قد تعاني الشعوب من واقع حالها وحاضرها، وقد تبقى تستدعي مصائب وويلات تاريخها، وغالباً ما تكون رهينة جغرافيتها وموقعها، فتعيش وضعاً سياسياً واقتصادياً يلزمها أن تسلك نهجاً لا تفارقه عنواين الشدّ والجذب والأخذ والردّ، لكن الأخطر برأيي أن تُبتلى الشعوب بمجموعات من باطنها، لا تنفكّ تخرج عن القيم والمعايير والعادات الشائعة، وتبني في خيالها قيماً ومعايير يلونها الوهم والجموح، وتسعى لبناء واقع يشيّده الانغلاق والتزمّت ورفض الآخر، واقع أبطاله يفتقدون القدرة على التأمل والتفكير وإعمال العقل بطريقة مبدعة وبناءة، وهم يتسمون بالاندفاع الوجداني وما يرافقه من الشدة والمبالغة، لتكون المحصّلة كمّاً من الكراهية المدمّرة، والغضب المتفجّر، تجعلهم يندفعون من دون تعقل، وتجعلنا نعرف أنهم متطرفون، وأنهم مجرمون وقبل كل شيء أنهم مريضون. منذ فترة وجيزة عُثر على الكاتبة الهندية الأصل سوشميتا بانرجي في منطقةٍ في شرق أفغانستان، وهي جثة هامدة غارقة بدمائها، بعد أن أطلقت عليها النار وتم سلخ شعرها من رأسها، هذه المرّة لم تكن الضحية جندياً غازياً ولا مبعوثاً أمميّاً، بل كانت كاتبة وضعت كتاباً ووصفت مشهداً لتروي فيه قصة حياتها، وليصبح كتابها واقعاً سينمائياً عنوانه ‘الهروب من طالبان’، كان ذنبها وخطيئتها أن تحدثت عن عصابات من المتزمتين الذين أهانوا المجتمع أولئك الذين تنكّروا لمعاني المحبة والتسامح والسلام، وانشغلوا برأيها بإغلاق المشافي، وقسمة الحياة بين الممنوع والمسموح، وفرض النقاب بالإكراه، وقطع أصابع النساء إن لوّنت اضافرها، ومنع الموسيقى والفنون، وإلزام المرأة بأن لا تبرح بيتها، بعد أن يتم وشم يدها باسم زوجها، فابتدأت حرية الكاتبة بأن حفرت فتحة في الجدران الطينية في منزلها، لتهرب إلى الحياة، ثم لتعبر أخيراً إلى الموت، جزاء لها لأنها تجرّأت ونطقت. في التطرف يبتدئ الفرد مقتنعاً ومعتقداً بمبادئه، وهنا لا يملك المجتمع إزاءه غير التقبّل والرضا، ثم يواصل المتطرّف مسيرته نحو الانغلاق مع ذاته والتشدد مع الآخرين، ليتجاوز ذلك لاحقاً إلى إصدار الأحكام القاطعة بالإدانة، ضمن أجواء مشحونة بالغلو والخشونة والتشاؤم وسوء الظن، كل هذا لن يخلق إلا مجتمعاً جامداً أو عاجزاً إنتاجيا، يتمسك بالأساليب البالية والعتيقة، مجتمعاً تُسحب مرتكزاته الاجتماعية نحو الهاوية، بعد أن تُسحل بحبال العودة إلى الوراء واستنساخ الماضي، مجتمعا مشغولا بكبح جماح العنف والصراعات المدمرة، ومجتمعا يُحارَب فيه الفكر والثقافة والعلم والفنون. قد ينجح المتطرفون في قتل مبدع من هنا، أو إحراق وتدمير معلم من هناك، وقد تستطيع حجارة أذهانهم أن تعيق عجلات التحضّر والرقي، وقد تصل سهامهم الغادرة وخناجرهم المسمومة إلى الشوارع والبيوت والمعابد والمعاهد، لكنهم أبداً لن ينتصروا على قيم الإنسانية، ولن يوقفوا ركب الحياة.!