النيران في غابات القدس تعري الرواية الصهيونية ومزاعمها.. وتكشف عن الملامح الفلسطينية

حجم الخط
2

الناصرة- “القدس العربي”:

بعدما خمدت النيران في غابات الشطر الغربي من مدينة القدس المحتلة تجددت الانتقادات للمؤسسة الإسرائيلية الحاكمة واتهامها بعدم استخلاص الدروس من كوارث سابقة وبالتزامن كشفت الحرائق الجديدة عن الهوية الفلسطينية لهذه الأراضي المحرشة من خلال ظهور السلاسل الحجرية الهائلة التي بناها الفلاح الفلسطيني بعرقه ودم قلبه.

وحمل “مراقب الدولة” في إسرائيل على الجهات الحكومية المعنية واتهمها بأنها لا تستفيد من دروس ومن حرائق سابقة في مواقع مختلفة من البلاد من الكرمل إلى القدس. وقال في بيان قصير إنه سبق وأنذر ونبه من قلة عدد رجال الإطفاء وضعف معداتهم علاوة على عدم اتخاذ تدبير واقية مثل بناء هوامش فاصلة بين أقسام الغابات تحول دون انتشار النيران بسرعة مذكرا بأن حريق الكرمل الهائل عام 2010 تسبب بقتل 44 شرطيا وبعض المواطنين.

من جهته اعتبر الباحث الإسرائيلي في مجال الطبيعة والبيئة ياريف مليحي، أن الغابات التي زرعتها إسرائيل في مناطق متفرقة من البلاد “قنبلة موقوتة” وذلك على خلفية الحرائق الواسعة المشتعلة في جبال القدس، في الأيام الأخيرة، التي أتت على أكثر من 25 ألف دونم مزروعة بالأشجار. وقال مليحي إن “جميع الحرائق في إسرائيل هي من عمل الإنسان، بقصد أو بدون قصد” موضحا أن هذه نتيجة لعدد الأفراد الذين يتجولون في المنطقة، وجبال القدس هي منطقة توجد فيها بلدات كثيرة، شوارع ومناطق تجارية.

كما قال مليحي إن سبب اشتعال الحرائق في هذه المنطقة خصوصا أن غربي القدس تمتاز بـأحراش حوض المتوسط الأكثر كثافة في البلاد وهي جافة والمناخ فيها جاف نسبيا، وذلك خلافا للأحراش في منطقة الشمال حيث المناخ أكثر رطوبة. وقال أيضا إن أشجار الصنوبر، التي زُرعت قبل عقود من أجل تشجير هذه المنطقة هي عبارة عن مواد حارقة كونها جافة قابلة للاشتعال بكميات تصل إلى مئات آلاف الأطنان من النباتات.

وأضاف أن “أشجار الصنوبر قابلة للاشتعال أكثر بكثير بسبب تركيبتها الكيميائية، وهي جافة وكذلك مرتفعة. والغابات التي زرعتها كيرن كييمت ليسرائيل (الصندوق الدائم لإسرائيل – “كاكال”) بعد قيام الدولة لا تلائم المكان. وإلى جانب مساهمتها في الترفيه، فإن أشجار الصنوبر في مناخ حوض المتوسط هي أكثر أنواع الأشجار غير الملائمة لجبال القدس. وهذه الغابات هي قنبلة موقوتة بكل ما يتعلق بالحرائق”.

ومقابل مزاعم بأن الحرائق هي نتيجة فعل فاعل “تخريبي” قال مليحي “الظروف في غربي القدس مثالية لعاصفة نيران ولا تحتاج النار إلى إضرامها من أجل أن تشتعل، وإنما هي تحتاج ببساطة إلى إنتاج حرارة قرب أشجار جافة كي تشتعل”.

يشار أن السلطات الإسرائيلية استخدمت ملايين أشجار السرو والصنوبر لطمس القرى الفلسطينية المدمرة في نكبة 1948 في نطاق المعركة على رواية وهوية المكان وضمن مساعيها لطمس الرواية الفلسطينية وبناء الرواية الصهيونية حول “إحياء القفار” وتحويل البلاد لـ”جنات على الأرض” لكن هذه الأحراش ومع تغيرات المناخ باتت مصدرا للخرب وانتشار الحرائق المدمرة للطبيعة والبيئة والإنسان.

النار تكشف عن الحقيقة

وبعد إخماد الحرائق في جبال القدس تكشفت ملامح حقيقة تاريخية تدحض الرواية الصهيونية حيث بدت مساحات على مد النظر من السلاسل والمدرجات الحجرية (أو الربعان كما يسميها فلسطينيو الشمال) الزراعية التي بناها الفلاحون الفلسطينيون قبل قرون من أجل حفظ الأرض من الجرف وزرع كروم متنوعة فيها يمتد كل منها بين السلسلة الحجرية والأخرى المبنية بشكل متقن وأنيق وجاءت غابات السرو والصنوبر وطمستها بعد احتلال 1948.

ويرجح المؤرخ جوني منصور أن عمر هذه السلاسل الحجرية الجميلة في غربي القدس يبلغ أربعة قرون وأكثر وهذه نتيجة جهد وعرق ودم الفلاح الفلسطيني الذي بناها ليحافظ على أرضه وتربتها وبالتالي يعتاش منها. وتساءل دكتور جوني منصور ابن مدينة حيفا ماذا فعل المشروع الصهيوني الاحتلالي والاقتلاعي؟ عن ذلك يقول “قام المشروع الصهيوني عبر مؤسساته الكولونيالية بتشجير مساحات شاسعة من هذه الجبال وغيرها لإخفاء تضاريس ومعالم المنطقة وإبادة ما فعلته وكونته أيدي الفلاحين. في أعقاب عمليات التشجير والتحريج التي قام بها ما يعرف بـ “الصندوق القومي اليهودي” تم إخفاء كل ما هو فلسطيني عمره عشرة آلاف سنة لصالح كل ما يوحي بصهيونية ويهودية المكان وأكثر من ذلك ونتيجة العقلية الكولونيالية الأوروبية التي كونت الصهيونية فإن مشروعها اعتمد أيضا على نقل “المكان” الأوروبي إلى فلسطين ليحظى المستوطنون براحة شبيهة بتلك التي عاشوها في أوروبا ويتعايشون بشكل أسرع مع واقع مزور”.

وتابع جوني منصور مسديا النصيحة: “أود أن ألفت نظر المتجولين في فلسطين أن مثل هذه الأحراش نجدها في مواقع أخرى تخفي قرى ومزارع فلسطينية هدمتها إسرائيل في 1948 بعد تهجير أصحابها سكان وأصحاب البلاد وزرعت مكانها وعليها أشجار الصنوبر الأوروبي. على سبيل المثال: أراضي معلول. أراضي سحماتا وغيرها من مئات القرى في الجليل… تم إخفاء القريتين وبصعوبة يمكن ملاحظتهما اليوم بعدما طمست أشجار السرو والصنوبر أشجار التين والصبار واللوز والزيتون”.

وخلص منصور للقول أو التمني المبطن “النار التهمت بعضا من جبال القدس وكشفت عن جانب من المشروع الاستعماري الصهيوني وكشفت الحقيقة الجغرافية – التاريخية… فهل من نار أخرى تكشف أو تنتج أحوالا أخرى؟ سلام عليك يا وطني”.

يشار أن للقدس 90 قرية نصفها احتلت خلال احتلال شطرها الغربي عام 1948 ولم ينج منها من التدمير والتهجير سوى ثلاث قرى باقية حتى اليوم هي أبو غوش وبيت نقوبا وعين رافا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية