الهجرة الفلسطينية العكسية تتزايد بعد الانتفاضتين الاولي والثانية وتتحول الي ظاهرة مقلقة للفلسطينيين واسرائيل
عشرة آلاف يهاجرون كمعدل من المناطق سنويا في العقد الأخيرالهجرة الفلسطينية العكسية تتزايد بعد الانتفاضتين الاولي والثانية وتتحول الي ظاهرة مقلقة للفلسطينيين واسرائيل عشرة آلاف فلسطيني يهاجرون كمعدل من المناطق سنويا في العقد الأخير. بين 10 ـ 16 ألف فلسطيني هاجروا في عام 2005.عدد هؤلاء المهاجرين ازداد بضعة آلاف في عام 2005 الذي هو عام حماس ، وربما وصل الي مضاعفة نفسه. هؤلاء أناس استطاعت الحواجز والبطالة والفقر والجدار والضربات العسكرية وأزيز الرصاص ايصالهم الي درجة اليأس لدرجة دفعتهم الي حزم حقائبهم وأغراضهم ومغادرة البلاد.طاقم أبحاث اسرائيلي برئاسة يورام اتينغر، من كبار المسؤولين في وزارة الخارجية سابقا، يقول حتي الانتفاضة الأخيرة كانت اغلبية المهاجرين من المسيحيين، ولكن بعد اندلاعها اتسعت الدائرة لتشمل المسلمين والمسؤولين الحكوميين والمفكرين والتجار. منذ فوز حماس هناك هجرة لأتباع السلطة الفلسطينية. في عام 2005 قفز عدد المهاجرين الي 16 ألفا وفي عام 2006 ازداد هذا الرقم ارتفاعا . ضربة الهجرة هي احدي الضربات التي أنزلتها حماس علي رؤوسنا ، يدعون في فتح. الناطق بلسان حماس يفضل استخدام صياغة اخري: آلاف الفلسطينيين ينهون في كل عام دراستهم في الجامعات ويبحثون عن العمل في الدول المجاورة وفي اوروبا حتي يتمكنوا من خدمة الشعب الفلسطيني .حسب معطيات وزارة الخارجية الفلسطينية تم التقدم بـ 45 ألف طلب للهجرة منذ أواسط 2006 للممثليات الدبلوماسية الاجنبية في المناطق. الدكتور محمد صبح، نائب وزير الخارجية الفلسطيني من حركة فتح يقول أن اغلبية المهاجرين هم من المثقفين وأصحاب رؤوس الاموال. الدول المستعدة لاستيعاب المهاجرين الفلسطينيين وعلي رأسها كندا واستراليا جاهزة لاستيعاب حملة الماجستير والدكتوراة فقط، ومن يجلب معه 200 ألف دولار علي الأقل. هذه ضربة قاسية. الضرر البشري والاقتصادي الناجم عن ذلك هائل، وهو يلقي بظلاله الصعبة علي المستويين الاجتماعي والسياسي: أصحاب رأس المال يفرون والمثقفون يرحلون والطبقة الوسطي تتقلص وحماس تعزز قوتها .الفلسطينيون تحولوا خلال الاعوام الستة الأخيرة الي مُفلسين. مستوي المساعدات التي يحصلون عليها من الامم المتحدة والمنظمات الدولية هي الأعلي في العالم. أكثر من 1.2 مليون يتلقون ضمان دخل ومخصصات. والبطالة اجتازت نسبة 35 في المئة منذ مدة طويلة.اليأس والاحباط يُدمران كل بقعة طيبة خيّرة. أحد انعكاسات الحالة المزاجية المتكدرة هو ذلك الاعلان الذي صدر عن أكثر من ثلث الفلسطينيين: الانتقال الي مكان يستطيعون العيش فيه بصورة افضل. استطلاع الرأي الذي نظمه مركز الابحاث في جامعة بيرزيت في عام 2006 أظهر أن 32 في المئة قد عبروا عن رغبتهم بالهجرة من المناطق. بعد تحليل النتائج تبين ان نسبة الشباب من فئة 20 ـ 30 سنة هي الأعلي من حيث الرغبة في الهجرة: 44 في المئة في استطلاع مشابه أجرته جامعة النجاح في نابلس قبل شهرين قال ان 38 في المئة يريدون الهجرة. وفي استطلاع أجراه مركز ابحاث بيت ساحور برئاسة الدكتور نبيل كوكلي تم الحصول علي نتيجة مشابهة. الفلسطينيون غير راضين بالمرة عن وضعهم الأمني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي ، يقول الدكتور احمد حسين، رئيس مركز الابحاث في جامعة النجاح.الي جانب المعطيات حول البطالة المتصاعدة والفقر ومعارك الشوارع، يقول أتباع فتح في رام الله ان هناك قرارات اسلامية تنزل عليهم كذلك. في قلقيلية مثلا تم الغاء مهرجان فلسطين قبل شهرين بحجة انه ليس من اللائق تنظيم حفلات رقص مختلطة للنساء والرجال، وتقليد الثقافة الغربية، كما قررت البلدية التابعة لحماس. قبل اقل من شهر قررت وزارة التعليم الفلسطينية إتلاف 3 آلاف نسخة من كتاب قوم يا طير . الكتاب هو احد الكتب النموذجية للفلوكلور الفلسطيني، الا ان حماس اعتقدت ان في هذا الكتاب ثلاثة تلميحات للحب والجنس، ولذلك قررت إتلافه.محمود درويش، الشاعر الوطني الفلسطيني، نظم في رام الله مظاهرة كبيرة للمثقفين دعت الي عدم اعادة الثقافة الوطنية الي الظلام، ولكن حماس غارقة في شأنها: في السنة الأخيرة تمت اضافة 20 في المئة ساعات دراسية دينية لجهاز التعليم علي حساب المواضيع الاخري. وفي كل مدن الضفة والقطاع، باستثناء بيت لحم المسيحية وعدة حوانيت في رام الله، يحظر بيع المشروبات الروحية. مقاهي الانترنت في غزة أُحرقت، وقبل اسبوع تم إشعال النار في مركزين للثقافة والموسيقي هناك.ليست هناك علاقة بين الهجرة وفوز حماس، كما يدعي فوزي برهوم، الناطق بلسان حركة حماس. الناس يتوجهون الي الخارج من اجل الدراسة ومن ثم يعودون، ونحن نؤمن بحق العودة ولذلك لا يهاجر الفلسطينيون. بل بالعكس هم يريدون العودة الي بلادهم .الخجل اختفيالهجرة هي كلمة ذات مغزي سلبي بالنسبة للفلسطينيين، هي تعني الرحيل عن الوطن. هي تُذكرهم بنكبة 1948، الكارثة الكبري في تاريخ الفلسطينيين. منذ عام 1967 طور الفلسطينيون أسطورة مضادة اسمها الصمود ، أي التشبث بالارض الذي يلازم أسطورة العودة. في عام حماس اختفي الخجل من هذه الظاهرة. الشبان يتحدثون علانية عن رغبتهم بالهجرة، والبحث عن مكان رزق محترم ومستقبل شخصي أفضل. الهجرة من المناطق ليست ظاهرة جديدة، فالفلسطينيون قد هاجروا الي الدول العربية واوروبا والامريكيتين عبر كل السنين. في الولايات المتحدة يقيم 215 ألف فلسطيني مسلم، حيث تعتبر شيكاغو أكبر تجمع لهم. أما المسيحيون فيتوجهون الي امريكا الجنوبية واللاتينية حيث يعيش 600 ألف فلسطيني، أكثريتهم كبرا في تشيلي والسلفادور وهندوراس.قسم من المهاجرين وصلوا الي مواقع عالية في الدول التي حلوا فيها، أنطونيو ساكا (السقا)، رئيس هندوراس هو ابن مهاجرين من بيت لحم. في مقاطعة بليز (هندوراس البريطانية) يعتبر سعيد موسي الفلسطيني رئيسا للوزراء، وفي السلفادور كان هناك رئيس من أصل فلسطيني. صعود حماس حول حياة الفلسطينيين المسيحيين الي أكثر صعوبة، وفي السنة الأخيرة هاجرت عدة آلاف من عائلات جديدة من بيت لحم ورام الله.في السبعينيات، سنوات الاندفاعة الكبري للنفط، غادر عشرات آلاف الرجال الضفة وغزة الي دول الخليج، حيث كانوا هناك يحصلون علي رواتب بخمسة أو ستة أضعاف مما كانوا يحصلون عليه في المناطق، نصفهم غادر من دون أبناء العائلة واعتاد القدوم كل بضعة اشهر ليترك من ورائه امرأته حاملا ويعود الي عمله. البعض الآخر غادر مع أبناء العائلة واستقر في الكويت وقطر والسعودية أو البحرين. في عام 1991 بعد غزو الكويت، طُرد الفلسطينيون من هناك انتقاما لدعمهم لصدام، وعاد 25 ألفا منهم الي المناطق.اتفاق اوسلو ادي الي تغيير الاتجاه إثر الاتفاق الذي اعاد الي المناطق أتباع م.ت.ف وقوات الأمن بكافة أنواعها وبعض رجال الاعمال أصحاب رؤوس الاموال. حسب التقديرات المختلفة جاء الي المناطق حينئذ 15 ـ 20 ألف شخص من بينهم 12 ألف شرطي، مع أبناء عائلاتهم الامر الذي أوصل عدد عائدي اوسلو الي أكثر من 100 ألف نسمة.ولكن حلم السلام في اوسلو سرعان ما تبدد، وفي عام 1997 تصاعدت الهجرة السلبية من المناطق نحو الخارج، وتعاظم هذا الميل بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في ايلول (سبتمبر) 2000 ليشمل رجال الاعمال بصورة أساسية، الذين أصيبوا بخيبة الأمل وفروا من المكان. مركز ابحاث ديمغرافي نرويجي في رام الله يدعي ان الهجرة الفلسطينية وصلت بين ايلول (سبتمبر) 2000 وكانون الاول (ديسمبر) 2002 الي 100 ألف شخص، خصوصا من الطبقة الوسطي وموظفي السلطة والمسيحيين.في الموجة الثانية غادر كل من يمتلك جنسية اجنبية، وعددهم يُقدر بـ 40 ألف، من بينهم بضعة آلاف فلسطيني من حملة الجنسية الامريكية. أحدهم هو وزير الخارجية الدكتور زياد أبو عمرو، الذي حصل علي الجنسية من زواجه من امرأة امريكية. في هذه الموجة برز ايضا أتباع فتح تونس الذين عادوا الي تونس او انتقلوا الي الاردن ومصر. في الموجة الثالثة المتزامنة مع عام حماس غادر بالأساس الشبان المثقفون واصحاب رؤوس الاموال من النخبة الاجتماعية والفكرية. عام حماس ولّد دافعا لهجرة رأس المال من المناطق. نصار نصار، من كبار تجار الحجر في الضفة القاطن في بيت لحم، يعتبر أحد كبار تجار حجر البناء في العالم. هو كان يُشغل مئات الموظفين في مصانعه جنوبي الضفة، وبجانب مخيم الدهيشة. كانوا يشترون الحجر الخليلي الابيض منه حتي في الولايات المتحدة، وفي السنة الأخيرة نقل مركز نشاطه الي الاردن حيث استثمر ملايين الدولارات في مصانع حجرية جديدة. غسان الشكعة، رئيس بلدية نابلس سابقا، وعضو اللجنة التنفيذية في م.ت.ف حتي اليوم، نقل اغلبية تجارته التي يعمل بها مئات الاشخاص الي الاردن. هو مل الحواجز ولم يعد يتحمل معارك الشوارع.احد أصحاب مصانع النسيج الكبري في معبر كارني الذي كان يخيط الشراشف وغيرها من الأقمشة لمصنع كيتان الاسرائيلي، وملابس العمل لمصانع كثيرة في اسرائيل، نقل جزءا كبيرا من مصنعه الي مصر حيث لم يعد يتحمل بقاء بضاعته التي تكلف الملايين عند الحواجز المغلقة في كل مرة. البيت باقٍ الهجرة الفلسطينية ليست هجرة كلاسيكية. اغلبية من يهاجرون لا يبيعون أملاكهم. حتي المسيحيون الذين يغادرون بيت لحم مدركين بأنهم لن يعودوا، لا يبيعون منازلهم. هناك حتي ظاهرة عكسية: الكثير من المهاجرين يعودون بعد عدة سنوات للزيارة ليبنوا بيتا يستخدمونه في العطل وكبوليصة تأمين في حالة اضطرارهم للعودة. في قرية ترمس عيا مثلا، بين رام الله ومستوطنة شيلا، هناك عشرات المنازل الفاخرة التي بناها المهاجرون الفلسطينيون القاطنون في الولايات المتحدة.الي اين يهاجر الفلسطينيون؟ قائمة الأهداف المحتملة التي تقلصت جدا في السنة الأخيرة. اغلبية دول اوروبا لا تمنح تأشيرات هجرة لهم. الولايات المتحدة قللت قبولها للمهاجرين الفلسطينيين بعد أحداث ايلول (سبتمبر).اما الي جنوب امريكا ووسطها فلا يسافر الا المسيحيون. مصر من ناحيتها تُصعب اعطاء التأشيرات لهم، وفي الاردن يخشون جدا من الهجرة الفلسطينية، لذلك فرضوا قيودا صعبة حتي علي الزوار الفلسطينيين، وهم يطالبونهم بكفالات مالية لضمان عودتهم. دول الخليج تفضل في السنوات الأخيرة الهنود والباكستانيين والسريلانكيين لانهم أقل أجرا وأقل إلزاما من الناحية السياسية وأقل اثارة للمخاوف. كندا واستراليا، الدولتان المشجعتان علي الهجرة، تضعان شروطا مثل الشهادة الجامعية ورأس المال لقبول المهاجرين، وقد تحولتا الي هدف مفضل للفلسطينيين القادرين علي تلبية هذه الشروط. في كل عام يطلب 2400 شخص الهجرة الي كندا، أما استراليا فقد قُدم لها 2000 طلب. السويد، الدانمارك، النرويج وبريطانيا بدرجة معينة، تستوعب مئات قليلة من الفلسطينيين الذين يطلبون اللجوء السياسي مدعين أنهم لاجئون سياسيون. ولكن ـ ولشدة المفاجأة اسرائيل هي هدف الهجرة الفلسطينية الأكثر جاذبية. هنا ايضا ليست هناك أرقام دقيقة، ولكن سجلات الداخلية الاسرائيلية تُقدر أن 105 آلاف فلسطيني قد نقلوا خلال الـ 15 سنة الأخيرة مكان سكنهم الي الجانب الغربي من الخط الاخضر، وأن العدد الشامل لهم منذ 1967 يزيد علي ربع مليون. الأعداد عالية بصورة خاصة في النقب، خصوصا هجرة النساء غير القانونية حيث يسود هناك تعدد الزوجات. المثال الشهير: شقيقتا اسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني تحملان اليوم الجنسية الاسرائيلية وتحصلان علي مخصصات التأمين الوطني.قبل خمسة اشهر، نظم في رام الله مؤتمر من اجل التصدي لظاهرة الهجرة. بين المشاركين كان احمد حنون، الباحث البارز في مركز الدراسات شامل . ليست هناك ظاهرة واسعة اليوم ربما، ولكن هناك رد فعل متراكم. الاستعدادية المتزايدة للهجرة، خصوصا في صفوف الشبان، هي ظاهرة خطيرة وعلينا أن نتصدي لها، وإلا فمن الذي سيبقي هنا. هذا الوضع الصعب سيتحول الي حالة أكثر تطرفا . سألته من الذي يتحمل مسؤولية اتساع ظاهرة الهجرة، فأجاب الاحتلال يتسبب بالهجرة القسرية وغير الطوعية. هذه هجرة تعتبر جزءا من مخطط الترانسفير. الحياة في المناطق تحولت الي جهنم والناس يشعرون أن الهجرة هي الحل الوحيد لوضعهم البائس .روني شكيدمراسل الشؤون الفلسطينية(يديعوت احرونوت)