الهنود يرحلون نحو الشرق

حجم الخط
0

الهنود يرحلون نحو الشرق

حسين سليمانالهنود يرحلون نحو الشرقاوقف الهندي عربته في الساحة وطفق يوضب اغراضه علي عجل كي يحملها علي طريق المراصد. الطريق شبه ملتو، يمر مرة جانب البحر ومرة ينعزل ويبتعد كي يمسي وحيدا.. هناك رمل وزرقة ويسمع بين الفينة والاخري ضجيج المياه.دفع العربة امامه وهو يقيس الرحلة القادمة، ولا شيء سيذكره بالماضي الذي راح يتركه. ماذا سيترك خلفه؟! لم ينظر الي الخلف. وكانت العربة تدور وتهز ذكرياته التي لا تريد ان تعلق في مكان واحد. المكان هو هنا، الهندي الأحمر يشير بالسهم نحو صدغه ونحو قلبه اي ان هناك حالة وجد. يترك شيئا في قارعة الطريق. العربة تئز وتجوش مياه ساخنة وكأنها ستنكسر تحت ثقل الديمومة. اقتربت منه عربة مهلهلة، بها فتاة تركت بلدتها من دون تحضير. في محفظتها دفتر ديون واوراق فيها اسماء. وعلي يدها وليد الساعة يبكي لأن المسافة لا تنتهي.فسألها ان تربط عربتها مع عربته حتي يتساعدان. عربتان.المسافة لا تنتهي، يقول وهو يضع يده ظلة وينظر نحو الافق.يقطعان الاميال، ثم يقفان. يوقد لها قليلا من النار من اجل الشواء. ويذهب علي قدميه يتحرز كي يصطاد عجلا بريا. هل تعيش العجول البرية هنا؟ تسأل الفتاة وهي تقضم اللحم والعظم وتطعم الوليد قليلا منه.فيجيب وفمه يقضم: غدا سوف اصطاد لك من البحر.ثم بحياء ـ بعد استراحة القيلولة ـ يستيقظ الهندي علي رائحة القهوة وهو يسأل: هل تتزوجينني؟ما زال الطريق مسافة ويريد صبرا. علي نحو بضع مئات من الامتار يريان عربة مكسورة لأسرة متعبة، اضناها الطريق واشعلت الشمس حريقها في القلوب. تسأل ان كانت العربتان ستحملهما المسافة المتبقية. المسافة طويلة، كان عليكم قبل الرحلة ان ترمموا العربة وتجددوا الحصان. لكن ليس باليد حيلة.فصعدوا العربة وراحت الاخيرة تنوء وتصر كأنها من نبات القصب.ينظر بين فترة واخري نحو الفتاة كي يقول لها: انها ثقيلة. ثم السمك.الماء مياه البحر الهائل يبرد ويقرقر ولا احد يدري ما يجري في داخلهيرفع رجل غطاء الخباء وهو ينظر نحو الارض كيف تدور تحت عجلات العربة. انها ثقيلة وتضرب علي مهل بحيث تطبع في كل مرة أثرا وأثرا وأثرا. من بعيد كل الاماكن، كل المعالم، من بعيد كومة رجال قاعدين ينتظرون قافلة.بينهم رجل يبكي، لقد سمعه الهندي، يهز جسده بحزن علي شيء مبهم، يضع يدا علي قلبه والاخري علي جبهته، يتأوه: واه واه واه. فيخشع قلب الهندي، يقف، يقول للحصان ويهز شكيمته ان يحمل هؤلاء الرجال المقطوعين. فلولاه لماتوا. تئز العربة، تصر، وترسم الاثر بقوة حيث انه اثر حجارة وحديد، لا يمكن محوه. كلهم هنود، ولنسيان ما حدث وللتسلية يرسمون في الطريق سحرا وطقوسا كانوا تركوها في منازلهم هناك. وينفخون الموسيقي في قربات اعدوها من جلد الحيوان الثقيل الذي اصطادوه الف مرة. هناك تلة. مرت امامهم تلال، تشبه هذه الاراضي بلادنا. فراحوا ينوحون مما جعل الهندي يومئ للحصان بالتوقف، هذه تشبه بلادنا فراح الحصان ايضا يهز قوائمه ويضرب قامته. كل شيء كائن وهو لا يرضي ان يهيم علي وجهه من دون تبيان. الحصان. يجب التوقف قليلا والتفكر قليلا يجب… يجب…. لماذا يركب الهنود الحمر عربة؟!يقص هندي معمر قصصه، وتظهر في وجهه صور جبال تركوها، تظهر في وجهه صور الثلج حيث يتساقط فوق كولارادو الآن ومناطق الشمال الآن ويتساقط فوق مونتانا الموغلة حتي اونتاريو كندا. هناك! يرفع ذراعه يشير. الا انه بعد قطع هذه المسافة الشاسعة لا يدري ان كانت هناك هي الهناك التي يريدها ام لا. فيخفض ذراعه مترددا، ربما نحو مكان آخر. نحن درنا دورة شبه كاملة من الغرب الي الشرق فضاع المكان.تأتي نجمة، نجمة هندية، تنحدر بضراعة من السماء، تخر، كي تضرب شيطان الارض. يجب النوم ثم عند الصباح نصعد الارض وندحل. الفوا اغانيهم، اغانيهم. ان يغنوا. والفرس والعربة والرجل الذي يقول ان الطريق لم يعد طريقا. لكن الفتاة تهز وليدها وتغني بصوت فيه بحة الصباح الباكر. الرجل الذي كان ينوح واه واه ينزل من العربة ويضع أذنه عند تراب الطريق ينصت الي صوت قادمين يلوحون من بعيد كأنهم عشرة او ربما عشرون رجلا مع نسائهم واطفالهم. فيأتي ويوشوش الهندي قائلا: انهم اكثر من خمسين نفرا. كيف تحملهم؟فيقف ويفكر. يجب.. يجب.. ان نبني خيمة هنا. ونؤلف قبيلة ناجية راحلة نحو هناك.يجتمعون، تنخلق الاصوات وتنخلق العذابات والتي تجعل الذكري مباحة. النساء والاطفال والعجز، الاشياء المكسورة في حياتهم، الاجنحة المهيضة تتبع اثر رجالها الذين ظلوا علي قيد الحياة. تغني وتداعب احلام الوليد، وتغني الحبيب الذي وقف يصارع حتي خر امامهم اما هي فكانت قد شدت قلبها وحملت وليدها تريد النجاة. غنت احلامها: سوف نصل الي المكان الآمن.لكن اين هو المكان الآمن؟ يسألها الهندي الاحمر الذي يستشرف المستقبل. وهل تتزوجينني؟حتي وصلوا.قطعوا البحر.قطعوا البلاد.قطعة قطعة. مساحة. رؤية. تاريخ. هنا مكاننا الجديد حيث نحن البعيدون عنهم. لن يقربونا مرة اخري، فلهم ذاك المكان ولنا هذا المكان.ان ارادونا فسيقضون اياما واسابيع كي يصلوا الينا. ولن يصلوا الينا لانهم سيضيعون…ونحن هنا في اقصي الارض وهم هناك. لن يصلونا ولن يريدونا مرة اخري حتي لو كنا علي أرض من ذهب.لكن الهندي الاحمر الذي يستشرف المستقبل رأي ان هذا الكلام غير صحيح وستثبت الايام القادمة انهم سيصلون في يوم واحد، ستثبت الايام القادمة انهم سيفعلونها مرة اخري. لكنه وهو يلتفت نحو الفتاة: هل ستتزوجينني؟ فنحن لن نرحل مرة اخري ان قدموا.كاتب من سورية يقيم في امريكا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية