النكتة القاتلة’: مقاربة تحليلية بين شخصية الجوكر وباسم يوسف

حجم الخط
0

‘هذه المدينة تحتاج مجرمين بمستوى أفضل’، هذا ما قاله الجوكر لـ ‘هارفي دنت’، الذي سيصبح فيما بعد مجرما معروفا باسم ‘ذي الوجهين’، بعد ذلك يفجر هذا المهرج المستشفى وهو يضحك، هذا مشهد يعرفه الجميع وقد شاهدوه في الجزء الثاني من الثلاثية الشهيرة لفيلم The Dark Knight، ويعرف الجميع مدى البراعة التي أدى فيها الممثل الشاب ‘هيث ليدجر’ دور هذه الشخصية المضطربة نفسيا، المفارقة أن ‘ليدجر’ وجد بعد انتهائه من جلسات التصوير وقبيل عرض الفيلم في شقته ميتا بجرعة زائدة من المهدئات، نفاجأ بعدهاعندما يقف جاك نيكلسون في جنازته مؤكدا أن الذي قتل ‘ليدجر’ هو شخصية الجوكر!
تم تناول هذه الشخصية بالتحليل من قبل النقاد، منهم من يردها إلى حالة من الانفصام، ومنهم من يجعلها حالة من الجنون الإجرامي المحض، ومنهم من يدعي أن هذه الشخصية ذات حالة معقدة لا يمكن تصنيفها، ولكن الذي نعلمه من خلال مشاهداتنا للأدوار التي أدت هذه الشخصية أن الجوكر يتمتع بسادية ساخرة Sadistic Sense of humor، يجتهد في تصميم جرائمه لتظهر في صورة نكتة، والذي نعلمه أيضا وكما وصف المحللون والنقاد أن الجوكر شخصية غير ثابتة، بل تتكيف مع المؤثرات الخارجية، وتتم تبرأته في أكثر من قصة بحجة أنه يرتكب جرائمه وهو غير واع بها ‘Not guilty by reason of insanity’ .
هناك الكثير من القصص الافتراضية التي صممت لتصف كيفية نشوء هذه الشخصية، وأنا أختار القصة التي اعتمدت في المجلة المصورة بعنوان ‘النكتة القاتلة The Killing Joke’ والتي صدرت سنة 1988، حيث تقدم هذه القصة الجوكر شخصا عاديا متزوجا ويعمل في معمل للكيمياء ثم يقرر فجأة بدافع من إيمانه بموهبته الكوميدية أن يترك عمله ليصبح كوميديانا، لكن الظروف تعاكسه ويفشل في محاولته، وبعد عراكه مع زوجته الحامل التي تؤنبه على فعله يلجأ إلى سرقة معمل الكيماويات الذي كان يعمل فيه، وأثناء محاولته البائسة تلك يسقط في بركة من المخلفات الكيماوية، يتحول بعدها إلى ‘الجوكر’ .
تحكي القصة صراعه مع ‘باتمان’ وفي ثناياها مشهد جدير بالوقوف عليه وكلام شعري يقوله الجوكر للمفتش المحبوس في سيرك جهزه الجوكر بآلات ترفيهية مسلية يلعب من خلالها بعقل المفتش الأسير، من مجلسه المرتفع وحوله مجموعة من الدمى المتحركة تسوق ‘المفتش’ عاريا أمامه في زنزانة، يقول الجوكر كلاما مسجوعا ينتقد فيه القيم المجتمعية ويسخر من المفتش المغلوب على أمره لدفاعه عنها، ثم يقترب من الزنزانة قائلا: ‘تتساءل كيف يبقى حيا؟؟ .. هذا الرجل السخيف الضعيف، كيف ينجو في عالم اليوم القاسي غير المنطقي’ وبملامح بائسة مفتعلة يقول ‘هناك حقيقة ليس منها مهرب، أن عالم البشر جنوني فوضوي وبــــــلاجدوى، واحد من ثمانية أشخاص كادحين يفقد عقله، من يلومه؟ .. في عالم مجنون كهذا!!’
أقدم هذا الاستقراء المتواضع لشخصية الجوكر بعد محاولات فاشلة اجتهدت فيها في تنحية صورة هذه الشخصية المخيفة مرارا، وأنا أشاهد ‘باسم يوسف’ من خلال حركاته وملامحه، من خلال ضحكته الساخرة، في سيرك تم تجهيزه بوسائل الترفيه وبالدمى المتحركة يمنة ويسرة ومن مقعده ذلك يساهم في رسم المشهد السياسي المصري الراهن بتقلباته، ويساهم في تعزيز الانفصال والانفصام في ثقافة مجتمع أراد التحرر من ربقة الاستبداد، لا أحد ينكر أثر ‘البرنامج’ في شحن الشارع المصري ضد مرسي، ولا يمكن لعاقل أن يستبعد ‘البرنامج’ كسبب من الأسباب التي أدت إلى أحداث 30 يونيو وعزل الرئيس المنتخب. وقتل آلاف من المصريين.
وكأي ظاهرة فريدة يجب البحث في ظاهرة باسم يوسف من حيث أسبابها ودلالاتها قبل 30 يونيو وبعدها، ومن حيث الجهة المستفيدة، ومن حيث الأهداف القريبة والبعيدة، وليس ينبغي المرور عنها في أثناء دراستنا للحالة المصرية، فليس شيء كالإعلام أثرا في حركة المجتمعات في ماضيها ومستقبلها.
في ذات الجزء من ثلاثية The Dark Knight يحاول ‘باتمان’ أن يصنع من ‘هارفي دنت’ رمزا للعدالة يكون قائدا لغوثام في مواجهة المجرمين والفوضويين، ويجتهد الجوكر في تحطيم هذا الرمز، كذلك حاولت مصر في طريقها إلى تحقيق نظام حكم عادل بعد ثورة 25 يناير، وتمثل هذا النظام في مرسي كرئيس منتخب يمتلك الشرعية الانتخابية، كذلك اجتهد باسم ومن معه في تحطيم هذا الرمز، ينجح الجوكر في النهاية في تحطيم هارفي ورد جوثام إلى الفوضى، كما نجح باسم يوسف ومن معه في رد مصر إلى حالة من الانقسام والفوضى.
وسأترك للقارئ هذه المقابلة بين الشخصيتين ليضع يده بنفسه على ما أظنه نقاط التشابه بينهما، وليقف بنفسه على أهمية هذه المقاربة في توصيف ما يحصل في مصر، وفي الدخول إلى هذه الظاهرة من مدخل نقدي مختلف يشابه مدخل’ باسم’ الساخر في انتقاد مخالفيه بالترميزات والتلميحات والصور والدلالات.
في حلقته الأولى ما بعد 30 يونيو يظهر ‘باسم’ ليفتتح السيرك مرة أخرى وليبدع في ترفيه المشاهدين، كما أبدع من قبل لكن بفارق مهم هو أن إبداعه هذه المرة ليس إبداعا نقديا كما يظهر، بل هو سخرية لتثبيت الواقع لا لتغييره. يراه هو فعلا إيجابيا إذ لم يذكر تلك الفئة الكبيرة من الشعب المصري المطالبة باستعادة ثورتها، وإذ لمز وغمز من طرف خفي رموزا في النظام الجديد بعد إن كان ينتقد علانية نقودات لاذعة صريحة، هو يراه إيجابيا ونراه نحن برنامجا بمستوى البرامج الأخرى، ونراه كذلك يفعل ما يفعله زملاؤه من الإعلاميين غير أن هناك فارقا مهما هو أن مستوى باسم ‘مستوى أفضل’، وأن أثر باسم في رسم الواقع أكثر من أثرهم لأن باسم – في نظري – هو الوحيد الذي يعزز الفوضى… وهو يضحك!
سعيد أبو زينة
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية