الهملايا

حجم الخط
0

الهملايا

سعيد بوكراميالهملاياأريد أن أقول لكم، قبل الختم، من كنت؟ وكيف أصبحت؟ لا أدري من أين أبدأ؟المهم أن كل شيء قد تغير وبدأت أمر من الأمكنة ولا أعرفها وبالأشخاص فلا أتعرف عليهم.ليس فقدا للذاكرة ولا غسيلا للدماغ وانما ارتجاج في الحواس.الأمر ما زال بسيطا مادمت تستطيع التعرف علي نفسك أمام نفسك وعبور الشارع، حذرا هستيريا الطريق، لتشتري الجريدة، دون سواها، وتنساها في جيب معطفك. أما هي والتي تدعي زبيدة فقد حاولت آلاف المرات أن أتعرف عليها لكن دون جدوي.حدث هذا عندما استيقظت من حلم مزعج، فوجدت امرأة تنام بجانبك علي الفراش مستسلمة لكسل لذيذ. من تكون هذه المرأة؟ لم يسبق لك أن شاهدتها. ما أراه هو بالأخص وجهها أما جسدها فمختف تحت الغطاء: حاجبان دقيقان مرسومان بقلم أسود. عيناها الداكنتان العميقتان لامعتان وشعرها أسود فاحم وناعم مرسل فوق الوسادة البيضاء.لست زبيدة؟من زبيدة؟لست اذن زبيدة؟من تكون زبيدة؟ تحصلون علي ما تريدون ثم تنسون أسماءنا.لا يهم. المهم، أنك لست زبيدة.زبيدة لم تختف في أحداث الخبز. هاهي وراء زجاج المتجر الفخم بالتوين سانتر. تمسح الزجاج أو تلبس الدمي الآدمية ماركات جديدة أو تهب كنسمة من ركن الي ركن آخر لتقدم للزبائن طلباتهم أو تراها تقف شاردة أمام البوابة تنظر الي العابرين المنبهرين ببهاء المحل النحاسي. ولأني أقف أكثر من اللازم، وأعبر أكثر من اللازم، فقد رأيتها تنتبه الي عيني الهاربتين من الملابس الفخمة والأضواء والألوان البراقة رأتني أنظر الي شعرها المربوط الي الخلف ببساطة ووجهها الطبيعي المزين بأشعة الضوء، وعينيها المتيقظتين والمتعبتين في نفس الآن وهما ترسلان نظرتهما الغامضة والملغزة بدون اتجاه.(تلك النظرة هي التي لا أستطيع أن أنساها).معطفا صوفيا.أي نوع وأي لون وأي قياس؟أخيرا سمعت صوتها، له ذبذبات دافئة، تحس ألفته الدفينة وكأنك تسمعه منذ الطفولة، صوت الأم، صوت الأخت الكبري، صوت يشبه حلوي بروست، تتداعي بعده الذكريات، صوت يعزلك عن العالم رفقة سعادة سرية.يمكنك أن تختار من المجموعة الجديدة.أريدك أن تختاري لي معطفا يناسبني.ابتسمت وبحركة احترافية سلت معطفا من بين المجموعة المطوية والمصففة بعناية.جرب هذا سيناسب لون وجهك.تناولت المعطف الأسود الصوفي الرطب ودخلت الي المعزل لأقيسه، كان مناسبا من حيث اللون والقياس، كأنها تعرف ما يناسبني أكثر مني. خرجت سعيدا، استقبلتني بابتسامة عريضة وقالت:مناسب جدا، أليس كذلك؟وافقتها برأسي وابتسامتي ثم قلت:غدا سأذهب الي حديقة الألعاب هل تودين مرافقتي؟تأملتني بسرعة وكأنها تتأكد من أمر ما ثم قالت:اذا كنت لا تريد المعطف يمكنك أن تنصرف دون أن تكلف نفسك ثمنه المرتفع.لا، لا أحبه ولن أتكلف شيئا.اذن نراك في مناسبة أخري.وغدا؟عند البوابة، العاشرة صباحا. أما في المساء فأنا مشغولة. قبل الفجر استيقظت، منحت جسدي لدفق الماء الفاتر وفجأة حولت الصنبور الي الاتجاه الأزرق تاركا الماء البارد يصفع وجهي وأعضائي المرتعشة كأنني أريد يقظة مضاعفة لأصدق ما أنا مقبل عليه.دخلنا الحديقة وكأننا ندخل الفردوس.أفكر فيما سأقوله، رتبته بعناية وبحسب المواضيع والأولويات.تجولنا بين الألعاب الصامتة الخالية من الصخب الميكانيكي وصخب الأطفال والشبان.قالت:يعجبني ركوب الهملايا لأنها تخيفني وتخرج قلبي من صدري.قلت:أما أنا فأحب السيارات المتصادمة، يعجبني الارتطام المفاجئ.أشجار الحديقة تسقط فوق رؤوسنا ثمارا سوداء صغيرة تشبه حبات التين، ندوسها بأقدامنا وكلانا يفكر في لمس أصابع الآخر. قالت:هدوء عجيب في هذه الحديقة.في الصباح فقط، أما في المساء فصخبها يمتد لعدة أميال.ماذا تشربين؟برتقال بدون سكر.أخذنا ركنا في الداخل ونهضت لاحضار قهوة لي وعصير برتقال لها.عدت أحمل المطلوب ووجدتها تنظر في مرآة صغيرة.وضعت العصير أمامها والقهوة أمامي.شربت رشفات من عصيرها وقالت:ما اسمك؟ألا تعرفين اسمي؟أجابت باستغراب:لا، لا أعرفه.يفترض أنك تعرفينه!كيف أعرفه وأنا للتو سأتعرف عليك.ولم أنا أتذكر اسمك دائما.سألت عني اذن؟لا، لم أسأل ولكني أعرفه منذ زمن..وما هو اسمي؟ اسمك زبيدة.زبيدة من!؟أنت.أنا اسمي فوزية.تراجعت بالكرسي الي الخلف ونهضت قائلة:سعدت بمعرفتك الي اللقاء.وانصرفت تمشي مشيتهاجسدها أمامي رائحته في أنفيطعمه في فمي.الخوف من البرد، الرجفة، شبه الندم. شردت بعدها ثم بدأ صخب الاذاعة المحلية وصرير الآلات الميكانيكية يغزو العالم.كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية