مجتمعات أوروبا وأمريكا وجود نسب عالية من المواليد غير الشرعيين، نتيجة انتشار الإباحية. وأما ‘أو ما ملكت أيمانكم’ فقد كانت الإماء والعبيد من خصائص المجتمع العربي قبل الإسلام، وقد قاد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حملة تحريرهم كزيد بن حارثة وغيره (رضي الله عنهم جميعاً).’وأما الآن فلا وجود للإماء والعبيد، كما كان موجودا قبل أربعين سنة مثلاً، إذ كان الرجل في جزيرة العرب مثلاً يعاشر أمته وينجب منها الأولاد (في اللغة القرآنية الولد للذكر والأنثى). وأما ضرب الزوج الناشز فتسبقه خطوتان الأولى الهجر في المضجع، والثانية دعوة أهل الطرفين لإصلاح ذات البين والضرب هو الخطوة الأخيرة. وفي تقديري أنه متعلق أيضا بطبيعة الأنثى في بداية الإسلام، إذ لم تكن متعلمة أو ذات استقلالية، أو أن زوجها كان مفروضا عليها لأسباب قبلية مثلاً. أما الآن فالمرأة البروفيسورة أو الوزيرة هي من تختار زوجها، وإذا لم ترِدْ أن يعاشرها زوجها لأي سبب مقنع كضرورة وجودها في الجامعة مبكراً أو لديها سفراً مهما أوعائدة لتوها من مهمة خارجية، لا يستطيع الزوج أن يفسر ذلك حسب هواه بأنه نشوز، وتستطيع أن تطلب الخُلع مثلاً. إذن النشوز ينبغي أن يُنظر إليه اجتهادا وقياساً حسب تغير المكان والزمان الأحوال.
في بريطانيا مثلاً قانون يحرم أن يغتصب الزوج زوجته في حالة عدم موافقتها على معاشرتها، وإنْ كان كثير من أنصار المرأة قد استاءوا من هذا القانون واعتبروه مجحفاً ويفتح الباب أمام مآلات اجتماعية لا يُحمد عقباها. وأما ‘المسلم أخو المسلم’ فالمقصود بها أن يحب المسلم أخاه المسلم لا يحبه إلا لله وليس لمصلحة دنيوية وهي للحد من النفاق والرياء والاستغلال والتمصلح بتظاهر المحبة.’ ”’

‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية