النّخب العربية وشَرْعَنَةُ النّفاق

حجم الخط
0

النفاق مفهوم نشأ بعد هجرة رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حيث انقسم المجتمع إلى ثلاث فئات، فئة آمنت بما جاء به هذا الرسول الكريم وصدّقت به فهم المؤمنون، وفئة كفرت بما جاء به وكذّبته وهؤلاء هم الكافرون، وفئة خشيت إن آمنت أن تذهب مميزاتها المجتمعية عند إخفاق هذه الدعوة، وفي الوقت نفسه خشيت إن كفرت أن تخسر مكانتها ومصالحها في حال نجاح هذه الدعوة، فابتكرت حلاً وسطاً بحيث تكون مؤمنة بالدعوة بين المؤمنين بها، وكافرة بالدعوة بين الكافرين بها، وبهذا تضمن مصالحها ومميزاتها ومكانتها على الحالتين، فأظهرت شيئاً وأبطنت شيئاً آخر.قالوا: إنّما سمّي المنافق منافقاً لشبه حاله بحال حيوان صغير ينتشر في أرض العرب يدعونه (اليُربوع) فهو يحفر لجحره أكثر من مخرج ومدخل، بحيث إذا طلبه عدوه دخل من واحد وخرج من آخر، وسمو الفتحة التي يدخل منها (النّافقاء) والتي يخرج منها (القاصعاء) فهو يدخل في النّافقاء ويخرج من القاصعاء، أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النّافقاء، فيخدع عدوه فلا يصل إليه.حديثنا هنا ليس عن النفاق ببعده وجذوره الدينية، فذاك نفاق قد انتهى عصره – على ما أعتقد- وإنّما حديثنا عن النفاق بمفهومه العام (وإن تشابهت المظاهر والعلامات بينهما) حديثنا عن النّفاق الذي يُعرف بسلوكيات معينة تجعل صاحبها مثلاً يعتقد شيئاً ويدعو إليه ولكنّه يفعل ضده، أو يدور في مواقفه مع مصالحه معنوية كانت أو ماديّة، ولو كانت على حساب قيمه ومبادئه التي ربما عاش حياته يدعو إليها، أو يداهن الحكّام والملوك رغبة في عطائهم أو خوفاً من آذاهم.. وغير هذا. عشنا حياتنا ننظر إلى المتصدرين للمشهد العام من النخب، سواء كانوا من أعلام الفكر والأدب أو من أعلام الشريعة والدين أو من أعلام الفن والسياسة أو من أعلام القضاء والفلسفة وحقوق الإنسان وغيرهم، ننظر إليهم نظرة التلميذ المستجد إلى معلمه الأول، فهو يجمع له في نفسه الإعجاب والانبهار والتقدير والاحترام بل ربّما الرهبة والتقديس، فهم الجبال الشامخة التي ترنو أبصارنا إلى الوصول إلى ذراها، وربّما هذه إحدى خطايا تربيتنا الشرقية التي تميل إلى المبالغة في كلّ شيء.ومن قدرنا أننا عاصرنا ثورات الربيع العربي لنرى بأعيننا السقوط المدوي لكثير من تلك الهامات النخبوية وفي كلّ المجالات، شريعة وأدب وسياسة وفن و.. وكانت دهشتنا عظيمة لدرجة الذهول من مواقف كثير من هذه النّخب، وصار السؤالُ المحيّر يتكرر: لمَ فعلوا بنا ذلك؟! محورَ حديثنا في جلساتنا، ونحن الذين كنّا نمضي تلك الأمسيات في الحديث عنهم وعن فكرهم ومبادئهم وقيمهم وأحوالهم، بل ويفاخر الواحد منّا حينما يأتي بخبر عن كتاب جديد أو مقالة أو خطبة أو نشاط ما لأحد من هؤلاء النخبة. لا نتحدث هنا عمن صنعهم الحكّام ومهدوا لهم طرق الوصول لصدارة المشاهد التي اختصوا بها، وهم ليسوا أهلاً لهذه الصدارة، فهؤلاء لا عتب عليهم فهم يردون الجميل لأولياء نعمتهم الذين أعدوهم لمثل هذه الأيام.نحن نتحدث هنا عمّن كان يُضرب المثل بكتبهم ومؤلفاتهم ومواقفهم وقصائدهم ومسرحياتهم و.. في بعد النظر والتحليل والتصورات المستقبلية للأمّة ووضع اليد على منابع الألم والوجع في حياتها.. حتى أطلق عليهم لقب (المتنورين التقدميين) مقابل (الظلاميين الرجعيين) فإذا بنورهم يخبو أو ينطفئ فلا يبصرون الأمور على ما هي عليها في الواقع، وإذا بألسنتهم وأقلامهم إمّا تصمت عمّا يفعله حكّامهم بشعوبهم، أو تقف في وجه تطلّع هذه الشعوب للتخلّص من جلاّديها، وتسوق حججاً ومبررات لا يقبلها إنسان عادي فضلاً عمن يعدّون أنفسهم نخبة.فبعضهم قام يمجد ثورات الربيع العربي عندما كانت في غير بلده، فلما وصلت إلى بلده صارت قلاقل واضطرابات ودعوات طائفية و..وبعضهم كان يعتبر أحد أسس الديمقراطية (التي كان يمجّدها ليل نهار) هي صناديق الاقتراع، فلمّا جاءت هذه الصناديق بمن لا يريد صارت الشعوب العربية أميّة وجاهلة وغير مؤهلة بعد لتحكيم صناديق الاقتراع ..وبعضهم كان يتنقّل بين فضائيات العرب والعجم يدعو لتمكين الإنسان العربي من حقوقه التي كفلتها له الشرائع السماوية والاتفاقيات الدولية، فلّما صار هذا الاستحقاق قريباً من يد أهل بلده تراجعت أولوياته للمحافظة على السلم الأهلي ووحدة الأرض والوطن كما يقول.. وغير ذلك من الأمثلة. هل كانت هذه النخب تخدع النّاس وتظهر لهم ما يدغدغ مشاعرهم وتجعلهم يعيشون أحلام يقظة في مستقبل أفضل، بينما هي تعلم استحالة ذلك واقعاً وحقيقة؟هل تعيش هذه النخب في عالم آخر صنعته لنفسها، فلا تستطيع رصد حقيقة ما يحصل على الأرض؟هل أظهرت هذه الثورات أنّ هذه النخب لها مقاييس أو بوصلة خاصّة بها بحيث تزن الأمور بطريقة مغايرة لتقديرات الشعوب وأولوياتها؟ عبد عرابي – حمص – سورية qmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية