النيران في كيبوتس «مفلسيم» ستستمر طالما استمرت غزة قفصاً لسكانها

حجم الخط
0

طفل يهرب على دراجته خوفًا من النار المشتعلة. الصورة التي التقطتها أوريا كفير (13 سنة) أول أمس، والتي ظهر فيها يونتان ريغف (7 سنوات)، وهما من أولاد كيبوتس مفلسيم في غلاف غزة، انتشرت بسرعة في الشبكات الاجتماعية واحتلت صفحتين في صحيفة «يديعوت احرونوت». من الصعب البقاء بعدم مبالاة أمام صورة الأفق الأحمر والطفل الهارب، تقريبًا مثل حقول القتل في فيتنام بعد قصف النابالم الأمريكي. ولكن يونتان هرب على دراجته لأن طواقم الإطفاء أمروه بالابتعاد عن الحريق الذي شب خلف جدار الكيبوتس بسبب بالون حارق.
حياة يونتان أصبحت صعبة مؤخرًا: النار تشتعل حول الكيبوتس، الدخان يخنق والغبار يسود. في الليل تسمع أصوات انفجارات وفي النهار يتنفسون الدخان. يونتان هرب إلى البيت، في الكيبوتس انتظره أبناء عائلته وأصدقاؤه وهم محميون بشكل مناسب. لقد كان لدى يونتان مكان يهرب إليه. هو لا ينقصه أي شيء، حياته ليست في خطر حقيقي. لا يجب الاستخفاف بمعاناته، ولكن لديه بيت فيه كهرباء وماء نقي، وملجأ وغرفة أطفال، هو حر في السفر أينما يريد، ربما أنه سبق وكان في الخارج ذات يوم.
مستقبل مضمون، كما يمكننا التوقع، ومصيره بيده. هو طفل مثل كل الأطفال في العالم الأول، الذي حياته ليست سهلة في الأشهر الأخيرة ولياليه مخيفة. ولكن عندما أمره رجال الأطفاء بالابتعاد عن النار ركب دراجته وذهب إلى الحقل. لا يوجد طفل غزي واحد يستطيع حتى أن يحلم بحياة مثل حياة يونتان. لم يسمعوا عن الملجأ والماء النقي. لا توجد لغالبيتهم دراجات مثله.
من الطرف الثاني للحدود في المكان الذي منه يطلقون البالونات الحارقة، يريدون تنغيص حياة يونتان وأصدقائه. ليس أمامهم طريق أخرى لتذكير يونتان والإسرائيليين والعالم بأن حياتهم مخيفة أكثر. ربما إذا نغصوا حياة يونتان فإن أحدًا ما سيتذكر مصيرهم المرير ويفعل شيئًا من أجل خلاصهم. إنهم يعرفون منذ زمن أنهم إذا لم يقوموا بإطلاق البالونات الحارقة وتنغيص حياة السكان الذين يعيشون قبالتهم فلا أحد سيهتم بمصيرهم.
من أطلق هذا البالون الحارق ربما كان في جيل يونتان أو ربما أكبر منه قليلا، لكن ليس هناك قاسم مشترك بين حياة من أطلق البالون وحياة يونتان. لقد ولدوا لمصير مختلف. منذ أن أحيطت بوابات غزة وأغلقوا عليها فقد تعمقت الفجوة وتحولت إلى هوة سحيقة فظيعة.
من يعتقد أن أطفال جباليا سينظرون بعيون مطمئنة إلى أطفال مفلسيم ويجلسون بصمت ويسلمون بمصيرهم، لا يعرف التاريخ الإنساني والنفس البشرية. لا يوجد أمر مفهوم وعادل وإنساني أكثر من انتفاضة شباب غزة إزاء واقع حياتهم، هم يردون بصبر يثير الاستغراب تقريبًا.
إسرائيل تستطيع مواصلة إلقاء التهمة على حماس التي تبني الأنفاق بدل المستشفيات ـ هي دولة تحب السلام، وتستثمر معظم ميزانيتها في الأغراض الاجتماعية ولا تنفق أي مال تقريبًا على التسلح والغواصات، بل فقط على المستشفيات ـ حتى اتهامها بتنظيم التظاهرات. يمكن مواصلة القول بأن عائلة كل قتيل تحصل على الأموال، وكأن إسرائيل لا تعوض عائلات شهدائها، والإشارة باستخفاف إلى أن سكان غزة يقتلون بسبب الجشع، كما يفعل وزير الدفاع، ربما من أجل التخفيف على ضميره غير الموجود. ولكن غزة تنتفض لأنها تختنق بصورة ملموسة وطبيعية، ولم يعد لسكانها ما يخسرونه. لذلك، إذا لم يكن الوضع جيدًا في جباليا فلن يكون جيدًا في أي يوم في مفلسيم.
يونتان عاد إلى بيته بسلام وهذا جيد. أمير النمرة، الطفل الذي في قلبه ثقب، والذي حلم بأن يكون معلم سياقة، لم يعد في الصيف بسلام إلى بيته، فقد قتله قناص إسرائيلي مثله مثل 30 طفلاآخر.
النار التي جعلت يونتان يهرب إلى بيته ستستمر في الاشتعال ـ متى سنفهم هذا، طالما أن الأطفال الذين يعيشون مقابل بيته يواصلون العيش في قفص، أو يواصلون الموت.

جدعون ليفي
هآرتس 25/10/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية