عبدالحي علي قاسم من يستطيع أن يقنع أي مواطن خليجي أو عربي بأن مثل هكذا حرب سوف تجني ثمارها شعوب الخليج؟ لا شك أن تفسير هذه المساعي المحمومة والجهود الجبارة في توتير العلاقات مع إيران والدفع بها نحو مواجهة عسكرية بعيدا عن ثورة الربيع العربي فيها نوع من التسطيح، ولا يساعد في فهم ملابسات التوتر الأخير الذي ينذر بكارثة قد تحل بالخليج في معركة لا ناقة للخليج فيها ولا جمل. الولايات المتحدة وكذلك إسرائيل، ومعها بقية عروش الاستبداد في المنطقة وتحديدا منطقة الخليج أصبحوا في وضع شديد الخطورة، خصوصا بعد سقوط ملهم التطبيع والاعتدال المخلوع مبارك، والرمال الأردنية المتحركة تحت أقدام الملك عبدالله بن الحسين، والتذمر الواسع للنهج السعودي سواء تجاه مواقفها من القضايا العربية، أو من خلال سياستها تجاه ثورات الربيع العربي، كل هذه المؤشرات الخطيرة في وضع الحلفاء الموثوقين في المنطقة تبعث على القلق في الأوساط الغربية والرأي العام الإسرائيلي.
وبالتالي فهم معنيون بتوجيه ودفع الخليجيين نحو محرقة غير محسوبة العواقب، المهم لفت أنظار شعوبهم عن محنة التغير العسيرة ‘مطالب الإصلاح السياسي’ التي تواجهها بقية العروش المرغوبة في المنطقة. فالولايات المتحدة وحلفاؤها لا يهمهم أن يتخلصوا من خصمهم العنيد إيران ويحدوا من نفوذها المتصاعد في المنطقة وتهديدها لمصالحهم إذا كانت فاتورة هذه المحرقة سوف تدفعها النظم الخليجية المغمورة بحسابات البقاء في السلطة من مخزون ثرواتها الإستراتيجية، ومن حجم الأضرار التي سوف تلحق بمنشآتهم العمرانية وموانئهم وبنيتهم التحتية. في الأخير لن تخسر سوى الشعوب الخليجية، وسوف تدفع ثمن هذه المغامرة السلطانية كثيرا، لأنها مغيبة تماما عن مراكز القرار في بلدانها، ويراد لها أن تبقى كذلك الى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يا مواطننا الوديع من حقك أن تأكل وتشرب و تسافر لكن ليس من حقك أن تقترح أو تعترض حتى بالكلام. هكذا يراد للشعوب الخليجية، وهكذا سوف يتم تعبئتها.. الخطر القادم من إيران ‘الصفوية’، إسرائيل لا تهددنا، وسوف تقف في صف معركتنا العقدية مع إيران، وحتى مع التسليم فرضا بأن إيران ونفوذها فيه نوع من الخطر، لكن لا يجب أن ندير هكذا مخاوفنا كشعوب عربية وخليجية بما يخدم خصومنا التاريخيين المستعمرين، ونخدم أطماعهم بمخزون قوتنا التي يجب أن ندخرها لمعركتنا الاقتصادية والحضارية التي تصب في مصلحة الأمة بشكل عام والخليج على وجه التحديد، المشكل أن التفكير الضيق للحاكم الخليجي والعربي لا يتعدى حدود الحفاظ على سلطته، وبالتالي فهو غير مستعد للتفكير خارج إطار اهتماماته ولو كان فيها ما كان من المصلحة العامة، العمى الذي تركه الربيع العربي في نفوس الحكام العرب جعلهم غير مستعدين أن يسمعوا من أحد سوى من الأمريكيين الذين يثقون كثيرا في نصائحهم وتوجيهاتهم، لعلمهم بأن هناك مصالح مشتركة. المهم الخاسر الأكبر والذي سوف يكتوي بنيران هذه المعركة ليست إسرائيل أو أيا من دول الغرب بل الجيران العرب والمسلمين، غير أن هذه الخسارة وتبعاتها الباهظة ليست في نظر النخب الخليجية أكبر من خسارة العروش المتهاوية تحت ضربات الثورة العربية. فأن يذهب جموع الشعب الخليجي إلى الجحيم والتبعية والالتزامات للغرب حد ‘الوصاية المباشرة’، فذلك أفضل بكثير من أن يحتكم الملك والأمير لخيار الشعب ومصلحته التي تنال من مزايا سلطته الحصرية. يا نخب الخليج حجم المخاطر أكبر مما تتصوروا لا يجب أن تسيطر عليكم نظرية الهروب من الأزمة باختلاق أزمة أخرى، لأن خلق أزمة معقدة وشديدة الخطورة كأن تهاجم جارك القوي دون سبب مقنع، وأن تلوح له بعصا لا تحسن استخدامها وتوجيهها ناهيك عن امتلاكها مقابل الهروب من استحقاقات الإصلاح الضرورية لن تسعفك في شيء إن أراد الانتقام منك، خصوصا وأن إيران أمام خيار إما أن تكون أو لا تكون. فأن تقنع نفسك بأن ميزان القوى الغربي يؤهلك لأن توجه ضربة قوية لإيران يجعلها في خبر استسلام بدون أن تصيبك الردات المفزعة لآثارها فهذا ضرب من الوهم، وربما إيران بإمكاناتها العسكرية المتواضعة تحت جرح الكرامة والانتقام تجعل الخليج في وضع لا يحسد عليه. ‘ باحث يمني