ليس مستغرباً إذا قلنا إنّ الناقد ليس جلاداً، وفي الوقت نفسه ليس حَكَماً، وهو يخضع النصوص الأدبية لمشرط النقد ومبضعه بحرفية ومهنية عالية، لكن المستغرب أن لا يكون الناقد متنازلاً عن حكميته وتقديريته، وفي الوقت ذاته يكون مؤدياً لوظيفة الإخضاع، لا بمعنى اتخاذ الانفتاح مبدأ؛ بل بمعنى امتلاك السطوة والنفوذ والاستحواذ والهيمنة مبدأً وعملاً.
ولعل هذا ما يتجسد بشكل أكثر غوراً في نفر من النقاد والكتّاب من ممارسي النقد النسوي، الذين قد يبدون مناصرين للكتابة النسوية عموماً وللأدب النسوي تحديداً، مؤيدين لهما رافعين شعارات النسوية والتعددية والتنوع والتصالح. وكثيرة هي الكتب النقدية التي حاول أصحابها دراسة الأدب النسوي والخوض في حيثياته، غير أنّ القليل من ذلك الكثير تم التأشير فيه على نواح تستحق الوقوف عند فروضه وتستدعي دراسة براهينه ومحصلاته، تيقناً من صحة ما تم افتراضه نظرياً وتوثقاً من مديات ما طُبّق منه إجرائيا ودقة الاستنتاجات التي تم تحصيلها آخرا.
ولعل المسألة تغدو أكثر جلاء حين يكون الناقد رجلا والمنقود امرأة، لأن نسبة تأدية تلك المهمة ستكون رهنا بمقدار إدراك الناقد للوظائفية النقدية تجاه الآخر. فلا يمارس نقده من منطلق السطوة ليكون الإقصاء أحد أهم عناوين النص المنقود. ولا يعني هذا أن الناقد إذا كان امرأة والمنقود امرأة فإن نسبة تأدية تلك المهمة ستتقلص أو تختفي إلى حدود دنيا؛ بل المقصود هو مقدار انشداد الناقد رجلا كان أو امرأة إلى الحاضنة المركزية الذكورية. وتتحدد على وفق ذلك الانشداد نسبة إنتاج نصوص نقدية تنظر إلى المرأة موضوعا أو ذاتا أو تنظر لها قيمة ومركزا، وبهذا التصور الرؤيوي يتحدد دور الناقد. فأما أن يكون منضويا تحت لواء الحاضنة الأبوية، ومن ثم تكون الكينونة الأنثوية مغيبة في الآخر وهذا مكانه النقد الذكوري، وأما أن يكون متحررا من مركزية الحاضنة ناظرا للمرأة كيانا وفاعلا غير مغيب في الآخر وهذا مكانه النقد النسوي.
وقد يسعى النقاد إلى توظيف إمكاناتهم المتاحة في هذا السبيل بناء على مقصدية معلنة وأخرى مغيبة، الأولى تشتغل في الظاهر والأخرى تعمل في الخفاء. الأولى تتجلى ببساطة كونها غير آمنة العواقب، والأخرى لا تتجلى إلا عبر الإمعان والتأمل واستفاضة النظر ومقاومة التبسيط الذي تستدعيه المقصدية الأولى. وقد وجدت نظريات النسوية والأنثوية والأنوثة والجندر وغيرها مرتعها الخصب في النقد الثقافي، الذي انبثق في مرحلة الانفتاح ما بعد الكولونيالي تحت باب التحرر والمساواة والانعتاق، التي هي موضوعات أثيرة للنسوية كنظريات وحركات واستراتيجيات؛ بيد أنها ليست بذراً لعقدة التفريق والانقسام بين كينونتين إنسانيتين، شهدتا مغالبة وتسيدا واستبدادا لإحداهما على الأخرى، بل لأنها موضوعات تريد الانتصار للمرأة عبر إعادتها إلى وضعها الحقيقي، الذي يتناسب مع تكوينها وطبائعها ويتواءم مع الآخر/الرجل، لكي يؤديا المهمة الأساسية، وهي إدامة الحياة بالتجدد والنماء.
ويحتّم التصدي للأدب النسوي وممارسة الكتابة والنقد النسويين التحلي بمرجعيات ابستمولوجية وخلفيات شاملة مستمدة من مختلف التيارات والرؤى والمعطيات والأدبيات الإنسانية المندرجة تحت مختلف حقول المعرفة الإنسانية.
الكتابة وحدها هي ما يبقى أمام النسوية دائما، كأداة أولى تستعملها سلاحا فعالا في قول كلمتها وإثبات هويتها، كاشفة عن وعي تنويري سيبزغ مناصفا الوعي الذكوري الحضور والهيمنة
ولا غرو في أن امتلاك مثل هذه المرجعيات سيزود المتصدي للنسوية بالأدوات التي بها سيكتشف المغيب، ويضع يده على المخبأ والمستور بمجسات تبدد العتمة، وتحفر في الأقبية وتزيل الحجاب جاعلة المحجوب واضحا وجليا.
والتزود بالمرجعيات والأدوات هو الذي يحرر النسوية ويجعلها مستعيدة ذلك الحس الفطري، الذي فيه النفس الإنسانية كلية واحدة فاعلة ومتفاعلة. وعند ذاك ستتمكن النسوية من ولوج ما كان عسيرا وتصحيح مسار كان معوجا، جاعلة المرأى مشاهدا على حقيقته بألوانه وحجومه ومساحاته بلا تضبيب ولا سراب.
ووفق التوصيف أعلاه تأتي النصوص النقدية، إما بمعطيات تندرج تحت عباءة الأبوية لتكون الكتابة استعلاءً، وإما بمعطيات خارجة عن تلك العباءة، فتغدو الكتابة تنازلا عن معطيات كانت قد ارتضتها الذكورية لتستبدلها بمعطيات أخرى لا ترتضيها لأنها لم تؤسس لها. وهذا الافتراض الأخير هو الذي يسمح بوجود نقاد نسويين بغيتهم الممارسة المبنية على نظريات الأدب النسوي، محاولين كشف انساق غابت واختفت في ظل استبداد الحاضنة الفحولية الموغلة في القدم، وناشدين الانتصار للمرأة لا مجاملة أو تحببا، بل مناصرة للمنطق، ومجادلة بالدلائل والحجج التي قد تكون كفيلة باستكناه أصول منهجية نقدية تتيح عقد المقابلات وتحدد الثنائيات وتمحو الملابسات لتنكشف حقيقة ما هو مخبأ في تاريخ النسوية إبداعيا وإنسانيا.
ولعل من أولى تجليات هذا التنازل عن الفهم الذكوري هو التحديد الاصطلاحي لفحوى مفاهيم النسوية والأنثوية والأنوثة والجندر وأدب المرأة وتمييز الحدود الشاسعة الفاصلة بين هذه التسميات، التي إذا ما خلط بينها الدارس أو الناقد انتفت غائيتها وتبددت حتميات الخوض فيها.
ومن المبدئيات التي ينبغي أن يقرَّ بها الناقد النسوي التشبع بالنظريات النسوية، مع التصدي الشجاع للأدب النسوي والكتابة النسوية، بحثا عن المضمر واستدراجا للمختبئ ورفضا لكل ما هو ثابت وعلني، وتثويرا لما هو مؤصل ودوغماطي، وليس لذلك سبيل سوى بالقلب والدحض والنقض والانتفاء، الذي قد يطال الشخصية الذكورية نفسها، ويسفه أحلامها وآمالها في الهيمنة والاستعلاء، وقد يشكك في فاعليتها والمديات الزمنية المقبلة التي ستستطيع بها أن تثبت قدرتها على رفع لواء الاستبداد، وقد يصدمها أن بدت مدياتها ليست من الارتكاز الذي يجعلها متفائلة أو مزهوة.
وقد تبنى فلاسفة ومفكرون غربيون هذه المبدئيات متمتعين بروح الإيثار فانقلبوا على مؤسستهم العتيدة في سبيل إعلاء شأن المؤنث، فقوضوا وفككوا ودحضوا، وفي مقدمة هؤلاء جاك دريدا وجوليا كرستيفيا وميشيل فوكو. وعربيا كان للناقد عبد الله الغذامي مشروع ثقافي رائد اشتغل فيه بشجاعة وثقة، مراهنا على فاعلية النسوية في عالم الكتابة والإبداع، فوضع اتجاهات جديدة ووظف بعض مفاهيم نظريات النسوية، مؤثرا في نفر آخرين من النقاد والكتّاب العرب، الذين أخذ عددهم يتزايد يوما بعد يوم.
وإذا كان الفضل في كل هذا التنوير والتثوير والانشقاق عائدا إلى الغرب وحركاته الليبرالية والتحررية، وبعض تلك الحركات قادتها نسوة واعيات أحسسن بأن حقوقهن تسلب منهن، وأنهن بحاجة إلى أن يثبتن حضورهن ويؤكدن دورهن اللاعادي في الحياة؛ فإن النسوية العربية في ظل المنظومة الثقافية الذكورية، ليس لها مجال مماثل به تستطيع إبداء آرائها أو إعلاء صوتها. لأن المؤسسة الذكورية بمفاصلها كلها وبتاريخها الموغل وبهيمنتها المستبدة كممت النسوية، وحاصرتها في إطار من محظورات لا يجوز تخطيها أو التمادي في التجاوز عليها.. ليكون المآل موجعا والنصيب المتحقق قاسيا، ولاسيما ذلك الألم الذي عانته المرأة المطالبة بحرية الفكر التي كان حجم تضحياتها في سجون الديكتاتوريات والأنظمة المستبدة كبيرا وفادحا ومع ذلك ظلت مدافعة عن كلمتها وماضية في طريقها باتجاه الإصلاح والتحرر.
بيد أن الكتابة وحدها هي ما يبقى أمام النسوية دائما، كأداة أولى تستعملها سلاحا فعالا في قول كلمتها وإثبات هويتها، كاشفة عن وعي تنويري سيبزغ مناصفا الوعي الذكوري الحضور والهيمنة، مواصلا نهج تلك الدعوات العلمية والنزعات النهضوية والتحديثية التي مثلتها رائدات عربيات مثل مي زيادة وهدى الشعراوي وعائشة عبد الرحمن ونازك الملائكة وسهير القلماوي ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهن كثير، ممن عبَّرن عن المرأة أدبياً ونقدياً بوصفها هي الكيان والهوية وليست مجرد موضوع وقضية.
٭ كاتبة عراقية