الهتّافون في التلفزيون.. وقناة لترويج الإرهاب .. وبرنامج لمحاربته!
الطاهر الطويلالهتّافون في التلفزيون.. وقناة لترويج الإرهاب .. وبرنامج لمحاربته!برنامج مباشر في التلفزيون المغربي الرسمي، ابتكر بدعة (وكل بدعة ضلالة)، تتمثل في أن صاحبه يترك للضيف الذي عادة ما يكون شخصية سياسية من عيار ثقيل (ثقيل في الوزن، أو ثقيل في القيمة، أو ثقيل علي النفس) صلاحية اختيار الجمهور الذي يحضر في البلاتو ، ويشكل خلفية لجلسة الحوار، أو بمعني آخر يشكل ديكورا بشريا .إننا نتحدث هنا عن البرنامج الشهير حوار لصاحبه الأشهر مصطفي العلوي. يبدو أن هذا الأخير يريد أن يقول لضيفه الذي يحاوره (وفي العادة يكون وزيرا أو زعيما حزبيا): ها أنت تراني منصفا تجاهك ومتوازنا في التعامل معك. أنا أستدعي ثلاثة صحافيين ليساعدوني في إمطارك بالأسئلة المحرجة، ويحاصرونك من كل حدب وصوب… وفي المقابل، أنت تستدعي أصدقاءك وزملاءك في العمل وعائلتك السياسية وأصهارك وأتباعك وتابعي تابعيك، ليؤازروك ويشجعوك ويكونوا سندا لك. صحيح أنني لا أعطيهم فرصة الكلام للدفاع عنك إذا وقعتَ في مأزق، أو تأييدك في أجوبتك، ولكنني أوصي المصورين التلفزيونيين خيرا بك. إذ يركّزون ـ من حين لآخر ـ الكاميرات علي ضيوفك ليرصدوا حركاتهم وسكناتهم. فمرة يظهرون معبّسين (من فعل عبس) مقطّبي الوجوه، حين يُطرَح عليك سؤال جريء ومحرج أو غير لائق باعتقادهم، وقد يزيدون بعض الشيء، فيشرعون في الهمهمة تعبيرا عن عدم الرضا. ومرة أخري، تعلو الفرحة محياهم، فيبدون سعيدين مبتهجين حين تقوم أنت ـ سيدي ضيف البرنامج ـ بإفحام صاحب السؤال (الذي قد يكون أنا أو أحد الصحافيين الموجودين معي) بجواب قوي عميق يدل علي نباهتك ودهائك السياسي. حينها، لا يتورع الجمهور المساند لك عن التصفيق بحرارة، كما لو أنك سجلت إصابة في مرمي الخصم، أو كأنك أديت مشهدا تمثيليا ببراعة… وماذا تريد أكثر من هذا!؟ .هكذا إذن، لا تكتمل الفرجة في برنامج حوار ـ الذي يبث علي الهواء بالتلفزيون المغربي ـ دون وجود هؤلاء الهتّافين المهللين المصفقين الذين يستدعيهم كل وزير أو زعيم سياسي. وهو ما يذكّر بأسلوب الهتافين الذين كانت حاشية سلاطين الزمان الغابر (وليس الزمان الراهن بطبيعة الحال) تستدعيهم كلما همّ السلطان بالخروج إلي شعبه ومخاطبته، حيث يُمنحون المال مقابل هتافهم بحياة الزعيم وتمجيد أعماله الجليلة.وكلما كثرت التصفيقات في برنامج حوار إلا ولجأ صاحبه مصطفي العلوي إلي ترديد عبارة أصبحت لازمة شهيرة عنده، يستعطفهم من خلالها الجمهور البقاء صامتين: بدون تصفيق الله يخليكم، شي شوية ديال السكات! . هذا البرنامج تحول إلي ترمومتر لقياس كفاءة كل شخصية سياسية وقدرتها علي السجال وتسجيل نقط حسنة في رصيدها وصورتها أمام السلطة من جهة، وأمام عامة الناس من جهة أخري. بمعني آخر، إن برنامج حوار أشبه بالامتحان الذي يعز فيه المرء أو يهان . المفارقة الجديرة بالتأمل، أن سِجِلّ مُعد ومقدم برنامج حوار حافل بالانتقادات التي كثيرا ما كانت (وما زالت) توجّهها له صحف جل الأحزاب المغربية. ولكن زعماء هذه الأحزاب وقيادييها يسيل لعابهم طمعا في المرور بالبرنامج المذكور. إنهم يتهمون مصطفي العلوي في صحفهم بكونه لسان المخزن (السلطة العليا) في التلفزيون (وقبل ذلك بسنوات في الإذاعة، ولكنهم يطلبون وده ويستعطفونه لاستضافتهم ببرنامجه الشهير، ويخاطبونه أحيانا بـ مولاي مصطفي ! لقد أصبح حوار بمثابة حلبة تسخين نحو الانتخابات. وهو أيضا علامة علي رضا المخزن علي زعيم سياسي معين. إذا رضي عليك التلفزيون رضي عليك المخزن !قناة السحاب وحرب الإرهاب هي قناة تظهر من حين لآخر، تستأجر فضاء بعض القنوات التلفزيونية ـ خاصة الشهيرة كـ الجزيرة ـ فقط لتبث التهديد والوعيد، وتردّ الصاع صاعين لحماة النظام العالمي الجديد . فإذا كان هؤلاء قسّموا العالم إلي محورين: الخير والشر، فإن الذين يظهرون في السحاب قسّموا البشرية جمعاء إلي مؤمنين و كفار ! التقنيات الإعلامية والتواصلية التي ابتكرها الغرب لترويج خطابه وسياسته، تحولت إلي أداة في يد الجماعات التي توصف بالإرهابية من أجل إعلان الحرب الكلامية عليه، وكذا لبعث رسائل واضحة حينا ومشفّرة حينا آخر، إلي أنصارها في مختلف بقاع العالم. الطريف في الأمر أن أصحاب السحاب يُحاكون تقنيات القنوات الفضائية العالمية، من حيث جودة الصورة والصوت، وأيضا استعمال الشريط المكتوب أسفل صورة المتحدثين التي تظهر علي الشاشة (في الفترة الأخيرة كان المتحدث الرئيسي هو أيمن الظواهري)، شريط عبارة عن ترجمة لخطاب المتحدث إلي اللغة الإنكليزية. ما يعني أن الجماعات الموصوفة بالإرهابية تسعي لإيصال خطابها إلي أوسع شريحة من الناس، بمن فيهم غير المتحدثين باللغة العربية.مهلا؛ السحاب ليست قناة تلفزيونية، ولكنها شركة إنتاج سمعي ـ بصري، اشتهرت بإنجاز الأشرطة الخاصة بتنظيم القاعدة التي تُبث علي قناة الجزيرة . وهذه الشركة لا تخاف في عملها لومة لائم، بدليل أنها تضع علامتها البصرية (لوغو) في الأشرطة. والظاهر أن أصحاب تلك الشركة يريدون أن يربحوا الأجر مضاعفا: ثواب الدار الآخرة، من منطلق أنهم يعتقدون (في الغالب) أن ما يقومون به يندرج في باب الجهاد ، وأجر الدنيا الفانية، لأنه لا يعقل أن يكونوا يغامرون بتصوير رجال القاعدة ، مع ما يكلفهم ذلك من جهد ومال، هكذا بدون مقابل. بل إن الأرباح تدخل عليهم من الطرفين: الجماعة التي يصورونها، والقناة التي يسلمونها الأشرطة. ألم يقولوا: لكل حرب تجارها وأغنياؤها؟اجهروا بعواطفكم علي الهواء! مَن قال إننا شعب متزمت ومنغلق؟ تريدون الدليل علي انفتاحنا؟ طيّب؛ أنصتوا إلي برنامج سبت الحيحة أو في أي بي V.I.P اللذين يبثان علي أمواج الإذاعة المغربية (cha”ne inter) لتدركوا حجم هذا الانفتاح. رغم أن هذه الإذاعة تبث برامجها باللغة الفرنسية، فإننا استثنينا هذين البرنامجين من هذه القاعدة، إذ أن لغة التخاطب فيهما هي الدارجة المغربية الخالية من أي تكلف أو حواجز أخلاقية، دارجة الشارع والزقاق والجلسات الحميمية، وليست دارجة البيت والأسرة. إننا نوفّر للشباب المجال كي يعبروا عن عواطفهم تجاه محبوباتهم، والعكس صحيح. فمن خلال المكالمات الهاتفية المباشرة، نقوم بدور الوساطة، حيث نربط الصلة بين المحبوب والفتاة التي يحبها، حتي يصارحها بعواطفه علي الهواء. كما أنه بإمكان البنت التي تحب شخصا ما أن تمدنا برقم هاتفه، ونتولي نحن الاتصال به، لنتركها تكاشفه بلواعج قلبها، والكل يستمع إلي هذا الحديث الصريح الجريء من خلال أمواج الإذاعة.ها أنتم ترون أننا نضرب كل مفردات القيم و الحشمة و الوقار عرض الحائط، لأنها تنتمي إلي قاموس قديم ومتجاوز، ونحن نريد تقديم الدليل والبرهان علي كوننا غير متخلفين ولا محافظين ولا متزمتين. ولذلك، فمُعدّ ومقدم هذا النوع من البرامج المباشرة، نور الدين كرم، يشجع كل الذين يتصلون به علي التعبير بطلاقة وبدون عقد ولا قيود عن مشاعرهم تجاه محبوباتهم، ويستفزهم بعبارات تنتمي إلي القاموس السوقي. ولأن صاحب هذا البرنامج استطاع أن يكتسب شهرة عظيمة خلال بضعة شهور، فإن البرنامج التلفزيوني الواقعي آجي تشوف خصص له حلقة كاملة، ليبرهن علي شعبيته ونجوميته. أكثر من ذلك، فقد أفادت بعض الأخبار أن برنامج سبت الحيحة سينتقل من الإذاعة المسموعة إلي التلفزيون. وهكذا، لن تبقي أحاديث العشق والغرام مقتصرة علي الصوت، بل ستنتقل إلي الصورة. والنتيجة أننا بمثل هذا البرنامج، سنحرر شبابنا من كل العقد، ونطرد الأفكار المتطرفة من أذهانهم، ونساهم في محاربة الإرهاب الذي يهدد مجتمعاتنا صباح مساء!التجربة العُمانية الصدفة وحدها هي التي قادتني لمشاهدة الفضائية العُمانية، فقد جرت العادة أن الكثيرين منا لا يتوقفون عند القنوات الصغري سواء في المشاهدة أو في الكتابة. كان تلفزيون عمان يبث ريبورتاجا عن السلطان قابوس وهو يتحدث إلي جمع غفير من المواطنين العمانيين (لعلهم ممثلو القبائل) في ساحة كبيرة بالعراء. ما استوقفني هو بساطة السلطان في لباسه الذي لم يكن يختلف في شيء عن لباس باقي المواطنين. لم يكن قابوس مرتديا ملابس حريرية فضفاضة كعادة الزعماء الخليجيين. كما أنه لم يجلس علي كرسي ضخم وثير، بل كان جالسا علي مصطبة خشبية طويلة، وهو يتحدث إلي مواطنيه عن أهمية المحافظة علي القيم واستثمار خيرات البلد في ما يجدي وينفع، ويحثهم علي مواصلة الانفتاح علي مستجدات العلوم والتقنيات ومبتكرات الحضارة العالمية. ازددت تقديرا للرجل وهو ينحني برأسه، ليصغي إلي ما يبدو أنها مطالب أو ملاحظات مواطنيه القادمين من مختلف جهات السلطنة.شيء أكيد أن التجربة العُمانية في مختلف مجالات الحياة العملية لم تأخذ، بعد، الاهتمام الذي تستحق في الإعلام العربي. كاتب من المغرب[email protected]