“الهيكل الثالث”.. كتاب جديد يحذر من انهيار إسرائيل جراء “مخاطر داخلية”

وديع عواودة
حجم الخط
3

الناصرة- “القدس العربي”: يحذر كاتب صحافي إسرائيلي بارز في كتاب جديد بعنوان ”الهيكل الثالث” من تفكك إسرائيل نتيجة مشاكل ومخاطر داخلية أبرزها انقسام الإسرائيليين لأسباط متقاتلة وتدهور نظامها الديموقراطي وتحويلها من قبل نتنياهو في العقد الأخير من جمهورية إلى مملكة يحميها لوحده مقدما الطريق للنجاة من الهاوية.

ويأتي ذلك على غرار تحذيرات رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين الذي حذر من الفرقة بقوله قبل سنوات ضمن “خطاب الأسباط” قدمه في مؤتمر هرتزليا للمناعة القومية عام 2015 إن الانقسامات والمشاكل الداخلية أخطر على إسرائيل من قنبلة إيران.

ويؤكد آرييه شافيط في كتابه “الهيكل الثالث” أن الانقسام الداخلي هو التهديد الوجودي الجديد على إسرائيل التي يقول إنه يروي قصتها الحقيقية متسائلا فيه عما حدث ويقترح كيف يمكن إعادة تركيب ما تكسر فيها. ويقول شافيط إنه يحاول في كتابه فهم ماذا جرى للإسرائيليين: أين نجحوا وأين فشلوا؟ كيف نجحوا في صنع معجزة بإقامة إسرائيل وأي تهديد وجودي يتربص بها وكيف تفككت هذه وكيف يمكن تركيبها من جديد كي لا تسقط لأنه برأيه لن تجد فرصة رابعة للبقاء ولن يكون هناك هيكل رابع ولذا فهي تقف اليوم أمام فرصة الشعب اليهودي الأخيرة. ويستذكر شافيط أن فترة حكم نتنياهو في إسرائيل الممتدة على التوالي منذ 2009 حتى الشهر الماضي قد تميزت باستقرار استراتيجي واقتصادي وسياسي.

ويرى شافيط أنه رغم الخطر الإيراني والربيع العربي والإسلامي الراديكالي الذي هدد طيلة عقد بتفكيك المنظومة الشرق أوسطية تمتعت إسرائيل بفترة غير مسبوقة من الرخاء والهدوء حيث لم تنشب حروب ولم تقع “هجمات إرهابية“ كبيرة فيما كانت المواجهات مع حماس قليلة ومحدودة ولذا كان عدد المصابين الإسرائيليين خمس المصابين في العقد الذي سبق عقد حكمه: 230 مصابا بين قتيل وجريح في فترة نتنياهو مقابل 1178 في العقد الذي سبقه.

كما يقول شافيط إنه رغم الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008/9 تمتعت إسرائيل بعدها بازدهار استثنائي في الاقتصاد. ويرى أن انضمام إسرائيل لمنتدى دول جمعية التنمية والتعاون الاقتصادي (أو أي سي دي) واكتشاف حقول غاز ضخمة في البحر المتوسط مقابل سواحل البلاد علاوة على تطور صناعات الهياتيك كل ذلك ساهم في الازدهار الاقتصادي. ونتيجة لذلك ارتفعت نسبة النمو الاقتصادي (3.5%) سنويا في المعدل فيما هبطت نسبة البطالة إلى 3.9% فقط وهي من أقل النسب في العالم الغربي.

رغم هشاشة وسيولة المنظومة السياسية في إسرائيل فإن مدة حكم نتنياهو استمرت طويلا وصارت الأطول مقارنة مع فترات حكم رؤساء حكوماتها

ويوضح أنه رغم هشاشة وسيولة المنظومة السياسية في إسرائيل فإن مدة حكم نتنياهو استمرت طويلا وصارت الأطول مقارنة مع فترات حكم رؤساء حكوماتها ويضيف “للمرة الأولى منذ استقالة دافيد بن غوريون في 1963 حكم شخص في إسرائيل أكثر من سبع سنوات ومنذ الانقلاب الكبير في الحكم عام 1977 نشأ مركز سياسي وثابت وقوي وطويل الأمد ففي عقد ونيف بقي نتنياهو قائد السفينة لوحده في إسرائيل كما يشاء وعمل على صياغته وفق رغباته”.

ويعتقد شافيط أن الاستقرار الاستراتيجي والاقتصادي والسياسي ساهم في تحويل إسرائيل إلى دولة عظمى تكنولوجية وإقليمية ودولة بارزة في المجتمع الدولي ويضيف “تعززت مكانة إسرائيل كدولة ريادية في مجال الهايتيك مثلما توثقت علاقاتها مع عدد كبير من دول عربية طبعت علاقاتها معها، وعلى المستوى الثالث صارت روسيا والصين والهند واليابان دولا حليفة وليس فقط الولايات المتحدة”.

خصوبة الأم اليهودية

كما يشير شافيط إلى أن نسبة الخصوبة لدى الأم اليهودية ارتفعت لذروة غير مسبوقة: من 2.6 عام 1990 إلى 3.9 عام 2019، معتبرا ذلك نموا ديموغرافيا لا مثيل له في أي من الدول المتقدمة في العالم ومع هذا النمو شهدت إسرائيل نموا اقتصاديا مع طفرة استهلاكية وإحساس بجودة حياة رفيعة.

ويعتبر شافيط أن بنيامين نتنياهو أرسى دعائم حكمه على أساس تطوير نموذج حكم رئيس الوزراء الراحل مناحم بيغن (1977-1984) الذي قاد تمردا شعبيا على النخب الإسرائيلية التقليدية: تحويل رئيس حكومة وهو يشغل منصبه لقائد تمرد على حكم نخب لم يعد قائما بعد، تقسيم وتشظية المجتمع من أجل إنتاج توتر هوياتي يمنح حكم الفرد قوة وعظمة سياسية. ولهذا الغرض عزز نتنياهو التحالف بين أربع مجموعات سكانية كانت تشتهر بإقصائها خلال فترة حكم حزب “العمل” في الماضي فأشعل من جديد “التمرد الشرقي” محرضا اليهود الشرقيين وأشعل التمرد الديني- الوطني وتمرد اليهود المتزمتين (الحريديم) وتمرد المهاجرين الروس.

ويقول شافيط إن كل هذه التمردات بلغت ذروتها عشية العام 2000 وتجددت خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين وكان العدو المشترك لكل هذه المجموعات: المنظومات الديموقراطية غير المنتخبة والتي بقيت وفية لقيم إسرائيل القديمة: الصحافة، جهاز القضاء، جهاز الموظفين والبيروقراطية. وحسب شافيط “قام نتنياهو بإضعاف هذه المؤسسات بشكل منهجي بما في ذلك المحاكم وحراس العتبة والجيش والشرطة وداس كل معايير نظام الحكم السليم في دولة ديموقراطية تعمل”.

من جمهورية بن غوريون حتى مملكة نتنياهو

 ويتابع شافيط في كتابه “من أجل الاحتفاظ بقوته وتعزيز مكانته كقائد وحيد لا يوجد سواه- قاد تمردا شاملا ضد النظام السياسي الرسمي القائم فحول جمهورية بن غوريون لمملكة نتنياهو وتحت حكمه شهدت إسرائيل تحولا في الوعي: من نظام سياسي رسمي إلى ملكي”.

ويؤكد شافيط أن نتنياهو بذلك لم يكن وحيدا خلال العقد الفائت منوها لتحول عميق شهدته أيضا القوى المناهضة له في هذه الفترة فقد توقفت عن الحديث حول السلام وقللت التحدث عن العدل الاجتماعي مستخدمين المصطلح ديموقراطية كدعوة للمواجهة بمفهومها التبسيطي وحصروا رسالتهم الجوهرية برسالة سلبية شخصية: فقط ليس نتنياهو.

ويمضي شافيط في توجيه نقده للمعسكر المناهض لنتنياهو بالقول: “صارت الغاية لدى مناهضي نتنياهو تبرر كل الوسائل وبرروا عدم وجود تغطية إعلامية نزيهة لنجاحات وإخفاقات رئيس حكومة مثلما بررت تطبيقا انتقائيا للقانون ضد الفساد وحملة شعواء وغرائزية وبلطجية بهدف إنهاء حكم نتنياهو بكل ثمن حتى وإن كان يحظى بدعم نصف الإسرائيليين”.

ويضيف “ولذا فقد شهدت إسرائيل في العقد الأخير تغيرين مختلفين: تطورت وصارت دولة عظمى أمنية واقتصادية وتكنولوجية ودبلوماسية حيث زاد تعدد سكانها بـ20% وارتفع متوسط دخل الفرد بـ63% مثلما ارتفع مستوى المعيشة وتحسن الحالة الاستراتيجية بشكل دراماتيكي. وفي المقابل تورطت إسرائيل بذات الفترة بأزمة داخلية وهوياتية خطيرة. ضعف الحلم المشترك للإسرائيليين وتفكك نظامها الرسمي وتآكلت منظومتها الديموقراطية. وفيما اتسعت الفجوات الاقتصادية- الاجتماعية وتفاقم غلاء المعيشة وتفككت الأمة إلى أسباط، القطاع العام تحلل والنظام السياسي تكلس وشعر كثير من الإسرائيليين بالإهمال وافتقدت ثقة المواطن بقيادات إسرائيل ومؤسساتها وعندئذ تعاظمت المشاعر بالسخرية والاغتراب فحارب سبط السبط الآخر واقتتل الإخوة ونتج فراغ عميق وخطير في مركز حياة الإسرائيليين”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية