النهضة.. الأندلس والتمرات

حجم الخط
0

عادل الحامدي التراث العربي غني بالتجارب الإنسانية المتميزة بعد أن منحه الإسلام خلالا جليلة أعلاها التوحيد البيّن وأدناها السياسة. توسّد العرب والفرس والأتراك تركة النبي الخاتم عليه السلام، ولئن أفلت المظاهر المادية الملفتة لأصحاب هذه الحضارة، واستهلك روادها على مدار ألفية رومنسية قيم الآباء المؤسسين ومزقت الأيام امبراطورية التوحيد شر ممزق وتراجعت أوراقها الخريفية إلى دفاتر التاريخ وكراريس الأدب والفكر والسياسة وما أدراك ما السياسة، لم يعد بامكان المرء أن يستلهم المستقبل دون أن يستنبئ أخبار الاجداد الذين يصرون على التدخل في أدقّ شؤوننا وإن بليت رفاتهم.

ما أجلّ الله وما أعظمه وما أجمله وما أبدعه، فمخلوقه الغريب عندنا ينهمك سرا وعلنا في صنع طائرة سوداء تعرج إلى السماء الدنيا بسرعة الصوت المضاعف أربع مرات وتصل درجة حرارة محركها إلى ألف درجة مائوية يسهر على تبريده إلى حدود الصفر محرك ثان.. يقوم على خلقها دكاترة يأكلون الطعام ولم أر أحدا منهم يمشي في أسواقنا، وهم ينتظرون منا البلايين لاتمام مشروعهم في لحظة عالمية نادرة ترى فيها فئة من الانجليز الخلص في طابور جائع لتطعمه الكنيسة في بلد ثري، شربة ساخنة بعد صيام قهري: ‘قُتل الإنسان ما أكفره..’، وعند الغرق يقول ابن آدم وفي جميع الأزمنة: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل’. أما أنا وما أدراك ما الأنا، فبدماغ لا يختلف في بنيته الأساسية عن دماغ النعجة البدائي شكلا، فإني أعبر بما يشبه الزبد جميع الأزمنة وأخترق الحجب وأتعسف جميع قوانين الطبيعة لأحط وبسرعة تسخر شامخة من أصحاب السفينة السوداء، وبأمان في موقعة بدر الكبرى، التي يعتبرها المؤرخون برزخا فيصلا وأزليا بين معسكري التوحيد والشرك.

ولكن لماذا بدر؟ وما دخلها في زمننا العجول المتهافت؟ لأنني وعلى الرغم مما يشبه مهنة البصاصين التي أمتهن، أبى الأتراك إلا أن ينتزعوا غروروي البوزيدي (نسبة إلى سيدي بوزيد)، فأنا غير معتاد على رؤية حزب علماني تونسي يستدعي معمّما وريثا للطاهر بن عاشور منذ الطفولة اسمه الشيخ عبد الفتاح مورو، وهو عالم وقانوني تونسي غير عربي وسياسي مناضل وسجين سابق من الموريسكيين أصلا، ومن بلدية العاصمة جملة وفصلا لبس عمامة أهل الزيتونة طفلا دون العشرين، وخاض بها أركان الجامعة المتمركس في السبعينات عندما أمم بورقيبة رحمه الله الزيتونة، وطعن مورو وصحبه المشروع البورقيبي من الأمام بسكين حديده الماضي بيد الغنوشي وخشبه اليابس بيد مورو، فكان الشيخان لعشرين عاما وكانا علمي المحاكمة التاريخية لرواد حركة الاتجاه الإسلامي مطلع الثمانينات، عرفه معاصروه إماما خطيبا مفوّها يجتمع لخطبه الجُمعيّة الزبال والوزير بجامع سيدي يوسف، الذي لا يفصله عن مقر السيد حمادي الجبالي إلا ثنية عرضها متران، والذي كان مسجدا مهجورا حتى استولى عليه الغنوشي صمتا ومورو جهرة وذاق بعض وزراء اليوم نكهة التوحيد الخالص وأرخى وزراء بورقيبة النجباء بقيادة محمد مزالي رحمه الله الجناح لهذا المولود الجديد ‘عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا’، حتى أطل هابيل المشؤوم على تونس المتنوعة ولو كره الأحزاب فبعث الله غربانا سودا بقيادة القلال ومحمد الشرفي والشاذلي النفاتي ليدلوا الرئيس الأخرس كيف يواري سوءة بورقيبة رحمه الله والغنوشي ومورو ورجال ونساء كنا ومازلنا نعدهم من الأخيار حتى رأيت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقعة بدر الكبرى، عمير بن الحمام بن الجموح بن كعب الإنصارى, من بنى سلمة من الأنصار، الذي حضر معركة بدر الكبرى، وهو يسأل إمام المرسلين عندما قال مخاطبا جنوده إلى معركة بدر: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، فقال: عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض قال: نعم، قال: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملك على قولك بخ بخ؟

، قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر مستعجلا ما عند الله، وما عند الله خير للأبرار من الوزارة والسقاية والرفادة.

لقد استطاع سيدي بوزيد ‘لنقر’ بلهجتنا التونسية أو الرجولي بلغتنا العربية الفصحى، أو لنقل إحقاقا وعدلا استطاعت للاّ تونس المسلمة أن ترمي بتمراتها هي الأخرى ليفر الغراب إلى أرض محمد السخية ولأرى الأستاذ مورو جائعا بالمعنى الحرفي للكلمة ليس للخبز والماء الساخن كما في طابورنا اللندني، ولكن لإعزاز دينه ولإرفاد حركته وخدمة أهله من التونسيين، ولقد رأيته عينا بعد أن كنت سمعته قبل ذلك على شاشات التلفاز يعبر عن هذه الجوعة بعفّة المؤمنين بعد أن فاته التأسيسي وصياغة الدستور.

إن الشيخ مورو هو أحد مشائخ النهضة التونسية، وإن تنكر الواقع، وله فضل إعادة قلم التاريخ إلى مجراه الإسلامي الصافي. ومن نافلة القول أن العقوق ـ وحاشى النهضة ـ من الذنوب النادرة التي تدرك أصحابها في الحياة الدنيا قبل آخرة الانتخابات، وحشد الجمع كله لمواجهة المديونية والفقر والاستبداد، واستفراد العلمانية المتطرفة بإرادة الشأن العام من موقع الارتكاز على الآلة الأمنية والإدارة المدمنة على التلاعب برؤوس الساسة وشغلهم بالماضوية التي لا تغفر زلّة ولا ترحم أبا مؤسسا ورجلا جامعا وسطا يحتاجه الجميع لتقاسم مغانم الاستقرار السياسي والتوزيع الأشعري للأرزاق، وقتل الملوك والرؤساء عن طريق الانتخابات والمعارك السياسية النزيهة التي لا يمكن أن تمنح فردا أو جماعة ولو كانت إسلامية حقوقا إلهية تجور وتعبث وتقتل من تشاء وتستعمل من تشاء وتعذب من تشاء وتقصي من تشاء إلى أن التفع الناس ربيع مجهول نسأل الله خيره وبركته وهداه لمن في الأرض جميعا، خصوصا في سورية التي مازالت تنزف.’ كاتب وإعلامي تونسي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية