‘الهندوس’يصعدون’إلى’السماء”’الرحلة’المفارقة

حجم الخط
0

تعود علاقة الرواية بمحكي السفر إلى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وذلك في إطار بحث الروائيين الأوربيين عن آفاق جديدة لتخييلاتهم الروائية، انطلاقاً من وعي جمالي، ساعدت عليه التحولات الثقافية والسياسية التي عرفتها أوربا ابتداء من القرن الثامن عشر، وانفتاحها العسكري والاقتصادي على العديد من المناطق في كل أنحاء العالم، فأتيحت لكثير من الروائيين الأوربيين الفرص للسفر إلى بلدان بعيدة، بإيعاز من مهام رسمية أوكلت إليهم، فغدوا نصوصهم الروائية بما رأوه أو عاشوه أو تراءى لهم أو تخيلوه، بل هناك من خلّف نصوصاً رحلية مستقلة مثل فلوبير والكسندر ديما وأندري جيد وغيرهم.
وأتيحت في القرن العشرين لكثير من الكتاب والروائيين العرب فرص السفر أو الإقامة في بلدان أوربية أو عربية والذين عملوا على استثمار جزء كبير من هذه التجربة في أعمالهم الروائية. وهناك عدد قليل جدا منهم من خصها بكتب مستقلة تُبقي على الصلة بين الرحلي والروائي وتمد الجسور بينهما مع وعي كبير بهذا التداخل بين الجنسين؛ أمثال محمد حسين هيكل، علي الدوعاجي، عبد الكريم غلاب وغيرهم. وتزايد في الآونة الأخيرة عدد النصوص الرحلية التي وقعت باسم روائيين عرب معروفين أمثال خليل النعيمي، حسونة المصباحي، أحمد المديني، إبراهيم عبد المجيد، علي بدر، شعيب حليفي، يوسف المحيميد.. ويتطلب منا هذا التراكم وقفة تأمل نقدي في هذه التجربة اللافتة في السرد العربي، كما يطرح أسئلة حول خصوصيات هذا اللون من الكتابة السردية ومدى تقاطع الواقعي والتخييلي فيه وأيضاً تداخل وتفاعل الروائي والرحلي فيه وكيف يتم تذويب الحدود بينهما؟
ومن بين الروائيين العرب الذين انخرطوا في هذه التجربة الروائي والقاص العراقي وارد بدر السالم والذي صدرت له، حتى الآن، أربع روايات وهي: طيور الغاق (2001) مولد غْراب (2001) شبيه الخنزير (2004) وعجائب بغداد (2012). وتجلى هذا الانخراط في كتابه الهندوس يصعدون إلى السماء الصادر سنة 2011. والذي كان تمرة رحلة قصيرة قام بها الكاتب إلى الهند سنة 2006.
ينطلق وارد بدر السالم، عن وعي، من أهمية هذا اللون من الكتابة في الثقافة العربية محاولاً، في نصه الرحلي هذا، الخروج عن النمط السائد في كتابة الرحلة، وذلك’بالسعي لتطوير هذا النوع من الكتابة السردية الأصيلة في الثقافة العربية والقابلة للتطويع والتجديد، نظراً لكونها نوعاً سردياً مفتوحاً وطيعاً وقادراً على ملاءمة كل السياقات الثقافية والجمالية والانفتاح على باقي الأجناس الأدبية، لأنه ما يزال دوماً في طور التكوين والإنجاز. يقول وارد بدر السالم: ‘حاولت في هذه الرحلة أن أخرج عن النمط التأليفي السائد في كتابة الأسفار الجغرافية، فعين السائح في تعدّت المشاهدات المتتالية والجماليات المتواترة في طبيعة خلابة كطبيعة الهمالايا العجيبة، وكان الواقع العياني الذي كنت فيه بتركيباته المختلفة يحيلني دائماً إلى واقع متوار خلف حضور عابر هو الآخر في ذاكرتي، ذلك الواقع الذي عشت فيه وجئت منه وسأعود إليه في نهاية المطاف، لكنه يقفز أمامي في كل لحظة ويحضر بقوة وعناد كنقيض مضاد لواقع مختلف يزهو بجماليات كبيرة.'(ص.18.) فهناك إقرار من الكاتب بالبعد المفارق المؤسس لفعل السرد في هذا العمل الرحلي التخييلي، وهو بذلك يؤكد على البعد الروائي لعمله، من خلال التصريح بتداخل الواقع والخيال كميثاق يعلنه الكاتب قائلا: ‘لن تكون هناك فاصلة مرئية بين الحقيقة والخيال.'(ص.15.) بمقصدية سردية تسعى إلى القبض على التوتر والقلق المبطن للحسرة التي تعتري الذات والناتجة عن انتقالها إلى عالم يشكل نقيض العالم الذي أتى منه على كثير من الأصعدة السياسية والعقدية والاقتصادية والأمنية والإثنية.
بناء على ما سبق ستنشغل هذه الورقة بإبراز كيفية حضور الروائي في بناء هذا العمل الرحلي، وكيف يسهم في إخراج هذا النص الرحلي عن نمط الكتابة الرحلية السائدة كما أعلن ذلك الكاتب. وذلك من خلال تركيز تحليلنا على تمظهر نصي جعل هذا النص ينطبع بحس روائي، وهو المفارقة.
إذا كانت المفارقة هي روح الرواية عند جورج لوكاش الذي يقول: ‘كل رواية[…] هي بالضرورة قصة تنافر وانهيار وإخفاق، إذ نجد ظاهر الحياة، وباطنها على خلاف كامل مع بعضهما… ومن هنا جاءت طبيعة الرواية التي تحتم المفارقة.’ باعتبار ها هي حالة الأمور المعاكسة للتوقع، فإن رحلة بدر وارد السالم بأكملها مفارقة، إذ أن المفارقة مكون نصي أساسي بانِ لها؛ فالكاتب لم يكن ينوي الرحلة إلى الهند، وإنما كان يريد الذهاب من أبو ظبي إلى العراق فجاءت الرحلة صدفة«’وما يقوي المفارقة هو أنه حتى وهو في الهند يذهب إلى العراق دون انتقال عبر الأمكنة، من خلال ما كان يستحضره من أحداث ومفارقات تجري بعراق ما بعد التحرير. فعلاً هي مفارقة يحدثها السارد الكاتب للقارئ؛ فيعتقد أنه سيأخذه إلى الهند لكنه يأخذه إلى العراق والهند معاً بشكل مفارق يصل في كثير من محطات النص إلى ذروة التنافر.
وباعتبار المفارقة إشارة إلى كل ما هو غير متوقع وغير مألوف، فإن كاتب الهندوس يصعدون إلى السماء يُكسر أفق انتظار القارئ، وهو ما يُسمّى كسر معيار التوقع. ويتجلى ذلك في انتظار القارئ لعجائب الهند وغرائبها المتداولة، فإذا بالكاتب ينقله إلى عجائب الهند والعراق في الآن ذاته وبشكل مفارق. كما يتجلى تكسير الأفق في كون هذه الرحلة سياحية من المفروض أنها ستكون فرصة للشعور بالارتياح لكنها تخيب أفق انتظار القارئ من خلال هيمنة الشأن العراقي عليها فيهيمن على السارد القلق والتوتر وعدم الارتياح كقدر لا يرحم. فجاءت ‘الكتابة عن هذه الاصطدامات النفسية المتناقضة بعيدة عن تسلسلها المنطقي السياحي. قريبة من روح التاريخ العراقي في احتداماته السود.’
وما يجعل هذا العمل مفارقاً أيضاً، هو أن الغرابة ليست بالضرورة في مكان بعيد وغير مألوف، وإنما الغرابة توجد في القريب والمألوف في الوطن العراق الذي يحضنها ويفرخها يوماً عن آخر؛ فالعراق من خلال الحس النقدي الذي يطلع به المحكي الرحلي طافح بالغرائب التي تضاهي غرائب الهند، فحين يكشف السائح عن عجائب الهند المرغوب فيها، والتي تستهوي السياح من كل أنحاء العالم، يكشف بالمقابل عن عجائب العراق المرفوضة، فيقدمها لنا بحس ساخر. محاولاً التأكيد على أن عجائب العراق أغرب من عجائب الهند: ‘بلادنا يا صديقتي رُبما صارت أعجب من الهند بغرائب ما يجري فيها.’ (ص.94.) وتمثلت هذه الغرائب بالنسبة للكاتب في التحولات الكارثية وغير المتوقعة التي طالت كل شيء في عراق ما بعد التحرير وأرجعت العراق إلى قرون خلت؛ تغيرات مست الأشخاص والمواقع والمواقف والسلوكات والعادات والاحتفالات وغيرها، فصارت العراق في نظر الكاتب أغرب من بلاد الهند.
تُعد المفارقة حقلاً للتنافر والتوتر نظراً لكون هذا الأخير يعد أحد الشروط المتحكمة في الرواية، لأنه واحد من المكونات الجوهرية التي ينبني عليها جنس الرواية، وهو علامة فارقة في إنتاجه. وهذا ما يحصل في رحلة الهندوس يصعدون إلى السماء، التي تعبر في كثير من المواقف عن تنافر انتقادي؛ يتعلق الأمر بالتنافر الذي يحدثه السارد بين ما يراه في الهند وما يوجد بالعراق. فقد تمت الرحلة، كما أشرنا أعلاه، بدافع سياحي وهو الهروب من الوضع العراقي المميت والمرعب. فكان السارد يريد من سفره تحقيق الانفصال عن الوضع العراقي وتفضيل الموت على متن طائرة على الذهاب إلى بغداد التي تخبئ له الموت في أي لحظة، لكنه لم يستطع تحقيق الانفصال لأنه كان مسكوناً بالخوف من المجهول العراقي. يقول: ‘فما الفرق بين أن تموت في سيارة مفخخة غادرة أو أن تموت في انفجار طائرة.'(ص.28.) فحدث الاتصال داخل الانفصال، وهو ما ولّد المفارقة والحضور في الغياب والخوف في الفرح والقلق في البهجة؛ حين نقلنا الكاتب إلى غرائب الهند وغرائب العراق في الآن ذاته، فالأولى تستدعي الثانية. وتقدم فعل السرد، والحالة هاته، باعتباره جسراً بين عالمين متنافرين. الأمر الذي جعل السرد يتأسس على مواجهة بين عالمين مفارقين وهما الهند والعراق، الأول بعجائبه الإثنية والعرقية والدينية والثاني بغرائبه السياسية والطائفية والتقتيلية وضبابية مستقبله. وفي غمرة هاته المواجهة السردية يبدو السارد أسير عالم لا يستطيع الفكاك منه. إذ يدفعه الواقع المشاهد إلى استنفار واقع مستحضر لا يغادر ذاكرته ولو للحظة زمنية، فينعكس الوضع العراقي على مشاهدات الرحالة لينقلها لنا بنفس سردي مشوب بالتوتر والتنافر والمفارقة بين المرئي والمحلوم به الجميل والفاتن الذي صار بالنسبة للكاتب بمثابة خيال وبين المعيش الهارب منه والقاض لمضجعه والجاثم على صدره. وبذلك يفضل الكاتب الجمالي ويختاره على حساب الواقعي المقيت المروع: ‘فأنا ذاهب إلى بغداد فكيف تغير الاتجاه عندي في لحظة فضلت فيها الجمالي الخيالي على الواقعي الصعب الذي يمور بالموت!'(ص.27.) وكأن الهمالايا صارت واقعاً متخيلاً من فرط أحداثه ومشاهده الطريفة والغريبة التي كانت بالنسبة له واقعاً خيالياً افتراضياً وملاذا يحتمي به، ولو بشكل مؤقت، من سطوة واقعه العراقي الرهيب. فكل ما هو جميل في الهند يبدو للسارد محض خيال يقابله شيء واقعي مرعب في العراق. وهو ما جعل خطاب هذا النص خطاباً نقدياً مسائلاً مشككاً مفككاً تقويضياً باحثاً عن مكامن الخلل، يروم الخروج والانفصال عن النمط السائد في الكتابة الرحلية.
كما هو معلوم فالمقارنة خصوصية بنائية ميزت الكتابات الرحلية منذ هيرودوت ورحلته الشهيرة، لكن بدر وارد السالم يلبسها لبوساً روائياً ألا وهو المقارنة المفارقة المدعومة بحس نقدي. وتجلى ذلك فيما سماه الكاتب عين السائح التي ‘لم تكتف بالجغرافية المباشرة وسطحها الخارجي، بل جذبت إلى عمقها الصورة المتناقضة لوطن ممزق بالاحتلال والمليشيات السياسية والطائفية والعرقية. وحاولت أن تتعمق في صورة تلك الجغرافية المخيفة، منطلقة من حاضنة الهمالايا كمكان خارق ومدهش وجميل، إلى حاضنة محلية تكتنفها الصراعات المختلفة..'(ص.19.) وهو ما يعكس اضطرابا نفسياً عاشه السارد انطلاقاً من صدمة العالم المرئي الحاضن للروعة والجمال والغريب والعجيب مقابل العالم العراقي الذي يريد الانفصال عنه الحافل بنقيض ذلك المروع والطافح بالموت والدم في أبسط السلوكات، بما فيها بعض الشعائر الدينية كالاحتفال بعاشوراء وقمع الحريات. فيرصد الواقع المشاهد والواقع العراقي الغائب الحاضر في ذهن القارئ. وما يقرب هذه الرحلة من الرواية ويمنحها طابعها المفارق هو ابتعادها عن الرحلة السياحية المعهودة المنشغلة بالمرئي والمشاهد وذلك بسبب الحضور القوي واللافت للوضع العراقي. وهو ما يؤكد عدم قدرة الكاتب على تجاوز محنة الوطن«’فالرحلة السياحية تقتضي خلو الذهن من كل المنغصات.
لا يتوقف السارد عند رصد التنافر الحاصل بين الهند والعراق. بل يكشف في أكثر من مناسبة عن الوضع المفارق في العراق الذي يجمع بين كثير من المفارقات الغريبة، فصار بلدا للمتناقضات. فهو بلد يدعي الديمقراطية وتتقوى فيه الميليشيات والعسكرة. يقول: ‘على الرغم من وجود الديمكراتس ولدينا حكومة منتخبة براية العباس وأهل البيت.. وفي البلاد فيالق وجيوش وعصابات مختلفة يقود بعضها عنترة بن شداد، وبعضها الآخر يقودها هيلاسي لاسي..’ (ص.93.) ومن مفارقاته أيضاً أنه أزال صدام وصارت كل جماعة تصنع صدامها. العراق أصبح عراك: ‘فصار اسمه عراك..'(ص.94.)
ومما يجعل النص الرحلي عموماً مفارقاً، هو أننا لا نعرف ذواتنا وخصوصياتنا المميزة إلا من خلال الغير الذي نرتحل إليه. يحاول الكاتب أن يصف البلد المرتحل إليه بكل أبعاده الجغرافية والتاريخية والأسطورية والإثنوغرافية، من أجل الكشف عن كل أسرار غرائبيته وسحره وفتنته وقدرته على تجاوز كل العراقيل التي قد تقف عائقا أمام تقدمه الغريب، لكن الوضع العراقي بأحداثه الغريبة كان يقطع عليه تأملاته، فجعل هذا النص مفعما بالتقابلات الكثيرة بين الهنا والهناك على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية. ولتشخيص هذا التنافر والمفارقة بين العالمين توسل الكاتب بأسلوب المقارنة الساخرة التي تبطن نقد الوضع العراقي لأن مأخذ الساخر للأمور لا يمكن أن يكون إلا مأخذا نقدياً. نظراً لكون السخرية تتنافى تماما مع الوثوقية والاعتقاد الراسخ. يقول: ‘فإذا كان القرد يطير في الهند ويسوق البايسكلات، فإن في العراق كل شيء يطير: السيارات تطير والبيوت تطير والمدارس تطير ودوائر الدولة تطير.. لدينا البشر تطير والكلاب تطير والأشجار تطير والأهوار تطير والوزارات تطير ولا’تنزل..’ (ص.95.). وذلك نظراً لكون السخرية هي فن إنتاج المفارقات. لأنها تعبر عن موقف إيديولوجي من العالم فالتعليق الساخر يختزل موقف الكاتب مما يرى ومن ما يستحضره بخصوص الوضع العراقي. وبذلك يصير النص محاكمة نقدية ساخرة ولاذعة للمسخ الكارثي الذي طال العراق بعد التحرير على جل الأصعدة.
وتتميز هذه الرحلة أيضاً بحضور قوي للحس النقدي الذي لم يستطع الكاتب التخلص منه والذي انصب على الوضع العراقي ومفاجآته وانحداراته، والذي يعلن عن رفضه له، باحثاً عن وطن لم يوجد بعد. لكنه في كثير من الأحيان ما يعمم النقد ليشمل العرب، بشكل عام، كنقد السائح العربي الذي لا يقصد الهمالايا: ‘فتصبح واجهة ومقصدا للسياح من كل أنحاء العالم؛ ما عدا العرب الذين تستهويهم المراقص والبارات والحانات والديسكوات والشراميط في دول شرق آسيا!'( ص.59.)
سعينا من خلال هذه القراءة إلى رصد تفاعل الروائي والرحلي في نص الهندوس يصعدون إلى السماء من حيث استثمار الكاتب للمكون الروائي في صياغة نصه الرحلي. فبينا أن الكتابة الرحلية كانت في وعي وارد بدر السالم موصولة برؤيا مفارقة بين الاتصال والانفصال بين الواقعي والمتخيل بين عجائب الهند وغرائب العراق. ويمكن أن نقول إن اعتماد الكاتب المفارقة بوصفها اجتراحاً لَأسلوب مغاير في كتابة الرحلة وهو أسلوب كان موفقاً في التجسير بين عالمين’متنافرين وطافحين بالغرائب والعجائب. كما نؤكد أن هذا العمل شهادة إبداعية عن تردي الوضع العراقي بعد التحرير وذلك من خلال سعي الكاتب القبض على مفارقاته بحس سردي ساخر يمنح النص جاذبية القراءة ويبقي على غرائبية النص الرحلي لكنه يعطيها حساً روائياً مفارقاً. ويؤكد هذا أن بدر وارد السالم على درجة كبيرة من الوعي بفن الرحلة بجعله يتخذ طابعاً روائياً وتمثل ذلك في بثه فيها روحاً ساخرة وبناء مفارقاً سمح للكاتب باتخاذ موقف نقدي واضح مما يجري في العراق من تحولات كارثية، على جميع الأصعدة، والتي من المستحيل أن يتخذ منها الكاتب موقفاً حيادياً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية