النّص المُؤجَّــل

حجم الخط
0

صلاح بوسريفما يزال النقد ‘ الأدبي ‘، أو ‘ فن ‘ قراءة النص الأدبي عندنا، بعيداً عن النص، أو يَتِمُّ، بالأحرى، في منأًى عن النص. ما نقرأه من قراءاتٍ، إما أنها لا ترقى لمستوى النص، أو أنها تأسرُ النص، في ما لا علاقةَ له به. أو كما في تعبير لأدونيس ‘ فهي قراءة تَتِمّ في حركةٍ من تطويق النص بأسوار الأفكار المسبقة ‘ أو بما سماه ‘ السياسة ‘ و ‘ الذاكرة الدينية ـ التاريخية’. أي أن النص يبقى، دائماً أسير قراءات أيديولوجية، لا ترقى بالنص إلى ‘ التجربة المعرفية ـ الجمالية التي يصدر عنها ‘. النص، في هذه الحالة، إذن، هو ‘ أداة ‘، ووسيلة، وليس هدفاً، في حدِّ ذاته. لعل هذا الانحراف الذي يفضي إليه النقد اليوم، في علاقته بالنص الشعري أو السردي، هو ما يفضي إلى انحراف أوسع، يشمل وضعنا الثقافي كاملاً. فحين لا نكون قادرين على اختبار تجربة النص الإبداعي، وعلى الاقتراب من تجربته المعرفية والجمالية، أو ننأى به عن أرضه، لِنَجُرَّهُ إلى أراضٍ ليست من صميمه، فنحن لا نكتفي بإفساد النص، أو تأجيل تجربته المعرفية والجمالية، بقدر ما نفسد رؤيتنا الثقافية كاملةً، ونُفسد فهمنا للواقع الذي في إطاره يتأسَّس وعينا الثقافي.

ما أثاره أدونيس في مقال حديث له، ليس فقط، ما تُفرزه مثل هذه القراءات من تشويش وتعتيم على النص، أو تأجيل لجماليته. ثمة وضع آخر يفرزه هذا النقد الأعمى، أو الجاهل بالشرط الإبداعي للنص الشعري أو السردي، وهو ما كنتُ سَمَّيْتُه، في سياق آخر، بـ ‘ القراءة العمياء ‘، هو نوع العلاقة التي يُحْدِثُها ‘ القارئ ‘ أو ‘ الناقد ‘ مع النص. فالاهتمام بالنص ‘ يكبر.. أو يضعف تبعاً لما يتمتع به صاحب النص من ‘ المكانة ‘، و ‘ الموقع ‘ و ‘ الانتماء ‘، و ‘ الصداقات ‘، و ‘ العلاقات ‘… إلخ ‘. في الحالتين، يبقى النقد تشويهاً للنص. فهو حين يقرأ النص من خارج تجربته المعرفية والجمالية، يُخْرِجُه من مجال الإبداع والخَلْق، ليذهبَ به إلى ما لا يعنيه، أو ما هو بعيد عنه، وحين يقرأ النص بحسب انتمائه أو الصداقة والعلاقات، فهو يقرأ عملاً، ربما لا يرقى إلى المستوى الجمالي الذي يُتيح للنص أن يكون أفقاً إبداعياً، أو إضافة نوعية، أو اقتراحاً معرفياً وجمالياً، أو طريقاُ، بالمعنى الذي يعطيه هايدغر للكلمة.

النقد، في العرف المعرفي، هو إضاءة، و اسْتِكْشَاف، و حفر في أرض النص، وما فيه من طبقاتٍ تحتاج لمن يزيل عنها الغبار، ويجلو ما يتخفى وراءها من ‘ لهب ‘، أو من اشتعالٍ. فالنقد هو أيضاً طريق، يتيح للإبداع أن يختبر قدرته على السير في منعرجات المعرفة، وهو أيضاً مرآة، تضع النص في مواجهة ذاته.

النص أكبر من النقد، ويعلو عليه، يمكن لقراءات مثل هذه أن تخفي النص، لكنها لا تستطيع طمسَه، أو إلغاءه، فهي تؤجله فقط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية