عبد القادر فايزمن إسطنبول التركية إلى العاصمة العراقية بغداد قطع قطار النووي الايراني محطات عديدة ودقيقة بعد أن توقفت المفاوضات بالمطلق بين ايران والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بالاضافة إلى ألمانيا والمعروفة بمجموعة 5+1 نحو 15 شهرا تقريبا. في النهاية إتفقت جميع أطراف الحوار على أن المفاوضات لم تفشل في بغداد، وتوافقت على عقد جولة أخرى من المحادثات النووية في العاصمة الروسية يومي 17 و 18 الشهر الجاري. للوهلة الأولى تبدو هذه النتيجة قديمة ومكررة، لكن بين طياتها ما يستحق التوقف عنده، وهو أن مكان المفاوضات هذه المرة سيكون العاصمة الروسية. فهل ستكون موسكو هي من تضع بداية الحل لأزمة الملف النووي الايراني؟ وهل يملك سيد الكرملين ورجل روسيا الحديدي فلاديمر بوتين العصا السحرية للنجاح في أول إمتحان جدي لقدرته على الصعيد الدولي.. ؟ والاهم هو كيف ستتعامل الأطراف المتفاوضة مع الخلط المتعمد لملفات وقضايا المنطقة على طاولة الحوار الروسية؟ صحيح أن موسكو ليست إسطنبول أو بغداد، وصحيح ثمة فوارق كبيرة وجوهرية بين عقلية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أوردغان ونظيره العراقي نوري المالكي، بيد أن ذلك قد لا يكون كافيا كي يعبر القيصر الروسي كل المطبات، ويتغلب على جل التحديدات العويصة في سعيه للعب دور الساحر، وفك عقد الملف النووي بين طهران والغرب، خاصة وأن الطرفين يفتقدان للحد الأدنى من الثقة التي قد تكون ضرورية جدا لموسكو لصناعة أرضية يبنى عليها أي تقارب في وجهات النظر. بالنسبة لروسيا، إستضافة المفاوضات هي فرصة لتقديم شيء مختلف عما خلصت إليه كل جولات الحوار السابقة في إسطنبول وبغداد، فضلا عن سحب ذلك على ملفات أخرى لتقدم موسكو نفسها بأنها عرابة الحلول الوسط سلميا، بدل الحلول العسكرية، خاصة في التعامل مع قضايا حساسة في الشرق الأوسط كثورات وانتفاضات الشعوب العربية وتحديدا في سورية. بالنسبة للغرب تعتبر إستضافة الروس للمفاوضات بشأن النووي الايراني فرصة أيضا، لكن بهدف إظهار العجز الروسي عن القيام بمهمة من هذا النوع، فضلا على أن روسيا ستصبح هي من يضغط على الايرانيين لانجاح المحادثات، بينما يسترخي الغرب قليلا، فالفشل بالدرجة الاولى سيكون فشلا لروسيا، وهذا بدوره سينحسب أيضا على رؤية روسيا في ملفات أخرى أهمها الملف السوري. أما بالنسبة للايرانيين فان سعي موسكو لانجاح المفاوضات وفق معطيات المصلحة الروسية ربما يدفع الايرانيين للتفكير برفع السقف قليلا في مطالبهم مما يخفف الضغط عليهم، وتصبح روسيا مضطرة أيضا للضغط على الجهة الغربية. كل هذا يظهر أن الطرف الذي سيكون في وضع لا يحسد في المحادثات المقبلة بين ايران ودول 5+1 هو الطرف الروسي. هنا تصبح المحادثات إمتحانا حقيقيا لروسيا، واختبارا جديا للرئيس بوتين في أولى أيامه في الكرميلن في التعامل مع ملفات معقدة على الصعيد الدولي. يقدم الواقع الحالي معطيات متناقضة حول قدرة الدب الروسي على تحقيق اختراق ما، وتقديم شيء مختلف، فمن جهة يبدو فلاديمير بوتين يمتلك أوراق قوة في مهمته الدولية الاولى بعد انتخابه رئيسا للبلاد مرة ثانية، ومن جهة أخرى تصبح القضية بحاجة إلى مهارة محترفة في التوأمة بين دبلوماسية التفهم والضغط بلين، والقدرة على الظهور بموقف واضح وشفاف: أولا… لقد عودت روسيا العالم ومنذ زمن بعيد أن بوصلتها في كل تحركاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية هي مصالحها الوطنية والقومية بالدرجة الاولى، وهذا لا يتقاطع مع فكرة الايرانيين عن حقهم المقدس في الحصول على طاقة نووية سلمية، فاذا كان الموضوع بالنسبة لموسكو هو سيرك توازنات ومصالح، فبالنسبة لطهران هو حق مشروع لا يمكن التنازل عنه. في الماضي اقتضت المصلحة الروسية عدم إشهار الفيتو بوجه أربعة قرارات أممية فرضت عقوبات دولية على ايران، ثم وجدت موسكو طرقها الخاصة في الالتفاف على العقوبات في علاقتها التجارية مع طهران. يعرف الايرانيون جيدا هذه البراغماتية الروسية، وتعلو الأصوات في أروقة القرار في طهران مطالبة بعدم منح الروس ثقة مطلقة أو الاعتماد عليهم كحجر أساس في الملف النووي، فلم ينس الايرانيون أن فلاديمير بوتين هو من أوقف إكمال المرحلة الأخيرة من صفقة صواريخ s300 بذريعية أنها تتعارض والعقوبات الدولية. هذه الرمادية الروسية لا تزعج الايرانيين كثيرا، لكنها قد تشكل عقبة أمام روسيا في سعيها لتقديم نفسها كوسيط ومحاور وطرف نزيه.
ثانيا… لدى الايرانيين مفهوم خاص عن المفاوضات لا يتقاطع مع ما يدور في رأس روسيا فالأخيرة تبدو مقتنعة أن نجاح المفاوضات في موسكو بين الغرب وايران سيكون نجاحا للدبلوماسية الروسية في نزع فتيل أزمة يرى البعض أن حلها لن يكون سوى بسلك طريق الحرب والضربات الاستباقية، أما الفشل فسيكون فشلا لسياسات الكرملين وسينعكس ذلك سلبا على مواقف روسيا الاستراتيجية من قضايا أخرى. من جهتها ايران تعرف مدى أهمية إستغلال هذه النقطة بالذات كعامل ضغط على موسكو، والرئيس الايراني بدأ ذلك مبكرا حين قال في مقابلته التلفزيونية الأخيرة مع قناة فرانس 24 إنه لا يتوقع حصول معجزات في موسكو، بينما تحاول روسيا التوفيق بين طموح الايرانيين في إعتراف دولي بايران نووية للاغراض السلمية، ومطالب الغرب بمراقبة مشددة على كل مفاصل النووي الايراني لمنع انحرافه بالاتجاهات العسكرية، وهذا بحد ذاته أشبه بمعجزة. ثالثا.. أفضل ما يمكن أن يقدمه الروس هو إعادة طرح رؤيتهم للحل المسماة (خطوة خطوة) التي تنادي بأن تتعاون ايران مع المجتمع الدولي والمراقبين الدوليين مقابل البدء برفع تدريجي للعقوبات. هذه الخطة أيدتها طهران وقبلت بمحتواها في الماضي، كما ان الدول الغربية لم تعارضها علانية، بل أن مسؤولة السياسات الخارجية في الاتحاد الاوروبي كاثرين أشتون أثنت عليها، لكن إذا كان هذا ما بحوزة الروس فقط فان مهمتهم ستكون صعبة جدا، كون المفاوض الايراني عرض في جولة الحوار الأخيرة ببغداد فكرة مقايضة وقف تخصيب اليورانيوم نسبة 20 في المئة، مقابل تخفيف العقوبات بدرجة عالية، بيد ان الاطراف الغربية لم تتحمس لهذا الكلام، وبقي بلا تعليق واضح. رابعا.. بالتأكيد إن روسيا لا تريد ان تستيقظ يوما وترى جارا لها كايران وهو يتحول إلى دولة نووية بامتياز، يقف على حدودها ويضع شروطا ومطالب في قضايا لطالما إنفردت موسكو بتحديد مصيرها، لكن في المقابل تعرف موسكو مدى اهمية دولة كايران ومدى حاجتها لها في معركتها لتقليص النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. اليوم هناك من يطرح فكرة إن باستطاعة موسكو تخطي كل هذه الحواجز دفعة واحدة من خلال لعب فلاديمير بوتين دور العراب وعقد صفقة شاملة بين ايران والغرب يكون البرنامج النووي الايراني أحد أهم بنودها، ويرجح هذا البعض ان يطرح بوتين شيئا من هذا القبيل في لقاء بنظيره الايراني محمود أحمدي نجاد على هامش قمة منظمة شنغهاي المنعقدة في العاصمة الصينية بكين حيث سيسمع ردا ايرانا مباشرة ومن اكثر المسؤولين الايرانيين تشددا في هذا المجال وهو الرئيس احمدي نجاد. بعد ذلك وبالتزامن مع بدء المفاوضات في موسكو بعد أقل من أسبوعين سيلتقي بوتين بالرئيس الأمريكي باراك أوباما على هامش قمة مجموعة العشرين التي ستنعقد في المكسيك، وهناك سيكون البرنامج النووي الايراني أبرز الحاضرين على الطاولة حيث سيسعى بوتين لتليين الموقف الأمريكي بشأن ايران، بينما يريد أوباما تليين الموقف الروسي بشأن الأزمة السورية، وهنا قد تنشأ بوادر صفقة ما، لكن حتى هذا سيكون أشبه بمعجزة أيضا فأي صفقة لا بد لها وبالضرورة عدم تجاوز سقف الرؤية الايرانية القاضية بوقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة مقابل رفع العقوبات وأي قفز فوق هذا السقف ستسميه طهران تنازلا. إن نجح بوتين في حلحلة عقد الملف النووي الايراني، وحقق ما لم تحققه جنيف أو إسطنبول أو بغداد فان ذلك سينعكس بلا شك على موقف روسيا من أزمة سورية، ويصبح الموقف الروسي من النظام السوري أكثر صلابة في المرحلة المقبلة. هنا يراهن البعض على أن الغرب لن يمنح هذه الورقة الرابحة لبوتين هكذا دون مقابل أما اذا فشلت محادثات موسكو أو الاتفاق على عقد المزيد من جولات المفاوضات سيقرأ دوليا أن موسكو ليست جاهزة بعد للعب دور حاسم في قضايا حساسة جدا كالنووي الايراني وغيره، لهذا فأغلب الظن أن روسيا بوتين ستكافح بكل ما لديها لاخراج المفاوضات بشأن النووي الايراني إخراجا ناجحا حتى ولو اضطرت لفعل ذلك على الصعيد الاعلامي فقط.’ كاتب فلسطيني يقيم في ايران