هذا الزمن زمن اجتماع النقائض، وكسر قواعد المنطق، أي شيء يمكن أن يكون ولا يكون معا، وأن يكون في مكانين معا، ويمكن أن يكون الإنسان نفسه سيدا وعبدا، إنه زمن التخنيث السياسي والديني والثقافي والجنسي، والانتمائي، زمن التميع والتكيف، والتمايل مع الريح، زمن لا يستغرب فيه أن يكون رجل دين ـ أي دين ـ عرابا لعصابة تدير شبكات مخدرات أو تهريب أموال، أو أن يلعب رئيس بلد دورا سينمائيا حيا، فيكون ممثلا وعبقريا، يقعد نجوم السينما في بيوتهم، من منا ينفعل مع خطابات الزعماء وقممهم، لم تعد الرصاصة تمشي في اتجاه المرمي.. لقد أصبح المرمي يصيح بها (بعرضك أبوس إيدك أنا هنا.. ويلحقها ولا ينجح في جذبها إلي كبده لترديه)، متي أصبح القطيع أحرص من الراعي، ومتي لا يكون في وسع كلب الحراسة حتي النباح، فقل علي العرب السلام؟
إننا في المرحلة التالية.. من النكبة.. الأولي كانت ذات عمر مديد، أكثرها جلاء ومعاصرة التآمر علي فلسطين، ثم العراق.. التآمر السياسي الذي ليس غريبا علي عفونة أمة لا تسمح للشمس أن تري أبناءها. وغسيلها، التآمر الذي قاد إلي اصطناع أكثر من عشرين بلدا وعشرين عنترة.. وما من سيف ولا حصان حقيقي واحد، التآمر الذي قاد إلي تعديل مناهج التدريس.. ونشر ثقافة الإذعان، ولكن كل ذلك.. كان الظن أنه لن يزيد الشارع العربي إلا انغلاقا علي وجعه، وانتظارا لوقت ينفجر فيه، من المحيط إلي الخليج.. ولكن جاءت بشائر النكبة التالية.. الأشد والأخطر والأدهي.. لأن المعول التي تهدم.. هي أشد فتكا وأعلم بموطن الضعف وهي تضرب ضربة معلم.. هذه النكبة هي أشبه بمرض بثره الإعلام علينا لنماذج من المثقفين العرب، كطفرة، تزامنت مع موجة الفضائيات الخلاعية، ومع بداية حرب أمريكا علي الأرهاب والاستبداد، واستبشار هذه الفئة باحتمال زحزحة بعض الحكام العرب عن عروشهم اتعاظا بسقوط صدام، أو علي الأقل الضغط عليهم لصالح الحريات في بلادهم.. وهؤلاء سخنوا الشارع العربي، وورطوا بعض المثقفين الذين لم يروا لأبعد من أنوفهم واستعجلوا الخلاص.. عبر تشكيل معارضات متحدة مع زمر ساقطة.. ورطوهم بخلق مناخ تبشيري بالحرية القادمة.. ومكنوهم من نشر أفكارهم ومعارضتهم.. والمساكين.. زجوا بالسجون.. في حين أن فشل أمريكا زاد قوة تلك الأنظمة الآيلة للسقوط ـ حسب زعم المروجين للحرية المدعاة ـ في إطار معادلة نار الحكام ولا جنة الأمريكان، وأخذ المثقفون المروجون أنفسهم مهمة التبشير لهذه المعادلة.. بعدما كان ينظر إليهم.. علي أنهم ثوريون وأصحاب مدرسة نهضوية جديدة.. تبين أن ثوريتهم طق حنك، وليست قضية ومنهجية، ثورة ضد الغير فقط.. لابد أن يكون هناك أي غير لا يهم من هو.. ولا أعرف ما ذنب الشارع العربي الذي يخسر رموزه.. وبوصلة اتجاهه.. إن تدجين هؤلاء.. هل يرجع أصلا لقدرة الأنظمة علي صنع التماثيل والأصنام.. وتسخيرها في معابدها.. أم أن الثوريين الجدد اتحدوا مع السطات باعتبارها هي الأخري ثورية، ولكن ضد ماذا؟
؟ أين هو العدو.. وليس في الميدان ممن يصوب السلاح ضده إلا الشعوب الفقيرة المزروبة في حظائر.. في رأيي عندما تكون ثوريا يجب أن تكون ضد أي ظلم ولو كان ظلم أبيك، وعندما تكون كريما يجب أن تكون كذلك حتي مع عدوك.. ألم تروا حسن نصر الله ماذا قال بعد صدور تقرير فينو غراد؟ اذا رأيتم ولم تعتبروا فما الــــفرق بينكم والمخنثين؟!
جمال مذكوركاتب عربي6