عادة ما تكون النصوص الموازية مفعمة بالدلالات، بدءا بالعنوان مرورا بالإهداءات والاقتباسات. وهي أمور تدخل ضمن الاختيارات الجمالية لأي كاتب كيفما كان. وبصيغة أوضح، فإن توظيفها ليس ترفا، بل إنها تقدم صورة مصغرة عن الكتاب في أفق ولوج محتواه.
ولعل هذه الأمارات تشي منذ الوهلة الأولى بأن كتاب «محكيات طالب جنوبي» للكاتب عبد الصادق السراوي يعلن عن رغبته في تصوير حياة الطالب الجامعي، بأفراحها وأتراحها، وبتفاصيلها الدقيقة في لغة تمزج بين التخييل والمباشرة ـ إن صح التعبير ـ يعرض المؤلف في محكياته تجارب ثلاث سنوات من المرحلة الجامعية. العمل مهدى إلى القاضي عياض، ولو أردنا أن نكون أكثر دقة لقلنا إنه مهدى إلى الطلبة تعميما.
الذاكرة والتفاصيل الحياتية
بعد التلميح إلى الصور الذهنية حول الجامعة والطالب الجامعي، يصادفنا تضمين الكاتب لاقتباس دال يعود لأحد أعمدة الأدب المغربي، هو الروائي والناقد المغربي محمد برادة.
وتقول بداية هذا الاقتباس: «الذاكرة ليست معطى خالصا، ولا يمكن فصلها عن التخييل ولا عن القيمة المضافة»، وهو اقتباس يوحي بأن الكتابة تعميما هي استدعاء للذاكرة والتخييل عندما يعوزنا الواقع، إنها وإن كانت تأخذ من الواقع فإنها تتجاوزه في الوقت ذاته، تتجاوزه بجرعات التخييل التي يبثها المبدع في أعماله.
بعد الاقتباس يحكي الكاتب تفاصيل رحلة الذهاب إلى الجامعة؛ التي كللت بالوصول إلى مراكش، وذلك الهوس بالمكان الذي لا شك أنه رافق كل واحد منا وقت ارتياده للجامعة أول مرة، وأمام هذا الانوجاد في مراكش، نجد أن صاحب المحكيات سرعان ما يأخذه الحنين إلى سنوات خلت، منها سنوات السلك الإعدادي والثانوي، وما رافق ذلك من آلام وآمال مؤجلة تظل هاجس أبناء الجنوب الشرقي على وجه العموم.
وعبر تقنية الاسترجاع، يعاود الكاتب حكي تجربة العشق الأول، أو بالأحرى تجارب العشق الأولى، وتفاصيل ما بعد المحاضرات، وما يرافقها من استعدادات، لينتقل بنا إلى تجارب أخرى موغلة في الدلالة، بدءا بالتجربة مع جمعية تنتقص من الشعبة التي ينتمي إليها الكاتب، مرورا بتجربة العمى المفترض الذي ألم به في فاتحة حلم، وانتهاء بتجارب الحزن المرافقة للطالب الجامعي على وجه العموم.
فالحزن له هالته الخاصة، فعلى الرغم من عابريته فإنه يغدو في أحيان كثيرة محفزا رئيسا للكتابة. ثم لا ننسى تجربة السفر التي نقرِأها في نصوص عديدة كنص «حكاية مبتورة»، «العودة»، «مدينة التناقض» و«العيش بين ضفتين».
تلك التفاصيل الدقيقة المبثوتة في المحكيات لها رمزيتها الخاصة. ومن ثمة، يغدو قلم الكاتب أشبه بكاميرا تلتقط صورا منتقاة من رحم ذلك المجموع الذي يعج بتناقضات صارخة.
شيء من تلك التفاصيل نجدها في نص «طقطقة حذاء» ونص «أمي مباركة»، علاوة على بعض النصوص الأخرى التي تؤرخ لتلك اللقاءات العابرة مع متسكعين وحمقى. وبإيجاز، فلو أردنا أن نختصر محتوى الكتاب لقرأنا النص الأخير «أما قبل» الذي يعاود فيها الكاتب بتكثيف لافت للانتباه مجموع التجارب والثلاث سنوات التي قضاها في رحاب تلك الكلية، بأفراحها وأتراحها، بآمالها وآلامها.
عبر تقنية الاسترجاع، يعاود الكاتب حكي تجربة العشق الأول، أو بالأحرى تجارب العشق الأولى، وتفاصيل ما بعد المحاضرات، وما يرافقها من استعدادات، لينتقل بنا إلى تجارب أخرى موغلة في الدلالة.
الانتصار للهامش
تنتصر «محكيات طالب جنوبي» منذ الوهلة الأولى للهامش باعتباره نقيضا للمركز، والهامش في السياق الذي نبتغيه يتصل بالمكان والإنسان على حد سواء.
ولعل أول إشارة يصادفها القارئ هي العنوان باعتباره عتبة نصية دالة. وهنا ينفعنا المثل الشعبي المغربي القائل «أخبار الدار على باب الدار» في فهم أهمية العنوان ضمن مجموع الكتاب، وبالمثل، أي ارتباطا بالمثل الشعبي، لا يمكن للباب أن يكون بدون عتبة تسلمنا هي الأخرى إلى البيت.
والعنوان إذن يعطي صورة مصغرة عن الكتاب ومحتواه، وتأسيسا على ذلك، تسترعي انتباهنا لفظة «جنوبي» الواردة فيه، وهي هنا ترتبط عموما بالجنوب الشرقي المنسي، الذي يعد الكاتب أحد طلبته، أو إن شئتم أحد أبنائه.
إن لفظة «الجنوب» إحالة إلى هذا الإنسان الجنوبي الذي بدأ يطفو على السطح، مكسرا تلك الثنائيات المجحفة التي ارتبطت أيضا بمواقع القوة والضعف، فحتى وقت معين لم نكن نسمع بكتاب من الجنوب الشرقي تخصيصا، ولكن في الآونة الأخيرة خلخلت المعادلة، وصرنا نسمع هاته الأصوات المنسية التي ترتبط أيضا بالمدينة باعتبارها في متخيل الكثيرين هامشا، في مقابل مدن أخرى مركزية، يمكن أن نطلق عليها مدن المركز.
وبالتالي، يعد كتاب محكيات طالب جنوبي إضافة نوعية ونوعا من رد الاعتبار للمكان والإنسان على حد سواء. وإذا استرسلنا في الكتاب نجده أيضا مضمنا بمجموعة من الأشياء التي تحيل على النسق الذي يعيش فيه الكاتب. بمعنى أنها تصبح ذات سلطة رمزية من جهة، وذات سلطة معرفية من جهة ثانية، إذ تفرض على القارئ معاودة الرجوع إلى نسق الكاتب لفهم معجمه الذي يوظفه، والذي قد يبدو للقارئ أنه اعتباطي ومجاني.
وأستحضر هنا عملا مشابها من حيث احتفائه بالأشياء، وهو رواية «بدو على الحافة» للروائي عبد العزيز الراشدي، إذ نجدها منذ بدايتها وحتى نهايتها تحتفي بأشياء تحيل على الجنوب الشرقي مثل: الخوابي/ القصر القديم/ الكمية/ الدفوف/ الدكانات..إلخ.
من جهة أخرى، ومن علامات إعادة الاعتبار للهامش، تلك الصورة التي نجدها على ظهر الغلاف والتي ترمز إلى منطقة من مناطق هذه المدينة المنسية، وقد وفق الكاتب في اختيارها لتكون ملائمة مع العنوان ومضمون الكتاب.
توثيق التجربة
يعد كتاب محكيات طالب جنوبي وثيقة دالة على جزء مما يعتمل في أسوار الجامعات المغربية ـــ تعميما ـــ وجامعة القاضي عياض ـــ تخصيصا ـــ باعتبارها مسرحا لتجارب ثلاث سنوات عاشها الكاتب وارتأى الكتابة عنها بلغة تخييلية وأخرى مباشرة، ولعل هذا التنويع اللغوي، وأيضا التنويع حتى في الضمير المستخدم في الحكي المتأرجح بين ضمير المتكلم، وهو المهيمن، وضمير المخاطب، يتناسب مع طبيعة العمل الذي تم تجنيسه بـ«محكيات» التي تقترب بشكل أو بآخر من السيرة الذاتية، وهو ما تعكسه التواريخ والشهور التي ذيلت بها مع معظم نصوص الكتاب. إن «المحكيات» تتسع لهذا العمل الذي يغلب عليه الوصف والاسترسال والتأريخ والتوثيق الموغل في الدلالة، إنها كما أشرت وثيقة دالة على فترة مفصلية في مسار الكاتب.
٭ باحث من المغرب