لندن ـ ‘القدس العربي’ ترى صحيفة ‘اندبندنت’ في افتتاحيتها أن التفجير المزدوج الذي طال السفارة الإيرانية هو الأول الذي يوجه لهدف غير- عسكري منذ عام 1999. فسواء نفذته القاعدة أو كتائب الشيخ عبدالله عزام، فالهجوم يقرب اليوم الذي ستبتلع فيه الحرب الأهلية لبنان، على حد قولها.
فهذه ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها الضاحية الجنوبية معقل الشيعة في بيروت. لكن آثار الحرب السورية واضحة على لبنان، فعلى الرغم من مقتل عشرات الألوف منذ بداية الأولى عام 2011 إلا أن تدفق اللاجئين لم يتوقف منذ ذلك والذي ظل بعيداً عن اهتمام العالم الخارجي.
وفي الوقت الذي دعمت فيه الصحيفة موقف مجلس العموم البريطاني الذي صوت ضد قرار دعم عملية عسكرية ضد النظام السوري لبشار الأسد، لأن مخاطر تورط الغرب في حرب معقدة كانت عالية.
وتشير إلى الجهود التي تقوم بها إدارة باراك أوباما للتوصل لاتفاق أولي مع إيران حول مشروعها النووي التي يجب أن لا تحرف انتباهنا عن مهمة وقف الحرب في سورية وبشكل عاجل.
وترى الصحيفة أن واحداً من الأسباب وراء تفجيري بيروت ربما كان مرتبطاً بالتقدم الذي أحرزته قوات النظام السوري في مناطق متعددة في سورية، وسيطرة الجيش على قرية استراتيجية في منطقة القلمون الجبلية، اضافة لمقتل قيادي عسكري مهم في المعارضة حيث جاءت التفجيرات للتذكير بأن المقاتلين السنة قادرون على توجيه الضربات للنظام السوري في أي مكان، والخطر في هذا الوضع هو اقتناع الأسد ومؤيديه بأنهم قادرون على الإنتصار في الحرب من خلال الوسائل العسكرية.
ويجب عدم السماح بهذا الخيار لأن الأسد ارتكب الكثير من الجرائم ولا يملك العالم خيار الجلوس ومراقبة استمرار هذه الفوضى كي تنفجر في لبنان وتركيا. ومن هنا ترى في تفجيري بيروت تذكيراً لأهمية العمل وجمع طرفي النزاع على طاولة المفاوضات والتوصل لتسوية سياسية.
هل أصبح حزب الله هو جيش لبنان؟
وعكس روبرت فيسك في تقريره بعضاً مما جاء في الإفتتاحية من ناحية انتقال عدوى الحرب السورية للبنان، وأن التفجيرين الأخيرين ليسا إلا جزءاً من سلسلة تفجيرات تدور في لبنان منذ بداية الحرب الأهلية السورية، وقد قتل 90 شخصا وفي الوقت الذي قتل فيه 49 سنياً في هجمات بطرابلس ألقى فيها السنة المسؤولية على حزب الله والعلويين في طرابلس، فإن تفجيري بيروت أعطيا الشيعة الفرصة لاتهام السعودية ودول الخليج بالوقوف وراء التفجيرين، حيث تحاول السعودية جهدها كي تطيح بنظام بشار الأسد دون نجاح حتى الآن.
وتحدث في تقريره عن الطريقة التي تم بها تنفيذ الهجومين،حيث قيل إن تفجيراً صغيراُ تم في البداية وتبعه آخر أكبر. وتساءل عن الهدف وطبيعته وأنه هدف واضح اختاره الذين يلعنون تدخل حزب الله في سورية، أي مقر سفارة بلد أرسل مقاتليه لسورية، حيث لا تبتعد عنها مكاتب محطة تلفزة مناصرة للنظام السوري.
ويشير فيسك إلى تصريحات حسن نصر الله، زعيم حزب الله الذي أكد الأسبوع الماضي من أن لبنان يسير نحو أزمة خطيرة، وقد كان محقاً في قوله.
وقال ‘من ينسى وسط السيارات المحروقة والأحذية وأشلاء 66 لبنانياً من الشيعة والسنة قتلوا في الأسابيع القليلة الماضية، وأصبح الآن العدد 90، ولا يوجد في لبنان حكومة، والجيش اللبناني هو المؤسسة المتماسكة الوحيدة في البلادـ بالاضافة للبنك المركزي، وبعد التفجيرين تفوق عدد رجال حزب الله على عدد الجنود، فهل أصبح حزب الله اليوم جيش لبنان؟ أو أن أصبح كما يقول معارضوه السنة جيش سورية؟’. ولهذا فمن الصعوبة بمكان التقليل من جدية هذا الحمام الدموي الطائفي، مذكراً بمقتل 47 سنياً في مدينة طرابلس الذين حملوا مسؤولية مقتلهم لحزب الله والعلويين في جبل محسن.
وبعد تفجيري بيروت جاء الدور على الشيعة لتحميل السنة المسؤولية واتهام السعودية ودول الخليج.
السفير الإيراني في بيروت غضنفر ركن أبادي اختار إسرائيل وحملها المسؤولية. ومع أنه لم يشر إلى الكيفية التي تورطت فيها إسرائيل بالهجوم، لكن هناك الكثير من الشائعات تقول إن حرس السفارة الإيرانية ومعظمهم من أعضاء في حزب الله.
قلعة
ويتساءل فيسك عن الكيفية التي تم بها اختراق السفارة التي تبدو مثل السفارة الأمريكية كقلعة وليس مقراً لبعثة دبلوماسية، ولا يستبعد أن يكون بعض من العاملين الـ28 هم من الاستخبارات. وفي النهاية يقول إن الإنقسام السياسي في لبنان أصبح مرادفاً للانقسام الديني وفي الحالة التي يتماهى فيها الأثنان فالمخاطر ستصبح أكبر، وكان يعلق في هذا على قوله أحدهم ‘ اليوم هو هجوم على زينب’، ابنة الرسول الكريم. وفي هذا السياق قال المحلل السياسي شانشك جوشي في تقرير له نشرته صحيفة ‘غارديان’ أن لبنان لا يمكن فصله عن الحرب الأهلية في سورية فهو مثل جناحي المسرح. فهو بالنسبة للمقاتلين المعارضين للأسد يعتبر مركز إنطلاق لهم، ومحل لجوء للهاربين من جحيم الحرب، وكذلك خلفية ولوحة انطلاق للقوى الإقليمية والجماعات المسلحة كي تدير لعبتها منه وبطريقة دموية في غالب الأحيان. ومن هنا فالهجوم على السفارة الإيرانية وفي معقل أو مركز قوة حزب الله يعتبر التعبير الأهم عن الطريقة التي انتقلت فيه الحرب السورية. ويمحو الهجومان ما تبقى من استقرار في لبنان، ويظهر تزايداً في قوة الجهاديين وقد يؤشر إلى انخراط إيراني أوسع في الحرب في وقت تسعى لتحسين علاقاتها مع الغرب.
ويقول جوشي إن إيران لعبت دوراً في إنشاء وصعود حزب الله وساعدته على الحصول على الشرعية في الحياة السياسية اللبنانية، وبالمقابل عمل الحزب على تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة. وكلاهماـ الحزب والجمهورية الإسلامية كانا عاملين في استمرار سلطة الأسد.
وتنبع رمزية الهجوم الأخير أنه جاء بعد اسبوع من تأكيد حسن نصر الله على مواصلة الدعم للأسد وأن رجاله سيظلون في سورية لمواجهة مخاطر من أسماهم التفكيريين الدوليين. ومنهم الجماعة التي أعلنت مباشرة مسؤوليتها عن الهجوم وهي ‘كتائب عبدالله عزام’ التي انشئت عام 2009 ونفذت منذ ذلك عدداً من الهجمات منها الهجوم على ناقلة نفط يابانية عام 2010.
ويرى الكاتب أنه حالة ثبت صحة ادعاء الكتائب هذه وأنها كانت قادرة على اختراق الضاحية الجنوبية العصية على الهجوم فإن شعبية ومصداقية الكتائب سترتفع ومعها سيسقط وهم مناعة حزب الله.
وفي المقابل إن كان هدف المنفذين عقاب إيران ومنعها من مواصلة دعم الأسد فالهجومان سيكون لهما أثر عكسي.
فالحرب الأهلية في سورية بالنسبة لإيران وحزب الله هي صورة عن التهديد السعودي للمصالح الشيعية في لبنان وسورية والمنطقة، حيث ينظر إليها من منظور طائفي. وسيضيف هذا أعباء محلية أخرى على حزب الله حيث عبرت غالبية السنة في لبنان عن عدم دعمها أو حبها للحزب (98′) حسب استطلاع مركز ‘بيو’ مقابل (92′) من السنة تكره الأسد.
الحرب وصلت للبيت
ويقول جوشي إن الأُثر على حزب الله وإيران جراء انخراطهما في سورية ظل محدوداً حتى وقت قريب. فالاشتباكات بين معارضي الأسد ومؤيديه لم تتوقف في لبنان، وكان أول هجوم على حزب الله ومعقله قبل ستة أشهر، حيث أطلقت قذيفة صاروخية على الضاحية من مناطق مسيحية ودرزية، وفي آب (أغسطس) الماضي تم تفجير سيارة في الضاحية أدى إلى مقتل 27 شخصاً.
وما يميز هجوم الثلاثاء أنه يمثل تصعيداً درامياً بسبب طبيعة الهدف والجماعة التي ادعت المسؤولية، والمرتبطة بتنظيم القاعدة. ويتساءل في ختام مقاله عن الكيفية التي سيرد فيها حزب الله على العملية، هل سيقوم بتشديد قبضته على الأجهزة الأمنية اللبناني؟ لكن هذا لن يمنع من تكرار هذه العمليات. أما بالنسبة لإيران فالهجوم يعتبر بمثابة صدمة نفسية لها. فهو أكبر هجوم تتعرض له واحدة من بعثاتها الدبلوماسية منذ المذبحة التي تعرضت لها بعثتها في أفغانستان عام 1998. ويقول إنه قبل 30 عام دفع هجوم كبير على ثكنة فرنسية في بيروت، الرئيس الأمريكي رونالد ريغان لسحب المارينز من لبنان.
وبالنسبة لإيران فهذا الخيار ليس على الطاولة لأنها استثمرت كثيراً في سورية حتى تتخلى بسهولة عن النظام، وسيعطي هذا الهجوم حافزاً للعناصر المتشددة داخل النظام الإيراني، خاصة الحرس الثوري الإيراني المواصلة لدعم الرئيس الأسد.
ولا يخفي الكاتب أن توقيت الهجوم مرتبط بالحملة التي يعد لها الحزب في القلمون في سورية وهي الحملة إن نجحت فستقوم بتأمين خطوط الإمداد بين العاصمة والمنطقة الساحلية. وفي الوقت الذي صعد فيه النظام من حملاته قبل بدء مؤتمر جنيف فمن المتوقع تصعيد المعارك ومعها التصعيد ضد القوى الأجنبية التي أدخلت نفسها في الحرب الأهلية.
وترى صحيفة ‘تايمز’ في تحليل كتبه مايكل بنيون أن هجمات جديدة تنفذ على حزب الله ستؤدي إلى التأثير عل التوازن الديني، وسينظر المجتمع السني بشكل عام لحزب الله على أنه أداة بيد إيران يحاول إضعاف السيادة اللبنانية.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب الأهلية اللبنانية 1975- 1990 حرباً بين مسيحيين ومسلمين، فسيجد المسيحيون أنفسهم وسط حرب بين الجماعات الشيعية والجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة.
ويرى الكاتب أن إيران حاولت إلقاء اللوم على إسرائيل في محاولة منها للتخفيف من حدة التوتر لكن هذا لن يمنع حلفاءها بالرد على الهجمات بعمليات إنتقامية قد تطال قيادات سنية بارزة في لبنان.
وفي النهاية يظل الهجوم على السفارة الإيرانية انتقاماً للدور الذي تلعبه هي وحليفها حزب الله في سورية، فالهجوم المزدوج يظهر المخاطر والثمن الذي تدفعه إيران في سورية التي يرى بعض المحللين أنها اصبحت ‘فيتنام إيران’، فيما يرى محللون ان إيران استخدمت دعمها للأسد كورقة ضغط دولية في أثناء المفاوضات حول ملفها النووي.
أزمة أم ورقة رابحة
وفي هذا السياق نقلت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ عن كليف كوبشان، الخبير في الشؤون الإيرانية في ‘مجموعة يوروسيا’ في واشنطن قوله ‘تظهر الأحداث الثمن السياسي والإقتصادي الذي تدفعه إيران بسبب سورية’، وأضاف ‘ لقد تحولت سورية إلى مصيدة للإيرانيين لا يستطيعون الخروج منها’.
فقد قدمت الحكومة الإيرانية المال والدعم العسكري واللوجيستي لسورية، وحولوا ملايين الدولارات من الأقتصاد المريض لتمويل الحرب، لكن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي وقادة الحرس الثوري الجمهوري يرون في دعم النظام السوري ‘مصلحة قومية’، حيث ترى إيران سورية قوة ردع لا يستغنى عنها ضد إسرائيل. وعلى خلاف هذه النظرة يرى عدد من مسؤولي حكومة الإصلاحي حسن روحاني في الحرب السورية مقاربة جيدة مع فيتنام، ويقول كوبشان إن الحرب ‘ تقوم وبشكل مستمر بتجفيف الموارد الإيرانية لدعم ديكتاتور استخدم السلاح الكيماوي ومن المحتمل أن لا يبقى في السلطة في المستقبل’.
ويقول المحللون إن هذين الرأيين سيلعبان دوراً في الطريقة التي سترد فيها إيران على الإستفزاز. كما أن الهجوم زاد من منظور تعرض الدبلوماسيين الإيرانيين لهجمات في المناطق التي أثرت فيها الحرب السورية، أي العراق وتركيا والأردن. وترى الصحيفة أن اتهام إسرائيل بالوقوف وراء الحادث هو إشارة عن عدم رغبة أيران بالتصعيد في الوقت الحالي. مع أن الحكومة الإيرانية قد تواجه دعوات بالرد الانتقامي من قبل المتشددين في المؤسسة العسكرية، لكنها ستحاول في الوقت الحالي تجنب الرد في وقت تسعى فيه لتأمين اتفاق مع الغرب حول ملفها النووي ومقعد في محادثات جنيف-2 التي تهدف إلى تسوية سياسية للأزمة، حسب مهرزاد بوروجيردي، الباحث في العلوم السياسية بجامعة سيراكوز الذي قال ‘أي جهة قامت بهذه العملية فإنها كانت تفكر بالآتي:
1- نستطيع ضرب إيران الآن ولن يرفعوا يدهم علينا.
2- سنقوم بعمل أمر يدفعهم للتصرف بطريقة متطرفة تجعل من العالم يفكر مرتين قبل دعوتهم لجنيف’.
ويقول بوروجيردي إن دعم إيران لسورية هي ورقة استراتيجية، وآخر شيء تفكر به هو التخلي عنه، فهي تخشى على مستقبل حليفها اللبناني، ففي حالة انتصار المعارضة فما الذي يمنعها من توجيه بنادقها نحو حزب الله.