الناصرة ـ«القدس العربي»: بعد ثلاثة أيام تمكنّت قوات الإطفاء الإسرائيلية من إخماد نيران واسعة اشتعلت في محيط مدينة “نوف هجليل” في الجليل داخل أراضي 48 بعد استخدام عشرات سيارات وطائرات الإطفاء.
وكانت النيران قد اشتعلت يوم الخميس الماضي في مناطق حرشية محيطة بمدينة “نتسيرت عليت”(الناصرة العليا) التي بنيت هي ومدينة كرمئيل عام 1965 ضمن مخطط تهويد الجليل الذي ما زال الفلسطينيون يشكلون فيه 51 ٪ من سكانه.
وبسبب تلكؤ سلطة الإطفاء عن إخماد النيران بالكامل مساء الخميس وصباح يوم الجمعة الذي شهد جفافا شديدا، اندلعت النيران وتمددت بسرعة كبيرة أجّجتها حركة رياح شرقية نشطة مما جعلها تقترب من أحياء المدينة التي تعد نحو 60 ألف نسمة 20 ٪ منهم عرب فلسطينيون. وتسببت النيران التي انتشرت بسرعة فائقة بإخلاء عشرة آلاف من سكانها بات معظمهم خارج المدينة ليلة أول أمس السبت. وتضررت عشرات المنازل بشكل متفاوت وأصيب العشرات بحالات اختناق جراء استنشاق الدخان. وامتدت النيران للقرى المجاورة في منطقة الناصرة عين ماهل والرينة واكسال ودبورية وتسببت بحرق عشرات الدونمات من كروم الزيتون.
بالمال ولا في العيال
ومن بين البيوت التي تعرضت لأضرار فادحة جراء الحريق بيت المحامي الشاب طارق اسكندر في الحي الجنوبي من المدينة والذي أوضح أنه سارع لمغادرة البيت هو وزوجته وردة وطفلتهما ياسمين ابنة السنة مع بعض الثياب فقط، منوها أنهم تلقوا مكالمة من الجيران تبلغهم بأن الشرطة تنذرهم باقتراب النار وتطالبهم بمغادرته فورا. ويوضح المحامي طارق اسكندر لـ “القدس العربي” أن النار كانت تبدو بعيدة من خلال مشاهدته الدخان الكثيف على مسافة بعيدة عبر النافذة. ويتابع “لم نتخيل أننا سنكون أمام خطر حقيقي محدق لكن الرياح متعددة الاتجاهات أججّت النيران ودفعتها بسرعة مجنونة لتلتهم الأخضر قبل اليابس حتى آخر الغابة حيث يبعد بيتنا نحو 30 مترا” .
مشاهد يوم القيامة
وفعلا يستغرب الزائر لبيت الزوجين طارق ووردة اسكندر تعرض منزلهما للاحتراق كونه على مسافة بعيدة من طرف الغابة، لكن الرياح الشديدة وارتفاع درجة الحرارة أدت لتقدم سريع وواسع للنيران التي ارتفعت ألسن لهبها عشرات الأمتار وقد بدت النار العملاقة وهي تحاصر الأحياء المأهولة وكأنها من مشاهد يوم القيامة. وردا على سؤال قالت الزوجة وردة ” بعد نصف ساعة هاتفنا أحد الجيران وقال إن البيت يشتعل بعد مغادرتنا له فتوجهنا لمكان مشرف في نوف هجليل ولم نصدق ما نرى فقد كان بيتنا وسط جحيم النار تحيط به على ارتفاع مخيف والمشهد دام من الأرض للسماء يختلط فيه لون الدخان الأبيض والأسود مع ألسن اللهب الحمراء وكأننا في فيلم رعب وليس في الواقع” .
ويقول الجد المحامي زاهي اسكندر الذي يقطن في الطابق الأول من البيت إنه يحمد الله أن الضرر “بالمال لا في العيال” ومع ذلك عز عليه رؤية النار تأكله بالتدريج .وقد شعرت بألم حينما وجدنا لاحقا أن النار أتت على زاوية ألعاب حفيدتنا ياسمين.
ويقول الابن طارق إن كل البيت قيمة رمزية، لافتا الى أنه وزوجته دخلاه قبل ثلاث سنوات، راجيا أن تنجح اتصالاته لاستعادة حقوقه من شركة التأمينات ومن الجهات المعنية بعدما تضرر البيت بدرجة كبيرة.
رغم الوجع بفقدان البيت الذي احترق من داخله في الأساس بعدما التهمت النار سقفه القرميدي الخشبي فقد عبرت زوجته عن رضاها بالقول “إن ما يعزيهم هو نجاحهم بالهرب في اللحظة المناسبة” .
ويشكو عدد من الأهالي العرب ممن تحدثت “القدس العربي” إليهم من تلكؤ سلطات الإطفاء، مؤكدين أن عدم تدخلها مبكرا سمح للنار بأن تتمدد وتلتهم غابات وممتلكات وبيوتا.
وأفاد كثير من سكان الحي الجنوبي المأهول في الأساس بمواطنين عرب أن الشرطة ومصلحة الإطفاء تدخلتا بقوات وآليات معززة برا وجوا بعدما دنت النار من مصنع للسلاح تابع للجيش على طرف الغابة.
حرائق العنصرية لا تخبو في إسرائيل
وفي أعقاب موجة الحرائق في محيط مدينة “نوف هجليل” وغيرها حمل رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عودة على الحكومة الإسرائيلية التي أشار بعض وزرائها بالتصريح والتلميح إلى “احتمال كبير” بأن النيران تم إشعالها كعمل “تخريبي وإرهابي”.
وتابع معقبا “كما كل مرة فالحكومة الإسرائيلية تتهم الفلسطينيين لإزاحة الأنظار عن فشلها”. واعتبر أن الأمر الأهم الآن هو السيطرة على الحرائق لأن هذه البلاد الجميلة هي بلادنا وكل إساءة لها هي إساءة لنا، ودعا عودة سكان المناطق القريبة من النيران لأن يحتاطوا ولا يستهينوا أبدا.
واستنكر عودة بشدة اتهام الحكومة لـ”فلسطينيين” بإحراق الكرمل قبل عشر سنوات، وقال إن هذا الاتهام مكرر بشكل عنصري قذر وممجوج، ولكنه يهدف إلى إزاحة الأنظار عن الفشل الذريع للحكومة المرة تلو الأخرى بالسيطرة على الحرائق، كما أنها تفشل بسائر القضايا. كما تحب الأم طفلها أحبها حبيبتي بلادي” .
هشاشة المرافق المدنية
وهذا ما أكده لـ “القدس العربي” نائب رئيس القائمة المشتركة الدكتور شكري عواودة، معبرا عن رفضه واشمئزازه من تلميحات وتسريبات بعض الوزراء والصحافيين الإسرائيليين بأن النيران اشتعلت فعلا وعمدا من أجل التخريب.
يشار الى أن “تهمة الإرهاب” تتيح للسلطات الإسرائيلية التهرب من تعويض المتضررين لأن القانون المعتمد ينص على أن تعويض السكان يتم فقط في حال كانت نابعة من كارثة طبيعية.
وأوضح أن هناك 40 بيتا متضررة بدرجات متفاوتة، سبعة منها التهمتها النار، لافتا لاستمرار تقدير الأضرار منها احتراق 70 حديقة بيتية، علاوة على احتراق كل البنى التحتية في الأحياء الجنوبية.
وشكر الدكتور عواودة كل من ساهم في عملية التكافل بين سكان المدينة، وأشاد بالكثير من الجهات العربية التي هبت لنجدة المتضررين، منهم أصحاب الفنادق العرب التي فتحوها أمام المتضررين ومنحهم مأوى.
وتتوافق أقوال عواودة مع ما قاله مراقبون محليون من أن النار كشفت مجددا هشاشة الجبهة الداخلية في إسرائيل رغم تكرار الحرائق وأبرزها حريق الكرمل قبل عشر سنوات، مثلما أظهر عدم تعلمها الدروس المستفادة منها كما هو الحال في المرافق الطبية، حيث كشفت عدو كورونا ضعف المستشفيات والمرافق المدنية نتيجة استمرار توجيه 60 % من الموازنة العامة للجيش والأمن كل سنة.
يشار الى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قال في اليوم الأول إنه يتابع عن كثب ما تتعرض له المدينة المحاصرة بالنار وإنه يدرس إمكانية الاستعانة بمساعدات أجنبية. ويذكر أن الحركة الإسلامية الشق الجنوبي، سارعت لتنظيم حملة إغاثة لمساعدة العائلات المتضررة من الحريق التي وجدت نفسها فجأة بلا مأوى.