النكسة العسكرية الاسرائيلية في لبنان

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

تعرضت من قبل إلي فكرة ابن خلدون حول العصبية وهي الفكرة التي بني عليها نظريته في إقامة الدول وزوالها، وقد فسرت فكرة العصبية علي أنها لا تقتصر علي المفهوم التقليدي الذي يربطها بالقبلية والعنصرية لأنها من وجهة نظري تتجاوز ذلك إلي نظرية الايديولوجيا أو الفكرة التي يمكن أن تبني عليها الدول. ونجد مصداق ذلك في كثير من الاسس التي قامت عليها الدول عبر التاريخ وهو ما نلمحه في الاساس الذي قامت عليه إمبراطورية جنكيزخان وهولاكو الممتدة وما قامت عليه الإمبراطورية الإسلامية وما قام عليه الاساس الايديولوجي للإتحاد السوفييتي السابق وكذلك الاساس العرقي الذي بني عليه أدولف هتلر دولته النازية وأخيرا الأساس الذي تعتمده الولايات المتحدة وبعض دول الغرب التي تبشر بالحرية والديمقراطية علي الرغم من أن سلوكها العملي يخالف ذلك كليا. ولا نريد أن نؤكد أن الأساس الايديولوجي صادق في كل الظروف أو قادر علي أن يقيم دولة ولكنه ضروري لإقامة الدول حتي لو كان ذلك إلي فترة محدودة من التاريخ.

وإذا نظرنا من هذه الزاوية إلي الكيان الصهيوني في اسرائيل وجدنا أنه لم يخرج في توجهه العام من فكرة العصبية، بيد أن الجوانب السلبية في العصبية الصهيونية اليهودية أقوي منها في أي ايديولوجية أخري وربما كان السبب في ذلك الظروف الصعبة التي واجهها اليهود في كثير من البلاد الأوروبية التي اتهمتهم بمحاولة السيطرة علي الإقتصاد والسياسة من خلال تنظيماتهم الخاصة التي تتعارض مع مصالح الدول التي يعيشون فيها. ويبدو هذا الواقع في الظروف الصعبة التي واجهها اليهود في روسيا وألمانيا وهو ما ولد لديهم إحساسا بضرورة أن يقيموا كيانا خاصا بهم علي اسس توراتية ووقع الإختيار في ذلك علي أرض فلسطين التي ترتبط بها عقيدتهم، ولكن الاسس التي قامت عليها دولتهم في ـ أرض فلسطين ـ افتقرت إلي المنطق السليم بكونهم اتخذوا موقفا عدائيا غير مبرر من سكان البلاد الاصليين بينما تصالحوا مع العالم الغربي الذي واجههم بالعداء في كثير من الظروف وهكذا اضاع اليهود كل الخيارات السلمية المطروحة وأهمها إثنان، الأول أن يقوم وطن مشترك بين الفلسطينيين واليهود يعيش فيه الشعبان بسلام في ظل نظام ديمقراطي وهو ما رفضه اليهود لأنه يلغي فكرة الدولة التوراتية ويثير الشكوك حول مستقبل هذه الدولة في ظل تزايد سكاني محتمل من الجانب العربي إضافة إلي وجود عربي يتعاطف مع الشعب الفلسطيني، وأما الخيار الثاني فهو أن تقوم دولة فلسطينية إلي جانب الدولة الإسرائيلية وهي فكرة تظاهرت اسرائيل في أول الأمربقبولها ولكن حين بدا لها تراجع المواقف العربية اعادت النظر فيها بدعوي أنه لا يوجد شريك تتعامل معه في الشرق الأوسط وبدأت تفكر في إقامة البؤر الإستيطانية وتبني حائط الفصل العنصري بل وتفكر بطريقة جدية في تهجير الشعب الفلسطيني بأكمله إلي دول مجاورة مثل لبنان وسورية والأردن وقويت هذه النزعة عند اسرائيل مع تواصل التراجع العربي في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، ولا تعني حالة الضعف التي عمت البلاد العربية أن حكوماتها كانت في حالة غيبوبة أو أنها لا تعي من أمرها شيئا بل هي سياسة مقصودة لأن الحكام العرب لا يرتبطون بسياسات وطنية بل تقوم سياساتهم علي خدمة مصالح النخب الحاكمة وبالتالي وصلوا إلي إقتناع بأن تغيير الوضع الحالي لا يخدم مصالحهم وهو ما أوصلهم إلي حالة مخزية من الإستسلام بلغ قمته في المواجهة التي جرت أخيرا بين لبنان واسرائيل حيث أطلق بعض الساسة العرب تصريحات التوبيخ والتحذير للمتسببين في الحالة اللبنانية وبعد أن ظهرت قوة الصمود اللبناني حاولوا أن يلحقوا بالركب فاسرعت الجامعة العربية المنهارة بعقد اجتماعها في بيروت. وأرسلت مصر وفدا من الفنانين وعلي رأسه جمال مبارك وكان ذلك خطأ استراتيجيا لان الوضع لم يكن يحتمل ان يروج الرئيس المصري حسني مبارك لإبنه في مثل هذه الظروف خاصة بعد أن تقاعس في نصرة الشعب اللبناني علي وجه صريح بل ووصل الاستفزاز أن ظهر أحد قساوسة الكنيسة القبطية علي إحدي القنوات العربية يدعو الزعماء العرب كي يقفوا خلف الرئيس حسني مبارك في ما سماه دعوته إلي مجلس الأمن كي يتخذ قرارا بشأن لبنان في الوقت الذي يشهد فيه الجميع أن موقف الرئيس مبارك كان من اكثر المواقف تراجعا ولا يرقي إلي مواقف عبد الناصر في هذه المناسبات.

ولا شك أن الخطأ الأكبر في هذه المرة جاء من الجانب الإسرائيلي الذي ظل يخطط منذ سنوات طويلة لضرب حزب الله وتصفيته في جنوب لبنان معتمدا علي وضع عربي متراجع ودون إلتفات لحقيقة المشاعر العربية تجاه اسرائيل. وكان الغرض الإسرائيلي منذ البداية توجيه ضربة ساحقة لحزب الله وبالتالي إضعاف النفوذ الإيراني السوري في هذه المنطقة في ظل التطورات التي سبقت هذه الأحداث. وأيضا تقويض الطموحات الفلسطينية نحو إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين ولكن الخطأ الذي ارتكبته اسرائيل هو أنها وضعت استراتيجيتها بطريقة تقليدية وكأنها كانت بصدد ملاقاة جيش نظامي ولم تدرك أنها كانت متجهة لملاقاة حركة مقاومة تستعد منذ زمن طويل ولا تعتمد أساليب الحرب التقليدية بل تعتمد اساليب حرب العصابات وبالتالي لم تجد اسرائيل أمامها جيشا أو دبابات تدمرها كما كان شأنها في حروبها السابقة بل قضت شهرا باكمله وهي لا تعرف من أين تطلق عليها الصواريخ بدليل ان الصواريخ كانت تطلق حتي قبل اللحظة الأخيرة من وقف العمليات العسكرية وكان أقصي ما فعلته اسرائيل هو تدمير البني التحتية وإصابة المدنيين وتلك حرب اليائسين التي أتت بنتائج عكسية ضد اسرائيل حيث بدأت الأصوات في مختلف أنحاء العالم ترتفع منددة بالهجمات الوحشية للجيش الإسرئيلي ضد الأطفال والأبرياء في مساكنهم الآمنة ولكن ما فعلته اسرائيل لم يقلل من عزيمة الصمود عند حزب الله واللبنانيين بعامة. ولدي هذا المأزق الذي تعرضت له اسرائيل بدأ مجلس الأمن ومن خلفه الولايات المتحدة في التحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وعملت الولايات المتحدة في أول الأمر علي إصدار قرار يظهر اسرائيل وكأنها المنتصرة في هذه الحرب ولكن الصمود اللبناني أفشل هذه المخططات. وجاء القرار في نهاية الأمر هزيمة واضحة للولايات المتحدة واسرائيل علي الرغم من أن الرئيس الامريكي جورج بوش حاول أن يظهره علي غير ذلك النحو.

وعلي الرغم من هذا النجاح الباهر الذي حققه الشعب اللبناني بصموده وكفاحه فقد حاولت بعض الأصوات المهزومة في العالم العربي أن تقلل من قيمة هذا الإنتصار الكبير بإثارة موضوع المسؤولية حول إثارة هذه الحرب والنتائج التي ترتبت عليها وكأنه كان علي العالم العربي أن يقبل الذل والهوان لمجرد ألا ينكشف ظهر هذه النظم البائدة التي تسيطر علي العالم العربي من أقصاه إلي أقصاه. ولكن الربح هو ثمن المغامرة وما كان للبنان أن يسكت عن الجرائم الإسرائيلية خاصة أن الشعب اللبناني البطل كان يعرف أن المواجهة الحاسمة مع اسرائيل هي مواجهة مؤجلة وأنها لا بد أن تنفجر بشكل نهائي في لحظة من لحظات المستقبل وذلك أمر لا تقيم له اسرائيل كبير اعتبار لانها تعتقد أنها قادرة علي فرض إرادتها من خلال امتلاكها لترسانة اسلحتها التقليدية.

واليوم وبعد الانتصار اللبناني الأكيد تغيرت الصورة ليس فقط بالنسبة لاسرائيل بل أيضا بالنسبة للعالم العربي لأن الناس بدأوا يتساءلون عن الاسباب التي جعلت العرب يتقاعسون بينما هم يمتلكون جميع أدوات الإنتصار علي الرغم من أنهم ينفقون الأموال الطائلة في شراء الاسلحة التي لا تستخدم أبدا إلا لقمع الشعوب العربية وتأكيد سلطة النخب الشمولية بل وملء جيوبها بالرشاوي والأموال التي تقتطع من قوت الشعوب. ولا شك أن المحاسبة ستكون عسيرة لهؤلاء في المستقبل القريب، أما بالنسبة لاسرائيل فقد بدأ الآن العد التنازلي ولن يكون المستقبل كالماضي لان اسرائيل حكمت علي نفسها بالموت بعد أن رفضت كل الحلول العقلانية والسلمية، وقد تعلم العالم العربي الآن أنه ليس بحاجة إلي ترسانات اسلحة تقليدية لهزيمة اسرائيل وكل ما يريده هو توافر الإرادة وتنظيم المقاومة التي تضع حدا للطموحات الصهيونية في المنطقة. وذلك امر لا يبدو أن الرئيس الأمريكي لا يدركه علي الرغم من مكابرته وخروجه علي الناس قائلا بان بلاده واسرائيل تواجهان الفاشية الإسلامية بينما يغض الطرف عن جرائم اسرائيل في قتل الأطفال والأبرياء ولكن العالم كان متنبها في هذه المرة ولم ينطل عليه خطاب بوش ومحاولته صرف أنظار العالم عما يجري في لبنان من خلال أكذوبة تفجير الطائرات في المحيط الاطلسي، وخلاصة ما نرمي إليه هو التأكيد علي أن الإنتقال من هذه المرحلة لا يكون بالعودة إلي الواقع القديم بل إلي مرحلة جديدة من المواجهة مع اسرائيل وكذلك مع الأنظمة العربية الخانعة، وفي هذه المرحلة لن تقبل الشعوب العربية بالفتات بل ستنتزع حقوقها انتزاعا ورغم إرادة حكوماتها. ولا يعني ذلك أن الطريق سيكون سهلا لأن تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة لا بد أن يسبقه تحرير آخر في العواصم العربية وتلك مقولة قديمة ينظر إليها البعض بغير قليل من السخرية علي الرغم من أنها مقولة صادقة، ولكن العالم العربي سينتظر أيضا ليري كيف ستكون ردود الافعال الإسرائيلية وهي تواجه هذه النكسة العسكرية والاستراتيجية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية