حسن بنشليخةما أروع أن تسترخي في مقعدك في إحدى صالات مهرجان مراكش السينمائي وتستمتع بفيلم بميزانية ضعيفة، ولكن برسالة إنسانية عالمية ونفحة روحية خالدة، بعدما تفجرت طبلتا أذنيك وتمزق قلبك وانسلخ رأسك وتخشى على نفسك من أن تسقط مغشيا عليك خلال مشاهدة الفيلم المغربي ‘أيام الوهم’، الذي لا يصلح لا داخل المسابقة الرسمية ولا خارجها، وتحاول أن تنساه بمجرد خروجك من قاعة العرض. أما فيلم ‘غيوم’ المكسيكي فقد أنتج بعين على المهرجانات الدولية وهذا النوع من السينما التي تحمل مسحة إنسانية هو ما نحتاج إليه، إذ يذكرنا بروائع السينما الايطالية وتظن انك أمام عبقرية فلينية. مائة عام من العزلةيعتبر هذا الفيلم أول إنتاج مطول كتبه بنفسه المخرج المكسيكي الخنضرو غيربر بسيتشي Alejandro Gerber Bicecci. يصور الفيلم عبر أسلوب يجمع بين الواقعية والرمزية، ويمزج بين التسجيلية والروائية وبلغة شاعرية مليئة بالدلالات، تجارب ثلاثة من الشباب. إنها قصة أندرس، وخوسي وفيليبي، ثلاثة أصدقاء يمرون بأخطر مرحلة في حياتهم: المراهقة. ويحاول المخرج أن يرصد لنا التغيرات في مظاهر النمو المختلفة التي يتعرض فيها الإنسان في فترة معينة من حياته، والصراعات المتعددة التي يعانيها داخلية كانت أو خارجية، كالأنانية والصدمة واستحضار الماضي، الذي يوحد ويمنع الشمل في نفس الوقت. وعبر أسلوب الفلاش باك المتميز يحملنا المخرج إلى نقطة انطلاق هؤلاء الأصدقاء الثلاثة وبيئتهم وطفولتهم. واستطاع بسيتشي أن يستعرض أوضاع’ قريتهم الفقيرة Iztapalapa ببعض من الجمال نفسه والصور السحرية التي تحويها قصة غابرييل غارسيا ماركيز ‘مائة عام من العزلة’ الحبلى بالاضطرابات الاجتماعية والنفسية والسياسية، التي يمكن أن تنطبق ليس فقط على المكسيك وحده ولكن على كل أمريكا اللاتينية، وفي نفس الوقت يقاوم الفيلم ويرفض أن يصنف في خانة السياسة، انه فيلم فريد يمنح كل المكسيك وربما أمريكا اللاتينية الإنسانية الكاملة التي حرمتها منها الانقلابات العسكرية والفوضى العارمة. حقق المخرج ذلك عن طريق الغوص عميقا في نفوس شخصيات الفيلم وعاش معهم لحظة بلحظة. ثلاث قصص من عالم تعبر عن وجه آخر، وتفتح زاوية للتفكير في المخاوف والآمال والألم والموت والحب وأصوات تشير إلى شعور من الخراب والضياع وإمكانية التجديد والتطلع لعالم أفضل لبشر مثل جميع البشر. فما ذنب أناس يعيشون في قرية فقيرة صممت بنيتها التحتية بطريقة متعمدة ليعاني سكانها من نقص المياه؟ استقطب المخرج المشاهد العالمي واستحوذ على مخيلته وطار به إلى الشوارع الضيقة للقرية، والتهميش الذي تعيشه والسيطرة التي تعاني منها، حيث الأسر المفككة، وإدمان الكحول، والعزلة واكتشاف الأجيال للجنس. واستطاع أن يستعرض أوضاع الناس ومعاناتهم في هذه القرية بدون الحاجة إلى أي مرافعات ايديولوجية ذات الطابع السياسي. إنها موضوعات ذات علامات سامية بروح حساسة عرف كيف يختارها ويتعامل معها بإبداعات التصوير والإخراج في أدق التفاصيل التي تحمل كل الجمال والمتعة والتألق الإنساني!
الإلهام السينمائيوضع الخنضرو بسيتشي بصمته الخاصة في الإلهام السينمائي بتقنيات جديدة وطرق وأساليب ملهمة في الإخراج وبأقل قدر من الكلام يستحق الاحترام. لقد أمتعنا حقا بسلسلة غنية باللقطات المتتابعة الرائعة والصور الجميلة في عملية صناعة الفيلم المكسيكي. واعتمد في الإخراج على عناصر جديدة مغايرة للنهج التقليدي بالكامل كالفلاش باك والاستغناء عن الأستوديو والتصوير مباشرة في الفضاء الخارجي، والاستناد إلى أحداث حقيقية غالبا ما تحمل في طياتها الوعي الاجتماعي أو السياسي، والاستعانة بممثلين غير محترفين من بين أشياء أخرى. هذا النهج أصبح سائدا في معظم الأعمال السينمائية المكسيكية التي وظفت الكثير من هذه العناصر في بيئتها الحقيقية ومع ناسها الطبيعيين، وتم التصوير على أرضية الواقع، الواقع الحافل بالتفاصيل والهموم الاجتماعية والسياسية. هكذا جاءت سينما المكسيك، من بين سينمات أخرى، لتكمل مشوار السينما الواقعية الايطالية بنفحة سياسية جديدة وحداثة عن جدارة مختلفة وتنقل واقع مجتمعها وتقاليده بكل أمانة وصدق بلغة هادفة شفافة وتقنيات عالية. ويأتي مشهد المسيح خلال الأسبوع المقدس مشحونا بالكثير من المعاني والرموز والدلالات المرتبطة بالتقليد الديني للآلام ليثري سرد الفيلم ويضفي عليه صبغة ثقافية أكثر عالمية بلمسات إبداعية مختلفة ومتميزة. وعلى الرغم من أن الفيلم يعاني في الجزء الأول من مشاهده إلا انه يتدارك أخطاءه ويعثر على إيقاعه واتزانه وتناغمه وتناسقه واستمراريته كلما تقدم إلى الأمام. ومن المشاهد التي تجعلك تتسامح مع أي ضعف نزل بالفيلم هو الفلاش باك الذي يعود بك إلى فترة رضاعة أبطال الفيلم. إنها لقطات تحفر في الذاكرة وفي أعماق الروح إلى الأبد، وتختطفك من مكانك أثناء مشاهدة هذه المقاطع وأداء الممثلين لأدوارهم ببراعة مذهلة وبكل عفوية وبراءة.
مخرج وناقد سينمائي من المغرب