النونية

حجم الخط
0

النونية

نسرين مغربيالنونيةلا تستخف بالعتمة, تحمّلها بهدوء وبصبر الي ان تنقضي ايام الاغواء الاربعون, الي ان تعود بذرة الحياة وتنمو من جديد, فتصبح بيضاء, تطهّر نفسها, ثم تحمرّ وتتغير”.نص خيميائي”من يهتم بالخيمياء فان الخيمياء تهتم به” – عبارة ترددت في حلم احد دارسي الخيمياء, اذ بدا له انه كلما تعمق في دراسة الخيمياء ظهرت آثارها في مضامينه النفسية, واعتقد ان هذا الامر بدأ ينطبق عليّ لحد ما, ولا ادري السبب هل تبدأ الاحلام بعد تعمقنا في موضوع الخيمياء تتشكل وفق المنظومة الفكرية الخيميائية ام ان المضامين الخيميائية تشكّل ارضية خصبة تزودنا بادوات تتيح لنا فك شيفرة الاحلام وفهمنا لها بحيث نصبح قادرين علي تعريتها. واذكر احدها علي وجه التحديد لانه استعصي علي فهمه لكني حين تمكنت منه في النهاية شعرت بارتياح. فانا امر منذ اكثر من عام بمشكلة تؤرقني اوشكت بسببها عدة مرات علي قراءة الفاتحة علي روحي, لكني لدهشتي نجوت عدة مرات, لكن النجاة لم تعنِ حل المشكلة وكأن وضعي هو تجسيد لمقولة الشاعر محمود درويش “نحن ننجو لكننا لا ننتصر”. فقد حلمت اني في مكان ما وان هناك رجلا يصرخ “كلكم خونة” فجاءت امرأة وحاولت تهدئته لان لا فائدة ترجي وانه وحده يعرض نفسه للخطر. وجاء اشخاص وكأنهم رجال شرطة وبدأوا يعتقلون من كانوا في الجوار وانا من بينهم. وقرروا نقلنا الي مكان آخر, ولتسهيل العملية كان لا بد من اعطائنا ارقاما لتكون هوية لنا, وقلت في نفسي ان الرقم الذي سيعطي لي سيحمل معني ما, وكان بجانبي امرأتان, فاعطي الشرطي, وكان زنجيا, المرأة الاولي الرقم سبعة, فقلت في نفسي هنيئا لها فللرقم سبعة دلالة اسطورية, ثم اعطي المرأة الثانية الرقم عشرة ووجدته هو الاخر مميزا لانه يحمل معني الكمال (فهذا من ذكريات المدرسة وامتحانات الرياضيات حيث كانت العلامة تعطي من عشرة), وقلت في نفسي انه لم يبق لي أي رقم ميز فالارقام تصاعدية كما يبدو وخشيت كثيرا ان يعطيني الرقم 13 وفكرت انه قد يفعلها ليزيد مصيبتي, لكنه لدهشتي اعطاني الرقم 11 ولم يعجبني في البداية لانه لا يحمل أي بعد اسطوري بالنسبة لي, وقلت انه لو اعطاني الرقم 12 لكان افضل لانه رقم الدزينة الكاملة, لكنه في جميع الاحوال بدا افضل من الـ 13. وبدأت احاول ايجاد معني للرقم 11 وانا في الحلم دون ان اصل الي أي شيء مميز. وعندما افقت بقيت منزعجة لعدم تمكني من فك رمز الرقم 11, فقد عرفت انه يجب ان يحمل دلالة ما تتعلق بما امر به, وعدم فهمي يعني انها رسالة مشفرة قادمة لي من الاعماق, واني لا املك اية وسيلة للاطلاع عليها. فالزنجي الاسود يمثل المرحلة المعتمة التي امر بها وتصنيفه لي عبر الرقم 11 قد يعني اطلالة علي ما سيلي سواء كان ايجابيا ام سلبيا. وانشغلت في النهار الذي تلي الحلم بامور عادية وكنت افكر وقتها في كتابة مقالة عن قصائد جديدة للشاعر محمود درويش بعنوان “يوميات”. وقد اعجبتني لانها تناولت ثيمة الموت بطريقة وجدتها تروق لي اكثر من ديوان “جدارية” الذي يتناول هذا الموضوع, والذي لم احبه عند صدوره ولا ازال. وقد كتبت في مقالة اخري لي بعنوان “الزهرة الذهبية” عن توظيف الشاعر للمراحل الخيميائية في آخر دواوينه ابتداء بديوان “لماذا تركت الحصان وحيدا” , وان ديوان الجدارية يمثل مرحلة الموت الخيميائي. وفيما انا افكر ان هذه القصائد عدلت بطريقة ما من الخلل الفني برأيي في تناول موضوع الموت عبر السلسلة الخيميائية, خطر لي ان ديوان “احد عشر كوكبا” هو المفضل لدي من بين دواوين الشاعر. خاصة المقطع الذي يقول فيه : … خف النخيلخف وزن التلال, وخفت شوارعنا في الاصيلخفت الارض اذ ودعت ارضها. خفت الكلماتوالحكايات خفت علي درج الليل. لكن قلبي ثقيلفاتركيه هنا حول بيتك يعوي ويبكي الزمان الجميل,ليس لي وطن غيره…وعندها شهقت “آه” فقد وجدت في العنوان الرقم 11, أي احد عشر كوكبا, اذن كان الرقم المعطي لي يحمل بشارة قد تعني تمكني من الخروج من ازمتي الخانقة.وعودة الي قصائد اليوميات فانها تعج بفكرة الموت نظرا للفترة الحرجة التي كتبت فيها, أي العدوان علي لبنان عام 2006, فمن صرخة البنت التي تنجو قليلا والانقاض من حولها, الي البيت القتيل, والعدو ونيرون الخ. استطيع ان اجد في هذه القصائد تيمة الموت بمفهومه العادي أي القتل/ الاستشهاد, لكن الشاعر لا يتوقف عند هذا الحد من ايصال فكرة الموت انما يقدم لنا موتا من نوع آخر, وهذا هو التميز الذي اعجبني والذي رجّح كفة هذه القصائد علي “الجدارية”, الا وهو الموت بمفهومه الخيميائي, وقصيدة “ليتني حجر” والتي تتردد فيها اصداء صرخة الشاعر الجاهلي “الا ليت الفتي حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم” تقدم اضافة نوعية الي هذا البيت حيث تدخل مفهوم الموت الخيميائي الدائري والذي يحمل في طياته بذرة الحياة: ليتني حجر لا احن الي أي شيءفلا أمس يمضي, ولا الغد يأتيولا حاضري يتقدم او يتراجع لا شيء يحدث لي! ليتني حجر – قلت – يا ليتنيحجر ما ليصقلني الماءأخضرُّ, اصفرُّ.. اوضع في حجرةمثل منحوتة, او تمارين في النحت,او مادة لانبثاق الضروريمن عبث اللاضروري …يا ليتني حجركي أحن الي أي شيء!فالموت المشتهي عبر التحول الي جماد لا روح فيه لا ينفي انه حمال اوجه اخري, وتحديدا قدرته علي حمل بذرة الحياة المفتوحة علي امكانيات لا حصر لها. فالموت هو عود ابدي الي الحياة والتي هي عود ابدي الي الموت وهلم جرا. تماما كما يقول نيتشة “حيث تكون القبور يكون البعث”. فالخيمياء كما يظهر هنا من ثيمة الموت التي تعالجها القصيدة مولعة بالمفارقات وامحاء الحدود بين الاضداد, فالضد وضده كلّ واحد متكامل, لا وجود لواحد دون الاخر, بل لا تعريف لواحد دون ادخال الاخر في هذا التعريف. فنحن مبرمجون ضمن محدودية تجعلنا مولعين بالتمييز والفصل بين الاضداد, ونفتقر الي القدرة علي قبضهما في آن واحد. ولزيادة وعينا بهذا الامر فان الخيمياء تحرص علي توسيع حدود وعينا لنتمكن من الاحاطة بالمفارقات. وقد وظف الشاعر هذه القدرة في قصيدته “الغابة” والتي اجدها افضل القصائد في هذه المجموعة: الغابةلا اسمع صوتي في الغابة, حتي لوخلت الغابة من جوع الوحش… وعاد الجيش المهزوم او الظافر, لا فرق, علياشلاء الموتي المجهولين الي الثكنات اوالعرش/ولا اسمع صوتي في الغابة حتي لوحملته الريح الي, وقالت لي:” هذا صوتك” … لا اسمعه/!لا اسمع صوتي في الغابة حتيلو وقف الذئب علي قدمين وصفقلي: ” اني اسمع صوتي, فلتأمرني!/فاقول : الغابة ليست في الغابة,يا ابتي الذئب ويا ابني!/لا اسمع صوتي الا ان خلتالغابة مني, وخلوت انا منصمت الغابة!فالقصيدة مبنية كاحجية فهناك الصوت/ الانا/ الوعي وهناك الغابة/ الاخر/ اللاوعي. وكأن السؤال المطروح هو متي يتمكن الشاعر من سماع صوته وتحقيق وعيه الكامل. ونراه يرفض الامكانيات العادية المتاحة للانسان لتحقيق هذا الوعي التام, عبر تطويع مصادر رمزية كالريح كرمزللمرحلة الهوائية المتسامية في نفس الانسان والذئب الذي يمثل الغريزة الدونية. فلا التسامي ولا الهبوط الدوني يحققان الوعي. فلا يمكن ان يتم ذلك الا بالخروج الي مكان آخر, وكأنه بعد ثالث غير الوعي واللاوعي يتيح للانسان الجمع بين الضدين دون أي تعارض بينهما. فالمقطع الاخير من القصيدة يقدم لنا هذا الحل:لا اسمع صوتي الا ان خلتالغابة مني, وخلوت انا من صمت الغابة!هذا البعد الثالث الذي يتيح الرؤية الاشمل عبر الخروج من الوعي نفسه واللاوعي هو اساس الطرح الخيميائي للمفارقات التي توسع نطاق وعينا. وقد عبر الخيميائيون عن هذا الامر بشتي الطرق, كالاحاجي اللغوية مثل: ما هو صوت تصفيق يد واحدة؟ او بالرسوم, فهناك مثلا رسمة يظهر فيها الحصان وحيد القرن والذي هو احد رموز الذات التي تشمل الوعي واللاوعي وهو راكن الي الماء علي صورته المنعكسة. لكن هذا الانعكاس ليس انعكاسا نرجسيا مرآتيا بل يحمل مفارقة خيميائية,اذ يلامس قرن الحصان المنعكس صدر الحصان الراكن الي الماء. وهكذا فان الناظر الخارجي بمقدوره ان يقبض علي ماهية الذات كهوية يتم تحديدها خارج الثنائيات المتضادة كالصورة وانعكاسها, الوجود وعدمه حيث يتم صهر الثنائيات المألوفة في بوتقة واحدة لا فكاك منها رغم ما تحمله من تناقضات للفكر غير المدرب علي تحمل هذه المفارقات واحتوائها بوعي مختلف. الامر الذي ذكرني باحدي لوحات الفنان ماغريت حيث تظهر تفاحة خضراء والعنوان تحتها يقول: هذه ليست تفاحة!. وهذا صحيح فهذه ليست تفاحة انما هي صورة تفاحة, لكن من ناحية اخري فان الصورة تدل علي التفاحة, فاذن هي تفاحة وهلم جرا. هذه المفارقة المنطقية تدعي مفارقة الكاذب. وقد تمكن ماغريت من بنائها بفضل تواجده في الاطار الرمزي لتناول الموجودات المحسوسة. فالمفارقة تمت بفضل توظيف منظومتين رمزيتين -اللغة والرسم. وهذا ما فعله الشاعر محمود درويش حيث يحاول التماس هذا الوجود عبر رموز اللغة. بل واكثر من ذلك اذ تتردد في ارجاء قصائده نغمة مفادها ان عزاءه الوحيد هو اللغة حيث تصبح الكلمات والحروف بديلا عن الوجود الحقيقي الذي يخذل بعبثيته. ونجد صدي لهذا الامر في كتابه الاخير “حضور الغياب” حيث يفرد في هذه السيرة المقتطعة من حياته حيزا للتغني بالحروف فيتوقف عند حرف النون المحبب لدي الصوفيين قائلا:”ويستهويك حرف النون المستقل كصحن من نحاس يتسع لاستضافة قمر كامل التكوين. يرن ويحن الي أي امتلاء ولا يمتلئ. ولا يكف عن الرنين مهما ابتعد ومهما ابتعدت. سيكبر فيك وتكبر فيه, ويحييك ويقصيك عن نفسك كحب ملحاح, ويدنيك من الاخرين… نون النسوة والجماعة والمثني وقلب “الانا” وجناحا “نحن” الطليقان. ستأخذك صورة الرحمن الي الايمان المصحوب بالطرب, فتحب الله وتشفي من قلق السؤال الاول “من خلق الله؟”!فحرف النون بالذات استهوي الصوفيين لروحانيته عبر شبهه بالقمر السماوي من جهة, وشبهه من ناحية اخري بالوعاء الخيميائي الضرري لاحتواء المواد الداخلة في العمليات الخيميائية. اضافة الي كونه حرف الابداع في عصر الكتابة, فالنون هو الدواة وهو الحوت كما يرد في تفسير الاية “ن والقلم وما يسطرون” حيث يقول الطبري:” ان الله خلق النون وهي الدواة, وخلق القلم, فقال اكتب, فقال ما اكتب, قال اكتب ما هو كائن الي يوم القيامة, من عمل معمول, بر او فجور, او رزق مقسوم حلال او حرام, ثم الزمْ كل شيئ من ذلك شأن دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم وخروجه منها كيف, ثم جعل علي العباد حفظة وللكتاب خزانا, فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم, فيقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا فتراجع الحفظة فيجدون انهم ماتوا”.فالنون هو الوعاء الحافظ للمداد الداخل في تحديد سيرورة الاشياء وخط المصائر. كما ان النون هو الحوت, حيث يقول الطبري في تفسير آخر:”اول ما خلق الله من شيء القلم فجري بما هو كائن ثم رفع البخار فخلقت منه السموات, ثم خلق النون فبسطت الارض علي ظهر النون فتحركت الارض فمادت فاثبتت الجبال فان الجبال لتفخر علي الارض”.وبوصف النون احد اسماء الحوت فاننا نجد تعزيزا للطاقة الابداعية التي يفجرها النون في قصة سيدنا يونس, فعندما ابتلعه الحوت بدأ يبتهل الي الله ابتهالات مؤثرة, وكأن الحوت يرمز الي فترة الاحتضان الضرورية لانضاج أي عمل فني, في الوعاء المغلق. حيث بدأ سيدنا يونس يتضرع بقوله:”دعوت من ضيقي الرب فاستجابني. صرخت من جوف الهاوية فسمعتَ صوتي لانك طرحتني في العمق في قلب البحار. فاحاط بي نهر. جازت فوقي جميع تياراتك ولججك. فقلت قد طُردتُ من امام عينيك. ولكنني اعود انظر الي هيكل قدسك. فقد اكتنفتني مياه الي النفس. احاط بي غمر. التفت عشب البحر برأسي. نزلت الي ااسافل الجبال. مغاليق الارض عليّ الي الابد. ثم اصعدت من الوهدة حياتي. ايها الرب الهي. حين اعيتْ فيّ نفسي ذكرت ربي فجاءت اليك صلاتي الي هيكل قدسك. الذين يراعون اباطيل كاذبة يتركون نعمتهم. اما انا فبصوت الحمد اذبح لك واوفي مما نذرته. للرب الخلاص”.لا يسعني بعد هذه السلسلة من التداعيات التي تبدأ بالنون الحامل لمعني الوعاء صاحب القدرة علي الاحتواء, مما يشكل بمفهوم معين سورا يعين علي الاحتماء, مرورا بكونه الحوت الحامل للارض المتيحة الحياة, والدواة المتيحة خط الاقدار, وملتقم سيدنا يونس وحاميه ومفجر طاقته الابداعية الكامنة وصولا الي الشاعر محمود درويش والذي يمجد هذا الحرف “الحشود”, الا ان انهيها بمفارقة خيميائية لهذا الحرف. فعادة يؤلف الشعراء, استمرارا للسياق الفكري “الراقي” الآنف, قصائد “نونية” تقدم لنا بنية فوقية مجازية, لكن النونية في الحياة اليومية تعني وعاء التبول والتغوط (المخصص للاطفال عادة), الامر الذي يطيح بالنون من الاعالي السامقة الي الواقع الملموس حيث النتانة وانحطاط القيمة, لينتهي الامر بمفارقة خيميائية تجعل تناقضات النون والنونيات تتقاسم تطلعاتها العلية وتذكرها بارضيتها التي لا فكاك منها.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية