النكبة الفلسطينية… ونكبات عربية

على مدار السنوات الست والستين الماضية بقيت ذكرى النكبة الفلسطينية، ذكرى أليمة بكل المقاييس. تعاقب السنين لم يقلل من ألمها أبدا، إلا أن الذكرى هذه السنة أشد أيلاما في ظل الوضع العربي المتردي في أكثر من بقعة من هذا الوطن النازف. استبشرنا خيرا عندما انطلقت الثورة التونسية أواخر عام 2010، ثم تبعتها ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني المصرية، فالثورة الليبية فالسورية، والثورة اليمنية التي تزامنت مع هذه الثورات كلها. يومها تفاءلنا واعتقدت مع الكثيرين أن يوم العودة الى فلسطين أصبح أقرب من أي وقت مضى، ولكن الثورة اليمنية صودرت ضمن اتفاق أمريكي ـ خليجي، وعادت اليمن تغرق في صراعات عسكرية قبلية وحوثية، وأنصار النظام السابق، الذي لم يغادر أصلا و’القاعدة’ وطائرات من غير طيار تقتل من تشاء وقتما تشاء وأينما تشاء. بلد يعاني من الفقر والبطالة والقات والفساد في المؤسسات المدنية والعسكرية، ومشكلة الجنوب ما زالت تراوح مكانها.. نكبة.
الوضع في تونس ربما أفضل من أي بلد عربي آخر خارج لتوه يترنح من الثورة، على ألاقل من الناحية الامنية، أما من الناحية الاقتصادية فالبلد على حافة الإفلاس. فكرت وقدّرت وزيرة السياحة كيف تساعد بلدها اقتصاديا، ولم تهدها عبقريتها الا الى أن تسمح للسياح الاسرائيليين بزيارة تونس بالتنسيق مع وزارة الداخلية. غاب عن ذهن حضرة الوزيرة أن السائح الاسرائيلي لا ينفق مليما واحدا ويحضر معه ساندويتشاته ولا يشتري هدايا، مع اننا ضد السماح لهم بتدنيس تراب تونس (او تراب اي بلد عربي آخر) حتى لو كانوا بكرم حاتم الطائي.
الثورة الليبية توالت عليها حكومات متعاقبة فشلت كلها في توفير الامن. جماعات مسلحة متناحرة تسيطر على موانئ النفط، ومحاولات انقلابية، وعسكر وجنرالات متقاعدون يتدخلون في السياسة، وثوار لا يريدون أن يلقوا السلاح جانبا والاندماج في دولة مدنية ديمقراطية حديثة. نكبة ليبية.
في مصرعسكر عائدون للحكم بلباس مدني ونظام سابق ينتفض في ثورة مضادة، في ظل غياب للوعي أو تغييب له أو كليهما. الانتخابات الرئاسية بدأت للمصريين في الخارج بين مرشحين، السيسي وحمدين صباحي (مرشح لغايات ديكورية بحتة). مصر تحتفل بالانتخابات وكأنها في عرس مع أن الالاف من ابنائها وراء القضبان، سجناء رأي، الحريات مصادرة، والمحاكم في كل ركن توزع الاحكام المجحفة يمنة ويسرة في محاكمات سريعة تضحك العالم على مهازل القضاء المصري، وتبكي عليه’أيضا. المضحك المبكي أيضا أن غالبية المصريين يعتقدون أنهم يمرون في ثورة ثانية، الثلاثين من حزيران/يونيو أو الثالث من تموز/ يوليو.
احتفالات في مصر مع أن حالها لا يختلف كثيرا، اعني سوءا، عن اليمن، فساد ونفاق وبطالة، وفقر مدقع وعشوائيات، وأطفال شوارع، وعجز بالموازنة المصرية’وديون بترليونات الدولارات، ومع ذلك يرقصون ويغنون ويحتفلون. السيسي يستعد قريبا لدخول قصر الاتحادية بدون خطة لانتشال مصر من الانهيار، نكبة حقا. أما في سوريا فالمأساة انسانية فوق التصور، ملايين اللاجئين والنازحين والمشردين. مئات الالاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين والمفقودين. أناس يتضورون جوعا، بل يموتون، دمار في كل مكان. أكثر من ثلاث سنوات على انطلاق الثورة ولا يبدو الحسم قريبا. صراعات اقليمية ودولية، والخاسر الوحيد هو الشعب السوري. هذا النظام يثبت أقدامه بمؤازرة ايران وروسيا وحزب الله والميليشيات العراقية (دول المحور) ويدعو الى انتخابات رئاسية وقد فقد شرعيته، سواء جرت الانتخابات ام لا.. نكبة حقا بل كارثة انسانية مروعة.
في العراق معارك في الانبار، وحرب ثالثة على الفلوجة، وطائفية نتنة، وفساد مستشر، وبترول ينهب نهارا جهارا، من المضحك المبكي أيضا أن فيها انتخابات. ما قصة هذه الانتخابات التي اجتاحت المنطقة كالهشيم أو الوباء، تحت أزيز الطائرات ودوي الانفجارات وبراميلها المرتطمة بالبشر تحولهم الى رماد تحت الرماد، ثم يطلب منهم ان ينتشروا ليدلوا بأصواتهم في صناديق صنعت من عظامهم. نكبة مستمرة منذ ان وطأت اقدام الامريكان ارض الرافدين منذ اكثر من احد عشر عاما، فاحتلوا عاصمة الرشيد ودنسوها، نكبة مستمرة.
وحدث عن لبنان الذي ما زال يبحث عن رئيس، والسودان الذي بتر منه جنوبه وتتصارع أطرافه الأخرى مع الخرطوم، والجزائر التي يحكمها رجل غير قادر على الحركة أو الكلام، ولكن الشعب يريد أن يرد له الجميل! على حساب الوطن. بئس الخيار، انها قسمة ضيزى. الفلسطينيون تصالحوا، والايام تمضي ولم تولد حكومة الوفاق الوطني بعد! تظاهروا في ذكرى النكبة، الجيل الثالث الذي اعتقدت اسرائيل انه سينسى. وسقط (بل سما)’ شهيدان، لا ليسا مجرد رقمين، انهما محمد عوده ابو ظاهر ونديم نواره. نحن أمة تبّجل شهداءها.
قد تبدو فلسطين وأمل العودة أكثر بعدا الآن منها قبل اندلاع الثورات قد! ولكن هذه الشعوب التي ذاقت طعم الحرية ولو لفترة قصيرة، وقدمت التضحيات، ستواصل طريق الثورة والحرية، نعم سيطول، وقد تكون التضحيات باهظة’جدا. تبدو لي فلسطين والعودة اليها أكثر قربا من السنوات التي خلت، فلا نامت اعين الجبناء.

‘ كاتب فلسطيني’

د. خليل قطاطو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية