‘النّظر جنوبا’ من واقع لازم إلى واقع متعدّ

حجم الخط
0

‘أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم’
فالشعر ليس رهين الحواس، لا هو يتعطّل إن تعطّلت ولا يكفّ إن كفّت. بل إنّ الشعر قادر على جعل الأعمى يرى والأصمّ يسمع لا بمعنى أنه دواء وبلسم أو أنّ الشاعر يحاكي الأنبياء في معجزاتهم إذ ليس من وظائف الشعر شفاء العلل ولا من مهامّ الشاعر أن يكون نبيّا.
فقد كفَّ عن كونه منذرا ومبشّرا وأصبحت القصيدة سؤالا لا جوابا حيث الذات هي كلّ هذا وغيره. الذات المركّبة بما هي جملة من المتناقضات والمتعدّدة بما هي إمكانات ذات وليست الذات. فالشعر إذن يتلاعب بالحواس لا ليعوّضها بل ليكون هو الآخر حاسة، تسمع ما لا يُسمع، تشمّ ما لا يُشمّ، تتذوّق ما لا طعم له وتلمس ما لا يُلمس. لذلك تأتي القصيدة لا لتقول ما لم يُقل بل لتصوغه بالطريقة التي لم يُقل بها، حيث تنصهر الأشياء فيصبح المرئي مسموعا والمسموع مرئيا وكذلك الرائحة تُسمع وتُرى…
فلماذا ‘النظر جنوبا’؟ لماذا تخلّى الشاعر عن بقية الحواس ليقتصر على الرؤية والإبصار؟ هل في ذلك محاورة للواقع الذي ابتلعت فيه الصورة كل اللغات لتصبح الخطاب الأوحد والوحيد؟ ثمّ هل هذا ‘النظر’ هو مجرّد مشاهدة ومتابعة لما يحدث؟ لعلّنا نحظى بإجابة ما إن نحن نظرنا جنوبا، لكن هل هو ‘نظر إلى’ أم ‘نظر في’؟

نظر إلى: نظَر الشّيءَ / نظَر إلى الشّيء / نظَر للشّيء : أبصره، أدركه بواسطة القدرة البصريّة.
نظر في: تدبَّرَ وفكَّر.
نظَر الشّيءَ: توقَّعه.
نظَر الشّخصَ: أصغى إليه.
وجاء في لسان العرب: إذا قلت نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكّرا فيه وتدبّرا بالقلب.
وحتى نتمكّن من تحديد طبيعة النظر في ‘النظر جنوبا’ علينا أن نستكنه المنظور إليه وبأيّ عين كان النظر.

المنظور إليه:

الجنوب الجغرافي: (قصيدة النظر جنوبا)
‘حين تصطكّ أسنان القطط في الشوارع
حين تموت بائعة أعواد الكبريت الحافية
حين يلبس الشّمال أكفانه
ستكون سهول إفريقيا ساحرة كعادتها
الشاعر ينظر إلى الشمال فيرى نهايته. يرى علامات الموت في الهامش، في شوارع الشمال الخلفية حيث أسنان القطط وأقدام الفقراء. يرى الشمال جثّة فيلتفت إلى الجنوب، إفريقيا تلك الأرض البكر حيث الخصب والماء والغناء والرقص. إنه التفات إلى الحياة.
(قصيدة النظر جنوبا)
‘غيمتان ترتجلان طالع أغنية:
يا للهفتها الحلازين التي تنتظر المطر.
عاشقان يرقصان الباتا باتا’
كأنّ هذه الجمل الثلاثة تجابه الجمل الثلاثة الأولى فكان المقطع مبنيّا على تناظر أفقيّ محوره إفريقيا. فالجنوب الذي لم يعد جنوبا دلاليا كفّ عن كونه جنوبا بصريا. إنّه المحور والمركز والفاصل والمانع. هو الحصن الرّادّ للموت.
هكذا هو جنوب الشاعر ليس هو الجنوب الذي ترسّخ فينا رمزا للقحط والفقر والأوبئة والفراغ والعدم. فنحن نتمثّله صحراء خالية وعالما متخلّفا كما تنقله لنا الصورة الإعلامية. هكذا ننظر إليه حتى وإن كنّا فيه لكنّ السياري يراه بعين ثالثة.

الجنوب بما هو مكان: (قصيدة من مذكرات جنديّ فرّ من برلين)
‘يا سيدتي،
ما دمت سأموت هنا
فيعوّضني الجنرال
كحدوة بغل تالفة
فالأفضل أن أترك هذا الحائط
أترك بدلتهم والخوذة والرشّاش
لأركض نحو البيت’
البيت ملاذ الجنديّ الرّافض للموت المجاني، الموت في سبيل اللاشيء. في البيت أشياء حميمة ودفء وذاكرة. في البيت معنى، في البيت إنسان ونحن في زمن تفكّك فيه الإنسان الفرد والإنسان الجمع. البيت جواب السائل وعودة الراحل ومستقرّ التائه الحائر. لذلك كان مستقرَّ هذه القصيدة، هو الوجهة التي يركض نحوها الجندي والجهة التي ينظر إليها الشاعر: (قصيدة ثلاث صفحات من مذكرات تلميذ)
‘آه لو أتذكّر طريق العودة
لأهرول نحو البيت’.
وكأنّ النظرات خطى. وكأنّ النظر سير نحو البيت حيث الحلم.

الجنوب بما هو حلم: (قصيدة وصايا القمر)
‘أعلم أنّك متعبة
بينما يومض البرق فوق التلال البعيدة.’
ذلك القادم من بعيد هو الحلم، يراه الشاعر فيدرك أنه وحيد خارجه: ‘الوحدة قاتلة يا أيّتها الأضواء هناك’ (قصيدة من مذكرات جندي فرّ من برلين). لكنّ شاكر السياري يرغب عن الحلم:
‘لا رغبة لي في النوم
أشيح بوجهي عنه’
إنّ الإشاحة عن شيء ما تعني النظر إلى شيء آخر. وما ينظر إليه السياري هو الواقع، يقول في قصيدة بريد إلى صاحبي: ‘لكني تعلّمت حديثا أن أكون واقعيا وقنوعا كالنمل الأحمر’. ذلك أن الحلم صار ممنوعا وكذلك الجنوب بما هو حلم. في الماضي كان الحلم ‘عندما كنت رذاذا’ أمّا الآن فثمّت واقع يسدّ أبواب الأمل ويحجب عنّا الرؤية ويمنع عنّا الحياة، بل هو يسلبنا الحلم بالحياة في أبسط أشيائها. هذا الواقع يأبى حتى أن يتصدّق علينا بالحلم الذي هو في الأصل من حقّنا، فـــ’الواقف أمام البحر لا يحلم بسمكة ذهبية أو خاتم
هو يتسوّل الدفء في المدن البعيدة
تلك التي يسميها جنة
فلا يرى أصدافا فوق الشاطئ
كان ليصنع منها قلادة
هذه ‘المشاهد اليومية’ المنظور إليها يرى فيها الشاعر ما لا نراه، يرى رائحة النهاية من ‘غرفة في الطابق الثالث، في العاصمة، تطلّ فقط على القمامة’. فالنظر جنوبا نظر إلى الواقع بعين الكاميرا ونظر فيه بعين ثالثة، عين لا تقف عند السطح. قادرة هي على اختراق أيّ عازل ورفع كلّ حجاب. إنها ترى في المرئيّ اللامرئيَّ، عين عابرة تنظر من كلّ الجهات في آن واحد. إنّها أكثر من عين.

الناظر:
بعين الغير: (أعِدكم)
هؤلاء البؤساء الذين أكتب عنهم
الذين نغّصوا عليكم أحلامكم
كما ينغّص حجر نعاس القمر على البحيرة
ليسوا سوى قراصنة
تسلّلوا إلى الحبر في قلمي
كما يتسلّل الإيدز من حقنة فاسدة
في القصيدة عينان: عين الآخر المترف المنزعجة ممّا يكتب عنه الشاعر وعين الشاعر الساخرة من تلك ‘الكائنات الأنيقة’. هذه العين التي أشاحت عن الحلم ليس لها أن تشيح عما يحدث على هذه الأرض وتحت هذه السماء. فالكتابة عند شاكر السياري لصيقة بالواقع ليس بمعنى المحاكاة وإنما باعتبار القصيدة معادلة بين كونها رسالة حمّالة لمواقف وبين كنهها كخطاب شعري هاجسه إبداع طرقٍ في الكتابة جميلةٍ. بغياب طرف المعادلة الأوّل تنخرط القصيدة في مقولة ‘الفن من أجل الفن’ وبإسقاط الطرف الثاني من هذه المعادلة تخرج القصيدة من الخطاب الشعري إلى الخطاب التقريري سواء كان إخباريا أو تلقينيا أو غيره. لذلك فإنّ تعرية الواقع لا تكون بنقله كما هو وكأننا إزاء فيلم وثائقي إذ ‘لا شيء جديدا هنا’ أما القصيدة فهي ‘فقط المزيد من الحفر’. والحفر في الواقع إنما هو حفر في الذات ‘بينما أمنياتي تنام في القاع كالصندوق الأسود’. لا بدّ من فتح هذا الصندوق حتى تتحرّر الذات من ذاتها: (قصيدة الطوق)
لكنك حين ستعضّ
يدا أرادت وضع الطوق مجددا
حول رقبتك
ستكتب الصحف أنّ كلبا
عضّ يدا مُدّت إليه
هذا ما سيقولونه عنك في النهاية

بعين الطبيعة: (قصيدة الوصية)
‘جبل هيّأ للشمس الناعسة وسائدها’
بعين الجبل يرى الشاعر ما لا يراه البشر. يرى الشمس وهي تنام لتحلم بيوم جديد. فلو لا الحلم لما كان غد ولو لا عين الشاعر لما رأينا يد الجبل التي تفتح الباب لليل إذ هي تستقبل الشمس. أيّ يد هذه التي تحمل في كفها المتناقضات دون أن ترتعش؟ إنها يد الجبل الذي عُرضت عليه الرسالة فأشفق منها.

بعين الإله:
(قصيدة شوارع منكوبة)
‘[…]
أنيسك في شوارع لا تعرفها الدولة
[…]
ضممت اسمي إلى اسمك
بالطبشور على حائط المسجد
لتقرأهما السماء بعينين دامعتين’.
الدولة عمياء. الدولة لا ترى الحزانى لكنّ الله يراهم ويبكي من أجلهم… هذا ما يراه الطفل.

بعين طفل:
(قصيدة الصفحة الثانية: مشهد طبيعي)
‘الشمس في سمائها
الفراشات والأزهار في الحقل
الأرجوحة معلّقة على الغصن
(قد تبدو الصورة عادية والفكرة نمطية)
(أيها القارئ لا تشتم أحدا…)
كل المشهد رسمه الطفل بالقلم الأسود
يا للوحشة…’

(قصيدة الصفحة الثالثة: ملاحظة على الهامش)
‘صفحة سوداء عن آخرها
ليل بلا مصابيح.
لا دليل سوى ملاحظة خطّها التلميذ:
ما تراه…
ليست غربانا تحطّ على جيفة
ليس نفقا لتهريب الخبز والضحكات
ما تراه ذهب أسود…
على الطائرات التي تقصف الآن
أن تكمل مهمّتها’.
الزمن والمكان سواد في سواد. وفي هذا العماء وحدها عين الطفل رائية، إلاّ أنّها لا ترى غير السواد. حتى ما نراه نحن مضيئا ومشرقا إنما هو سليل الظلمة، لا دليل لنا إذن سوى عين الطفل نبصر من خلالها فتنكشف حقيقة هذا العالم ونرى الأشياء على غير حالها فنصرخ هلعا: ‘يا للوحشة’، من أين جاء كلّ هذا السواد؟
الطفل ينظر إلى ما حوله ذلك الذي نراه نحن هادئا ومُطَمْئنا- فيرى فيه الخراب والموت. تمتصّ عين الطفل هذا العماء الذي تراه وتخرجه دمعا أسود. فكلّ ما صوّره الشاعر من سواد عسى أن نراه ليس سوى دمعة طفل. ولن نبصر ما أبصر حتى نذرف هذه الدمعة التي تحتاج إلى ‘عين ثالثة’ و’قلب فيل إفريقي بالغ’.
أمّا أنت، إن حصل وأبصرت فلا تيأس من هذا السواد، ‘عليك أن تغيّر المكان لا أن تتوقّف عن البحث.
ستهتدي…
مثلما يهتدي صبيّ الناي بعد طول نشاز
وسترتوي مثلما ترتوي غزالة في الصحراء
فقط لا تيأس…’
فالحلم مع شاكر السياري كفّ عن كونه هروبا من المكان وتملّصا من الزمان. لأنّ هذا الحلم هو الآخر مستباح. حلم كلّه ليل، فشمسه مسروقة. حلم كلّه دم بعد أن هرّبوا إليه الأسلحة وصدّروا له الموت. لقد استحال الحلم في ‘النظر جنوبا’ كابوسا كما لو أنه الواقع الذي نحياه اليوم. قانونه قتل الإنسان ليحيا الإنسان. فيه فرص الحياة غير متكافئة ويُحكم للأنجع بالبقاء. أمّا البؤساء المستضعفون فلا حقّ لهم في الحياة بل حتى الحلم بالحياة صار ممنوعا. لذلك تحوّل الحلم في ‘النظر جنوبا’ حلما بالحلم.
لا مناص للشاعر من أن يحلم إذ لا أحد له أن يمنع الأمطار من النزول: (قصيدة مطر)
‘إنّها تمطر الآن… (حاولوا أن تمنعوا ذلك يا كهنة الإيليزي)’.
قد ينتهي بنا الأمر إلى أنّ الشاعر يحرّكه الفطري في الإنسان الذي يطلب كلّ ما هو ممنوع. غير أنّ النظر في هذا المرغوب المحلوم به لا يتركنا نطمئنّ إلى ما انتهينا إليه. ذلك أنّ هذه الرغبة متعدّية إلى الفعل: (قصيدة نحن بخير)
‘أيها السماسرة جميعا
نحن بخير،
سنكبر لنصبح شعراء’.
قصيدة شاكر السياري خلق متواصل، إنها ولادة دائمة. هو لا يعيد تشكيل العالم بقدر ما يتركه قابلا للتشكّل، فتكون الكتابة بداية متعدّية إلى بداية. هكذا هي النهاية في مجموعة ‘النظر جنوبا’ فــــ’مرحبا أيتها الذئاب…’

*شاعر من تونس

أنور اليزيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية