المجموعة التي استهدفت السفارة الامريكية في قلب مدينة دمشق، ارادت بهجومها هذا ان تضرب عصفورين بحجر واحد: الاول هو تفجير سفارة الدولة المكروهة في العالم الاسلامي بسبب حروبها ضد العرب والمسلمين في العراق وفلسطين ولبنان وافغانستان، والثاني محاولة زعزعة استقرار النظام السوري، وهز صورته القوية امام المواطنين السوريين اولاً والعالم الخارجي ثانياً.
المسؤولون السوريون اشاروا باصابع الاتهام الي جماعات تكفيرية اسلامية وحملوها مسؤولية هذا الهجوم، ولكن لم تعلن حتي هذه اللحظة اي من هذه الجماعات عن وقوفها خلف هذا الهجوم او اي هجمات سابقة داخل سورية، الامر الذي خلق حالة من الالتباس، ودفع البعض، وخاصة في اوساط المعارضة، الي ترديد بعض فصول نظرية تآمرية تعتقد ان احد اجهزة النظام الحاكم يقف خلفها للظهور بمظهر الطرف المستهدف بالاعمال الارهابية ايضاً.
وقوف احد اطراف النظام او اجهزته خلف هذا الهجوم امر مستبعد في اعتقادنا، لان خطورة النتائج المترتبة علي عملية كهذه اكبر بكثير من المكاسب التي يمكن ان تتحقق من خلالها. فرأس مال النظام السوري الحقيقي هو استقرار البلاد. وهو الاستقرار الذي استخدمه دائماً ذريعة لمعارضة الضغوط الداخلية المتنامية من اجل ادخال اصلاحات اقتصادية وسياسية.
النظام في سورية يعتمد اعتماداً كلياً علي اجهزته الامنية وصلابتها في البقاء في الحكم، واحباط كل المؤامرات والمخططات التي تريد الاطاحة به، ولهذا فإن عملية علي هذه الدرجة من الخطورة تشكل اختراقاً امنياً غير مسبوق، وتكشف حالة من الوهن بدأت تتسرب الي هذه الاجهزة التي قبضت علي الاوضاع في البلاد بيد من حديد علي مدي الثلاثين عاماً الماضية.
هناك نقطتان اساسيتان يجب التوقف عندهما في النظر الي عملية الهجوم هذه:
الاولي: تتعلق بالتوقيت، فقد جاءت بعد يوم واحد من الذكري السنوية الخامسة لهجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وفي وقت تتعرض فيه سورية الي حصارين، احدهما عربي من المثلث المصري السعودي الاردني الجديد، والثاني من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الاخري، مثل فرنسا وبريطانيا.
الثانية: ان الخط البياني للعمليات التي تستهدف سورية يبدو انه في تصاعد. فقد بدأت بهجمات صغيرة في اطراف سورية، او ضد اهداف غير مهمة مثل مبني مهجور للامم المتحدة في دمشق، وتطورت الي استخدام سيارات مفخخة، وقذائف ار. بي. جي مثلما حدث في عملية الهجوم علي السفارة الامريكية.
السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كانت هذه العملية الاخيرة هي بداية تصعيد امريكي وعربي ضد سورية، باعتبارها ركنا اساسيا في التحالف الجديد مع ايران وبعض الحركات الاسلامية مثل حماس و الجهاد الاسلامي و حزب الله. ويرمي الي استنزافها داخلياً وامنياً عقاباً لها علي دعمها للمقاومة الاسلامية في حربها الاخيرة ضد اسرائيل.
اللافت ان الايام الاخيرة شهدت حراكاً سياسياً واعلامياً متصاعداً لجماعات المعارضة السورية المدعومة امريكياً التي تعمل علي تغيير النظام في دمشق.
ولكن الامر المؤكد ان تنظيم القاعدة لا يمكن ان يكون من بين المتورطين في هذا الهجوم علي السفارة الامريكية، لان سورية ليست موضوعة علي جدول اعمال استهدافاته، والرسالة الاخيرة المتلفزة للدكتور ايمن الظواهري الرجل الثاني، تضمنت تهديدات الي الاردن والسعودية ومصر ودول الخليج، ولم تتضمن انتقاداً واحداً لسورية، بل علي العكس من ذلك جاءت بعض فقرات الرسالة مؤيدة للموقف السوري عندما شككت بشدة بقرار مجلس الامن رقم 1701 وطالبت بعدم الالتزام بتطبيقه، مضافاً الي ذلك ان منفذي الهجوم بدوا كما لو انهم هواة بالمقارنة مع منفذي هجمات القاعدة ضد السفارة المصرية في اسلام اباد عام 1996 او سفارتي امريكا في نيروبي ودار السلام عام 1998.9