النكبتان الفلسطينيتان

حجم الخط
0

محمد كريشان

أقسي ما تطالعه هذه الأيام في الصحافة الفلسطينية ربط عدد كبير من الكتاب بين الذكري التاسعة والخمسين للنكبة بتشريد شعب كامل وقيام دولة إسرائيل وبين ما يعيشه هذه الأيام قطاع غزة من اقتتال داخلي مقيت وفلتان أمني مريع.

في صحف يوم أمس الثلاثاء فقط ما لا يقل عن أربع أو خمس مقالات في هذا الاتجاه من ذلك مثلا ما كتبه محمود الهبش في الحياة الجديدة من أنه علينا أن نعترف بكل شجاعة، ودون أية تبريرات سخيفة ساقطة، أن ما تقترفه أيدينا في قطاع غزة المنكوب من قتل حرام ومن سفك أرعن للدماء البريئة، لا يعني سوي أننا نعيش بالفعل أحدث صرخة في موضة النكبات، فيما كتب زميله حسن خضر في نفس الصحيفة أن المحزن في هذا الشأن أن العقدة تشتد علي أعناق الفلسطينيين شعبا وقضية في وقت يشهد صعود أكثر السياسيين في تاريخهم وضاعة، وجهلا، وابتذالا، وضيق أفق، وهؤلاء هم أصحاب عصابات القتل في غزة، وفي غيرها، بصرف النظر عن تسمياتهم التنظيمية والإيديولوجية، وهم مهندسو النكبة الجديدة. أما يحيي رباح فقال في القدس إن الفلسطينيين يحتفلون هذه السنة علي طريقتهم الفاضحة احتفالا دمويا في شوارع قطاع غزة، احتفالا نرد فيه علي النكبة التي حلت بنا علي أيدي أعدائنا بعمل فاجعة وكارثة نصنعها بأيدينا!! . عندما يصل الفلسطينيون إلي هذا النوع من الربط فذلك بالتأكيد مؤشر بالغ السوء يدل علي مدي القرف الذي بلغ بهم حيث لا يكفي ما تكالبت به الأمم عليهم وما تفعله إسرائيل بهم يوميا حتي يزيدوا هم في وضع إصبعهم في أعينهم، لاسيما بعد أن ظنوا أن حكومة الوحدة الوطنية التي أفرزها اتفاق مكة هي نهاية أحزان الاقتتال السابق. إن من المثير للحنق فعلا أن تصبح أرواح الفلسطينيين هينة علي بعضهم بعضا وأن يتقدم بين الفترة والأخري متحدثون يعلنون أمام الصحافيين أنهم قرروا سحب المقاتلين من الشوارع وتبادل المخطوفين وغير ذلك من جمل تكاد تتكرر هي ذاتها باستمرار دون أن يتغير الواقع كثيرا، وإن كان لا بد من التنويه بأن آخر اتفاق من هذا القبيل تم برعاية مصرية ينص علي سحب الغطاء التنظيمي من كل متورط في هذه الفوضي الأمنية و تقديمه للنيابة العامة وهو أمر سبق لاتفاق مكة الموقع في شباط (فبراير) الماضي أن نص عليه وكان يفترض أنه شرع فعلا في تنفيذه وليس في التأكيد المبدئي عليه مجددا. أخطر ما يمكن أن يحل بالفلسطينيين بفعل ما يحدث اليوم في غزة هو أن يسقطوا جميعا في دوامة التكرار العبثي هذا إلي الحد الذي ينفض فيه الوسطاء والرأي العام عنهم لأنهم باتوا سلبيين بل و مملين غير قادرين علي الحسم بأنفسهم منتظرين تدخل هذا الطرف الإقليمي أو ذاك علي غرار ما يحصل الآن علي الساحة اللبنانية حيث سادت المناكفات وتراجعت المبادرات وبات الكل في ورطة من العجز مخيفة. وفي هذا كله تتحمل حركتا فتح و حماس المسؤولية التاريخية الكبري عما يجري لأن لكل من الحركتين زعرانها المغامرين الخطرين، سواء بارتباطات خارجية مشبوهة أو بدونها، وهؤلاء أخذوا الحركتين رهينة علي ما يبدو، وربما ما كانوا هؤلاء أنفسهم ليطلوا برأسهم من جديد لولا تراجع الآمال في انفراج قريب بعث الأمل فيه تشكيل حكومة الوحدة بعد استعصاء طويل، فهذه الحكومة لم تنجح إلي حد الآن للأسف في تحسين الحياة المعيشية اليومية للناس ولا هي استطاعت أن تحقق ذاك الاختراق السياسي الدولي الذي بشر به أو انتظره كثيرون وسط استمرار شلل عربي رسمي لم يعد يجد الأعذار السابقة في عدم التعامل مع الحكومة الفلسطينية ومع ذلك لا يفعل شيئا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية