النّقـد والنّـقـاد: قراءة في واقع الكتابة النقدية في التجربة الإبداعية الليبية

حجم الخط
0

النّقـد والنّـقـاد: قراءة في واقع الكتابة النقدية في التجربة الإبداعية الليبية

رامز رمضان النويصريالنّقـد والنّـقـاد: قراءة في واقع الكتابة النقدية في التجربة الإبداعية الليبيةمنذ البداية أعترف بالمأزق الذي أضع فيه نفسي بدخول هذه الدائرة، كونها غير محددة المعالم، وملبدة الأجواء، فلو اعتبرنا أن منتصف الخمسينيات من القرن الماضي هي بداية حالة استقرار المجتمع الليبي بعد رحلة طويلة من العذاب والشقاء1، كان نتاجها صدور أول مجموعة قصصية (نفوس حائرة/ عبد القادر أبو هروس 1957)، وأيضاً أولي مجموعات الشعر الحديث (الحنين الظامئ/ علي الرقيعي 1957)، كما وشهدت الخمسينيات أهم أسئلة النقد الليبي علي صعيدي الشعر والقصة، ونقصد بهما: سؤال الشعر (هل لدينا شعراء) للكاتب خليفة التليسي ، وسؤال القصة (قصتنا بنت حرام) للكاتب كامل المقهور . قد أربك القارئ بسردي لهذه الحقائق، ولكني وجدت نفسي أستدعيها للتدليل علي أثر الاستقرار الذي لو اعتبرناه، فإننا نستطيع القول بأنه حتي اللحظة لم يتبلور مشروع نقدي ليبي، لا في شكل مشروع عام (طرح فكري/ تنظيري) أو في مشروع خاص (ممارس حقيقي للعمل النقدي). والسؤال المنطقي الذي يفرض نفسه: لمــاذا؟، لنقف عند علامة الاستفهام دون حراك، إذ الأهم هو الحصول علي الإجابة لتخطي انحناءة علامة الاستفهام الداخلية. الإجابة الصعبة المفقودة حتي اللحظة، التي في وجودها تتغير الكثير من الأشياء، وربما أمكننا إعادة قراءة المنتج الإبداعي، والإمساك بثيمات النص، وإنتاج هذه الحقائق في متن مستقل قادر علي كشف النص ومرجعياته. 2 في إجابته عن سؤال النقد الليبي، يقول الكاتب أحمد الفيتوري: (…، فالكثيرين يسِمون التجربة الإبداعية الليبية بعدم وجود شغل نقدي، وإن كنت أري أن هناك عملاً نقدياً، إلا أنه من الضمور، بسبب ما يخص التركيبة السياسية والاجتماعية التي تحاول تأكيد السائد، وإقصاء أي محاولة لتقديم فكر نقدي مغاير)2. وفي ختام اللقاء يجيب عن سؤال الواقع النقدي الليبي، يقول: (إبراهيم الكوني.. يلخص هذه العملية، بشكل مؤيد ومدهش ومكثف)3. وهو يشير إلي تراجع النقد عن تناول كتابات الروائي الليبي إبراهيم الكوني ، إلا من بعض الدراسات والبحوث الجامعية (أكاديمية) التي شهدتها السنوات الأخيرة4.لن يكون من السهل الإجابة علي سؤال (لماذا؟)، فالأمر أكثر من إجابتنا (لأن)، إن الإجابة تعني بحثاً في العقلية والتركيبة الاجتماعية الليبية، وهو بحث مُضنٍ لما يعتريه من مصاعب تمثلها العقلية والتركيبة ذاتها، أي أن المشكلة ذاتية قبل أن تكون مكتسبة، وسأحاول في البداية مناقشة جملة من النقاط أراها مهمة في البحث عن جواب شاف، قبل أن أعرض لبعض التجارب النقدية في عموم ما قدمت لا خصوصية طرحها. 3 ستكون الإجابة من خلال مناقشة بعض النقاط، التي يأتي في أولها:1 ـ فقد التراكم المعرفي والثقافي.ونعني بالتراكم المعرفي والثقافي كل ما يتعلق بالمعرفة والثقافة العربية من إنتاجٍ وتداول، إذ تثبت الحقائق أن العمق المعرفي والثقافي في ليبيا عمق ليس بالبعيد، وانه كان يخضع للواقع المفروض علي ليبيا5، فكلما تكونت في ليبيا مظاهر للعمران والنهضة الثقافية تعرضت البلاد لما يعيدها لمرحلة الصفر.ففي اللحظة التي عرفت فيها البلاد دخول المطابع وصدور الصحف بشكلٍ دوري (من هذه الصحف، طرابلس غرب /1866)6، وصدور أول ديوان شعري ليبي (عظة النفس/ مصطفي بن زكري /1892)، وتحقق في البلاد نوعٍ من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، جاء الغزو الإيطالي ليقود كل ما كان ويعود بالبلاد إلي النقطة الصفر، بالتالي حرم المجتمع من فرصة النهضة الثقافية، ليستمر هذا حتي خمسينيات القرن الماضي، وبالتالي كان لزاماً علي الثقافة الليبية أن تعيد جمع نفسها من جديد. وما تبقي من هذا التراث العربي هو:1 ـ مجموعة الكتب المحفوظة في الخزانات، وهي في الغالب خاصة، وبالتالي تظل معرفة خاصة بفرد.2 ـ كتب التراث الديني، وكانت تتداول في الزوايا والمدارس الدينية.وهو تراث غير قادر علي إنتاج معرفة عامة، مما انعكس سلباً علي المجتمع فتأكدت الثقافة الشعبية (الشعر الشعبي بشكلٍ خاص)، والنقل الشفهي (المرويات الشفهية)، إذ حال الوضع البائس للمواطن الليبي من نيل حقه في التعليم الذي اقتصر علي أهل المدن الخاضعة للاحتلال (ليس بشكلٍ كبير)، الأمر الذي أوجد فيما بعد فجوة بين المواطن المثقف/ المتعلم (الحائز علي قسط من التعليم) والمواطن العادي، ويمكننا القول أن المثقف انعزل في مرحلة قادمة وأنه مارس ثقافته بمعزل عن المجتمع، هذا الأثر استمر حتي لحظتنا هذه. ولعلنا نلمح هنا لسؤال التليسي الكبير (هل لدينا شعراء؟) إذ ألمح الأستاذ والكاتب خليفة التليسي لهذا الفـقر الثقافي وأثره في الشعر الذي توقف عند أغراض المدح والرثاء والمناسبات، حتي انه أشار لفقر الطبيعة لغلبة الصحراء علي المشهد، وهو يصف المشهد الشعري في ليبيا بكل تجرد ووضوح حتي يصف من يمارسون الشعر بـ(التشاعر) كونهم يتطفلون علي الشعر دون مرجعية تؤهلهم امتلاك أدواتهم القادرة علي تجاوز اللحظة، والقبض علي أثرها، وكذا النمو الروحي والفلسفي لإعادة النظر في الحياة.2 ـ طبيعة التلميذ.وهي نتيجة طبيعية لفقد المرجعية أو التراكم المعرفي القادر علي رفد التجربة الشخصية، لذا كان من الطبيعي البحث خارج الدائرة المحلية عن مثال يمكن الإفادة منه، فكان المشرق (الأستاذ العظيم)، الأستاذ القادر علي إشباع رغبة المعرفة، وسد الثغرة المعرفية. ونعترف ان هذا الأستاذ قدم الكثير لتجربتنا الإبداعية في ليبيا.ولقد أثر هذا الشرق بشكل كبير في التجارب الإبداعية، وكذا الحوار الثقافي الذي كان صديً لما يناقش من قضايا في المشرق، ولقد رصد هذا الأثر أكثر من كاتب، فها هو القاص والكاتب كامل المقهور يختصر القضية في عنوانه (قصتنا بنت حرام)، وعندما يشارك التليسي كتابة مقدم ديوان (الحنين الظامئ) للشاعر علي الرقيعي يقول: (ومع انعدام الماضي الثقافي اللصيق بالشعب إذ استثنينا الأجزال الشعبية وبعض الأغاني، ومع افتقاد جماهيرنا الشعبية لمن يعبر عن انتفاضاتها ووعيها النفسي الجديد، اتجه المتعلمون إلي الثقافات الشرقية التي ابتدأت ترد إليها بعد الاستقلال من مصر ولبنان بالذات…)7، ويضيف: (وكان لا بد أن تتعثر الثقافة الجديدة وهي تستمد خطوطها العريضة مقلدة ثقافات وحركات لها ماض، وكان لا بد أن تتعثر هذه الثقافة فتنحرف أحياناً نتيجة استيراد مبادئ خاطئة، أو مبادئ ومفاهيم لا تستقيم وواقعنا الحياتي…)8. كما ورصد هذا الأثر بشكلٍ مبكر الكاتب الراحل سليمان كشلاف في أكثر من موضوع، فهو مثلاً يعلق علي رواية (نافذة علي المطل الخلفي)، لكاتبها محمد سالم عجينة ـ رحمه الله ـ بقوله: (سيبرز لنا تأثير بدايات الرواية العربية في مصر، علي محمد سالم عجينة ، متمثلة في (الأيام) الرواية/السيرة الشخصية للأديب العظيم طه حسين ، وليتأكد لنا أكثر خسارتنا لمشروع روائي جيد كان له أن يستمر ويتطور، لولا أن وافاه الأجل)9.3 ـ فردانية التجربة.وربما كما قلتها ذات مرة (طابع الفردانية في التجربة الليبية)، وأقصد بها طابع الفردانية (من الفرد) الذي صبغ التجربة، حيث لم تعرف التجربة الليبية أياً من أشكال الجماعات الأدبية أو الثقافية، لا في شكل مجموعات أو مدارس ولا اتجاهات. هذا الطابع (صنو التجربة الليبية) هو نتاج طبيعي للتلمذة، فأنت لن تستطيع أن تفرض علي التلاميذ أن يكونوا نسخة عن أستاذهم، ولا أن يكون مستوي تلقيهم أو انتباههم واحداً، وبالتالي: (ليس من الشرط أن يجمعهم مستوي إدراكٍ معين (وهذا طبيعي)، ولا اتجاه واحد.. فالتجاور لا يعني وحدة التلاميذ تحت مسمي الفصل أو التلاميذ لهذا الفصل، فهذا الفصل مقسم إلي مقاعد يستقل بها التلاميذ، باتجاههم إلي الأستاذ ذاته.. ولعلنا نلاحظ بوضوح طبع العمل الفردي في الثقافة والأدب في ليبيا، بمعني أن الأمر ينسحب علي كل مجالات الإبداع، كلٌّ مستقل بنفسه عن التوجه والاتحاد.. فنري من يعمل كمؤسسة، ومن يعمل كموسوعة، ومن، ومن.. هذا الطبع عطل الكثير من المشاريع التي نسمع عنها ولا نراها، ونري الجزء منها دون الاكتمال، ونري المؤسسات الثقافية تـقـف وتتعطل في أشخاص.. وهذا جزء الشخصية الليبية، المتمثلة في الذات منفردة (ذاتها كشخص)، البعيدة عن قبول التوجه خارج نطاق وحدتها الصغيرة أو مجتمعها الكفيل (القبيلة)، الذي يتحول بهذه الذوات المنفردة ذاتاً منفردة)10. 4 ـ الوضع الاجتماعي والسياسي.نظراً لما عانته البلاد من اضطهاد، إذ بالقليل من الملاحظة ندرك أن ليبيا لم تعرف الاستقرار ـ كما أشرنا سابقاً ـ إلا من بداية الخمسينيات، وهو استقرار عرفت فيه البلاد الكثير من الحركات الجماعية بحثاً عن الاستقرار والعيش الهانئ11، لتأتي ثورة الفاتح في 1969 محققة الاستقرار للبلاد، وبحسبة سريعة ندرك أن تاريخ ليبيا الحديث يتعدي نصف القرن قليلاً (بمعني أن العمق التاريخي قريب)، هذه الطبيعة التي تكونت بها المدن أو المجتمعات المدنية أوجدت نوعاً من الانصراف عن الآخر (وهو الانصراف بالذات ـ كفرد ـ لتوفير هذه المتطلبات، وتحقيقها)12. بالتالي لم تـنـشئ في المجتمع ما يعرف بثقافة الحوار، والتي تعني التواطؤ الحادث بين طرفي الحوار بحيث يقبل كل طرف الآخر دون تجيـيرٍ للمواقف أو التعصب أو نبذٍ لرأي، باختصار ما نعني به قبول الآخر كشريك دون الاستقلال بالرأي والتعصب له. فالعقلية الليبية لا تحاور وتعمل علي تأكيد السائد، وتستنكر كل ما عداه، وهي عقلية تحكم الحياة الليبية متسربة في كل مجالاته الحياتية والعملية، ويمكننا قراءة هذا الانحياز الأرضي في هذا التعبير المستخدم كثيراً في مجموعات العمل (ما تمس شي، ما يطرأ شي)، والمعني: (أنك ما لم تتدخل في سير العمل بشيء، فلن يحدث طارئ أو شيء). 4 ولا يعني هذا انتـفاء النقد عن التجربة الإبداعية في ليبيا، بل العكس، فثمة أكثر من جهد نقدي يشاد به، لكن ما نعنيه هو الحضور الفعلي للنقد في التجربة الإبداعية، النقد بصفته اشتغال يرافق الإبداع ويدعمه (لا يخدمه كما يصف البعض)، إذ سيرقي النقد بالعمل الإبداعي ويرصد مفاتيحه، ويقف علي مناطقه الحارة، وبذلك يكون النقد إبداعاً موازياً. ذات أمسية شتائية ماطرة، دار نقاش حول ما كتبته عن تجربة شعر المحكية، إذ علق الشاعر محمد الدنقلي أنه رغم الجهد الواضح والمميز لهذا البحث، إلا أنه كان من الواجب البحث أكثر في خصوصية التجربة الشعرية، أو الدخول لتجربة شعر المحكية من الخلف، وجدت نفسي أعلق: (لا تنس أستاذ محمد أنا لست بناقد، وعادة ما أعنون ما أكتبه بـ(قراءة)، أخذنا الحديث عن النقد، فأعلق: (ألا تلاحظون معي أن تجاربنا النقدية في ليبيا لم يكتبها نقاد متخصصون، إنما كتبت من قبل ممارسين للنص الإبداعي).وهذه حقيقة، إذ يكشف تاريخ النقد في ليبيا (رغم قصره)، أن الممارسة النقدية كانت لشعراء وقصاصين دخلوا هذا المجال، أو مارسوا العمل علي النصوص بعد أن وقعت في نفوسهم (نذكر: خليفة التليسي ـ شاعر/ كامل المقهور ـ قاص/ علي مصطفي المصراتي ـ قاص/ سليمان كشلاف ـ قاص/ خالد زغبية ـ شاعر/ مفتاح العماري ـ شاعر/ محمد الفقيه صالح ـ شاعر/ سالم العوكلي ـ شاعر/ أحمد الفيتوري ـ مسرح، رواية/ منصور بوشناف ـ مسرح/ إدريس المسماري ـ شاعر/ حسين نصيب المالكي ـ قاص/ زياد علي ـ قاص/ منصور العجالي ـ شاعر/ نادرة عويتي ـ قاصة/ حواء القمودي ـ شاعرة/ سميرة البوزيدي ـ شاعرة/وغيرهم) ونلاحظ أن الغالبية من الشعراء، هذه القراءات تميزت بالتالي:1 ـ خضوع هذه القراءات للذائقة الشخصية، بمعني أنها تتفاوت من متنٍ إلي آخر، بالدرجة التي وقع فيها النص من نفس القارئ/المتلقي (ففي النهاية هي لحظة تلقي النص)، هذا بالتالي يشير إلي: ـ الانطباعية التي تمارس بها الكتابة. ـ الرصيد المعرفي للدخول للنص، وأيضاً القادر علي ترجمة الانطباع إلي وحدات لغوية راصدة.2 ـ الاتكاء علي عناوين تجنيسية من قبيل (قراءة) للهروب من مأزق الكتابة النقدية (المتخصصة)، فالممارس لهذا العمل يدرك أنه لا يجيد العمل النقدي المحترف.3 ـ خلو هذه الكتابات من منهج نقدي يحكمها، بمعني أن هذه الكتابات تخضع لترتيب الممارس لا ضرورات المنهج، لذا لم يكن من السهل أن يتم تبني منهج نقدي محدد، إنما تحدد العمل لما تمكنه الحصيلة المعرفية للكاتب.لكن نلاحظ أنه ثمة من انتصر فيه العمل النقدي علي عمله الإبداعي، فصار يعرف كناقد أكثر منه ممارساً للعمل الإبداعي، فأخذ العمل النقدي الأستاذ سليمان كشلاف بعيداً عن القصة، وكذا الأستاذ أحمد الفيتوري الذي تفرغ للنقد بعد تجربة مع الكتابة المسرحية. كما وكتبت في النقد بعض الأسماء التي لم تتميز أو لم تختص بكتابة جنس إبداعي معين، وإن أبدعت في جنس، كـ:صادق النيهوم/ نجم الدين غالب الكيب/ أمين مازن/ د. الصيد أبو ديب/ نورالدين الماقني/ فوزي البشتي.ولقد شهدت أواخر التسعينيات عملاً نقدياً مميزاً في مجموعة من الأسماء النقدية الممارسة للعمل النقدي بشكلٍ محترف، وهم مجموعة رأت في النقد نصاً موازياً للنص الإبداعي، فقدمت هذه الأسماء مجموعة من الكتابات النقدية المهمة، والتي تميزت:? ـ اعتماد هذه الكتابات علي منهج نقدي محدد في تنظيره، ولقد اعتمدت هذه الكتابات علي التنظيرات الحديثة للنص.? ـ الانحياز للنص، وهي غاية تخدم التنظير.? ـ العمل بشكل أكثر حرفية، ناحية تفكيك وحدات النص، والعمل علي الأجزاء.من هذه الأسماء نذكر: محمد المالكي/ محمد الترهوني/ عبد الحكيم المالكي.. وما يلاحظ علي الكتابات النقدية الحديثة في ليبيا (نعني الألفية الجديدة)، أنها كتابات لا تتعلق بالنص فقط، إنما تناولت الكثير من الموضوعات الخارجة عن الإبداع في محاولة منها لمناقشة الفكر، والطروحات الفكرية للمجتمع والدولة، وهنا نذكر كتابات الناقد أحمد الفيتوري ، و الناقد الشاب عز الدين اللواج .سائل: لكن ما الذي دفع بهؤلاء لكتابة النقد، وهم كما تقول، يمارسون كتابة النص؟ ـ أولي هذه الأسباب، هي محاولة سد الفراغ الحادث في العمل الإبداعي، وكون البعض كان علي اطلاع بشكلٍ أو بآخر علي ما قدم من جهود نقدية عربية وعالمية، فإنهم في إعادة تمريرهم لقراءاتهم من خلال هذه المعارف، كان أن تكونت مجموعة من الالتقاطات والأسئلة، فلم يكن من سبب يمنع طرحها وتقديمها من باب الإجابة. ـ ثانيها، هو رغبة تحول الشفاهي إلي موجود. فطابع المشافهة الذي يسود المناخ الثقافي في ليبيا المعتمد علي التعليقات المصاحبة للمناشط الثقافية، أو القراءات الخاصة، كان يوجب أن تتحول هذه المحاورات إلي متن مكتوب.وأستطيع الزعم أن ما نسبته 70% من شعراء ليبيا مارسوا العمل النقدي، بينما ما نسبته 30% من كتاب السرديات مارسوا النقد. بل إن بعض الشعراء ممن مارس الكتابة النقدية كتب في القصة والرواية. ـ أما ثالث هذه الأسباب وآخرها، الطابع الشمولي في الثقافة العربية، وهو طبع يعود للعصامية التي قامت عليها الثقافة العربية في رموزها الإبداعية، وهو صنو التجربة في ليبيا، فالمثقف الليبي نشأ عصامياً منفصلاً، فكان من الطبيعي أن يحاول الإحاطة بكل ما حوله، وأن يمارس ما يمكنه من أجناس إبداعية، وأنماط تعبيرية أخري، فالتجربة الإبداعية الليبية تعرف الكثير ممن يكتب الشعر والقصة، أو الشعر والرواية، أو الشعر بشقيه الفصيح والعامي، وإن نظرة عجلي للصفحات الثقافية في الصحف والمجلات الليبية تكشف نسبة مساهمة الكتاب في مادة هذه الملفات النثرية من: مقالة، ونقد، وتعليق، وترجمة، وغيرها، في الملف الثقافي لصحيفة (الجماهيرية) مثلاً وصلت نسبة مساهمة الكتاب (من كتاب شعر وقصة) إلي 90% من مادة العدد يشكل الشعراء النسبة الأعلي. 5 السؤال المفترض الآن: هل استطاعت هذه الكتابات النقدية أن تقدم شيئاً؟بكل راحة أقول: نعم.وهنا أفترض أن يعلق السائل: إلي أي مدي؟أجيب: بنسبة 100%.أري الاستغراب بادياً في وجه السائل: كيف؟أجيب: قياساً لعمر التجربة والكم المنتج في هذه التجربة (بالنسبة للزمن)، فإن ما قدم من نتاج قياساً لما قدمناه من ظروف يكون 100%، العملية نسبية، فالأسئلة النقدية طرحت منذ فترة طويلة، فشاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي يكتب في مجلة (ليبيا المصورة)13 مقالة بعنوان (المتجبرنون 1937) ناقداً فيها أسلوب جبران خليل جبران في تلاميذه المحليين، هذا المقال في رأيي حقق نجاحه في مستويين: الأول/ كونه رصد تأثر مجموعة من الكتاب بأسلوب جبران ، وبالتالي توجه مباشرة إلي نقد هذه التجربة في مكوناتها (المكون المعرفي). الثاني/ أنه قدم ما يمكن أن نسميه مقابلاً إبداعياً، بأن طرح المدرسة الشرقية كبديل (يقصد شعراء مصر).إن النتاج النقدي المقدم، سواء المطبوع في كتب، أو الموزع في الصحف والمجلات والدوريات، يقدم متناً جيداً، وقادراً علي تقديم صورة عامة وقريبة من التجربة الإبداعية الليبية. أسأل نفسي: لماذا قلت صورة عامة وقريبة؟، لماذا لم أقل مثلاً: صورة التجربة الإبداعية؟. الحقيقة التي تفرض نفسها أن هذا النتاج يشكو من بعض الإشكالات:1 ـ أولي هذه الإشكالات الانعزال والاستقلال/ فهذه الكتابات النقدية هي كتابات معزولة عن بعضها ومستقلة بما قدمت، بمعني أن هذه النصوص لم تخلق تراتبية فيما بينها ولم تستفد من بعضها، أي أن مبدأ التواطؤ لم يجمع فيما بينها لخلق حوارٍ منتج.فلو نظرنا مثلاً لما قدمه مفتاح العماري في كتابه (فعل القراءة والتأويل) ورصده للتجربة الشعرية في ليبيا، لوجدناه يتقاطع وما قدمه إدريس المسماري في كتابه (حدود القراءة)، وما قدمه أحمد الفيتوري في كتابه (قصيدة الجنود). تلتقي هذه الكتابات في رصدها للبدايات واللحظات الحرجة في مسيرة الشعرية الليبية، وكذا تخلص لذات النتائج، وكأن كُلاً منهم يسعي لكتابة مسيرة التجربة من وجهة نظره، وإن كنت أري أن هذه التجربة لا تحتمل وجهات النظر الكثيرة.2 ـ ثانيها، النظر من الخارج/ فهذه الكتابات حتي وهي تتبع مسيرة التجربة الإبداعية لم تعمل علي النصوص، بمعني أنها أقصت النص كشاهد، مكتفية بحضوره كصورة، بمعني أن النص يطرح كصورة للمرحلة، لا كشاهد يمكن استجوابه والغوص فيما يملكه من شهادة. واستخدمت مفردة الصورة، كون النص النقدي لا يحاول استثارة الشاهر إنما يكتفي منه بما يقول فقط، فلا يقف عند دقائقه أو تفصيلات القول إلا في مجرد التعليقات، عند استخدام المفردات أو إعادة إنتاج الصور. ومن الدراسات الشعرية المهمة في هذا الصدد، دراسة الكاتب خليفة التليسي حول شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي الصادة في 1965، ويكاد يكون هذا العمل الوحيد الذي تناول شاعراً ليبيا بهذا القدر من الجهد والعمل، فكأننا نلمس قلة صبر ومثابرة الكتابات النقدية عن تقديم نماذج تحليلية لما قدمته من طرح.3 ـ الانطباعية/ وهي ثالث إشكالات الكتابات النقدية، فهذه الكتابات تخضع لذائقة الناقد لا منهجه، وبالتالي فإن هذه الكتابات لا تخضع لأي منهج نقدي أو تنظيري (باستثناء الدراسات الأكاديمية، وبعض الجهود الحالية)، فهي لا تتعامل مع النصوص بذات القدر من الانحياز الذي يتطلبه العمل النقدي14، إنما يظهر الانحياز بكل وضوح، في الانتقائية التي يتعامل بها الكاتب مع النتاج المطروح. وهذا يعيدنا لما قلته سابقاً من أن هؤلاء النقاد هم كتاب نص غير متفرغين للعمل النقدي، بالتالي يقعون كمتلقين في مطب الإعجاب والانبهار بالنص. 6 ماذا بعد.. حتي لا يطول بنا حبل الكلام، فنضيع، أفضل التوقف هنا، خالصاً: أن الجهد النقدي المقدم والموازي للتجربة الإبداعية في ليبيا، هو جهد نقدي مميز في مادته (كمتن)، استطاع رغم كل شيء من الاقتراب من النص، وأنه استطاع رصد لحظات التجربة الإبداعية المهمة وكشف مناطق السخونة فيها، وهو وإن عاني من قصور، إنما قصور المحاولة، التي تعقبها خطوات أكثر وأكثر، وسيكون للغد رأي آخر، خاصة وأن بعض الدراسات الأكاديمية15 التي تتناول التجربة الإبداعية في ليبيا صدرت في السنتين الأخيرتين، وهي تساهم بقوة في رفد التجربة. وأجد نفسي أختم بهذا المقطع للشاعر الليبي عاشور الطويبي :فالسماء مكتنِزة بالنجوم..بعضها مُبهِر.. بعضها باهشأرقب الـمشهد العظيم……..أحاول أن أفهم..لكن هذا لا يتأتـَّي فـي اتكاءةٍ واحدة ہ شاعر وكاتب من ليبياهوامش:1 ـ دخل الإيطاليون إلي ليبيا في تشرين الاول (أكتوبر) ـ 1911، واستمروا بها حتي هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية، إذ خضعت البلاد للبريطانيين. ولا ننسي ما تعرضت له البلاد من قبل تحت الحكم العثماني.2 ـ (إبراهيم الكوني يلخص العملية النقدية في ليبيا/ حوار مع الناقد أحمد الفيتوري / حاوره: رامز النويصري) صحيفة الجماهيرية ـ العدد :4123 ـ التاريخ: 9 ـ 10/10/2003.3 ـ المصدر السابق.4 ـ نشير إلي أن بعض هذه الدراسات فاز بفرصة النشر، أما الأكثر فيظل حبيس المكتبات الجامعية رغم توصيات النشر التي تلحق إجازات هذه البحوث.5 ـ نعني بليبيا الكيان والإقليم المحدد جغرافياً بالحدود والمظاهر الطوبوغرافية.6 ـ أما أولي الصحف الخاصة فهي (الترقي) لصاحبها محمد البوصيري سنة 1897.7 ـ علي الرقيعي (الحنين الظامئ) منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ـ طرابلس/1979/ ص 22.8 ـ المصدر السابق ـ ص 23.9 ـ 5 ـ سليمان سالم كشلاف (الشمس وحد السكين.. مقالات في الأدب) الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان ـ مصراتة/7 ـ 1998.10 ـ رامز رمضان النويصري (مقال: في مصطلح الجيل) صحيفة الجماهيرية ـ العدد :4466 ـ 19 ـ 20/11/2004 ـ ص 13.11 ـ عرفت هذه الفترة انتقال الكثير من الغرب إلي الشرق، وبالعكس، وأيضاً اتجاه الكثير للمدن خاصة طرابلس وبنغازي بشكلٍ خاص، لتأتي من بعد مرحلة النفط في ستينيات القرن الماضي ليترك الكثير قراهم ونجوعهم باتجاه الذهب الأسود.12 ـ رامز رمضان النويصري (مقال: في مصطلح الجيل والمجايلة) صحيفة الجماهيرية ـ العدد :4472 ـ 26 ـ 27/11/2004 ـ ص 13.13 ـ لم أتمكن من الاطلاع علي هذا المقال، وما أورده في هنا هو ما تناولته بعض الكتابات.14 ـ لا أستطيع أن أبرئ نفسي من الوقوع في هذه الدائرة، فيما قدمته من قراءات وكتابات نقدية.15 ـ رغم ما تتمتع به هذا الدراسات من طابع أكاديمي، إلا أنها في منهجها تقدم نوعاً من الحياد، والقراءة العميقة للنص والتجربة في عمومها.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية