الواقعية المستترة في رواية الشندغة

حجم الخط
0

الواقعية المستترة في رواية الشندغة

جمال ناجيالواقعية المستترة في رواية الشندغة تنحو الرواية الخامسة للقاص والروائي الاردني قاسم توفيق، التي حملت عنوان الشندغة ، باتجاه يبدو لأول وهلة متداخلا مركبا، لكنه في جوهره يقترب كثيرا من الواقعية المتخفية وراء احداث متناثرة تغطي حقائق مشتركة محزنة رغم التلاوين المتباينة التي ميزتها عن بعضها.والشندغة هي تسمية محلية في دبي، وتعني النفق عبر الماء، لكنها في الرواية تعني، تلك الاطلالة الذاهلة التي تتجاوز حيز المكان والزمان، لتقرأ ما يشف عن عباب الذكريات التي حاول الكاتب أن يتحرر من ضغوطها حين تتبع في روايته هذه، مراحل من حيوات ابطالها المنغمسين في لعبة ادركوا انها خاسرة!ولو حاولنا اعادة ترتيب احداث الرواية لوجدنا بأنها تحكي قصة اغتراب المهندس ناصر الحاج وسفره من عمان الي دبي للعمل في احد المشاريع الهندسية بعد عشرين عاما من النضال الطبقي الذي تم تجريده ـ بحكم الامتداد الزمني ـ من شروطه التطبيقية علي مستويي القول والفعل، وتحويله إلي ذكري لحوحة تطل برأسها من حين لآخر دون ان تملك شروط التحقق أو الإشهار بعد النقلة الكبري التي وضعت البطل في موقع وظيفي بعيد عن الطبقة العاملة من حيث السلوك، رغم قربه المكاني والوظيفي منها.ومع أن أحلام الثراء السريع عصفت بقناعات البطل ووقفت وراء قراره بالسفر الي دول النفط، إلا أن ثمة دوافع اخري حملت اهميات مضافة وشكلت مجتمعة عناصر ضغط علي هذه الشخصية ومنها: ذكريات الحروب والدمار والموت وما يمكن تسميته بـ(الحرية الضائعة).يتعرف ناصر في غربته علي عدد من الشخصيات ذات الصلة بعمله الهندسي (احمد الزين الفلسطيني الفلاح والمتعلم الذي تلاشت آماله الوطنية ازاء قضيته، سلطان سالم وزوجته مها ذات المحمولات الجنسية، والباكستاني بابو…)، اضافة الي سارة حبيبة البطل التي حاولت ممارسة دور الرقيب علي ضمير الكاتب، اما شخصية ميرنا اليوغوسلافية فبدت اشبه بزائرة للنص دون ان تمارس دورا في الحدث المركزي الا من حيث علاقتها بأحمد الزين والأبعاد التي حملتها هذه العلاقة التي كان لا بد من تدعيمها بشخصية الكنعانية لترسيخ الجانب الوطني لهذه الأبعاد.تتقدم الاحداث في الرواية وتتواري المفاهيم الايديولوجية في شخصية ناصر علي ضوء تطور علاقاته ،وما رافقها من معاناة انبعثت من صميم التناقض بين موقفه الماركسي من الحياة، وبين سلوكه اليومي الذي وضعه في نهاية الرواية أمام مرآة نفسه وذكري طفولته النقية ممثلة بهاجس الصبي الذي يلاحقه محاولا استعادة تلك البراءة التي طحنتها دواليب الغربة. ما ينطبق علي ناصر الحاج ينطبق بدرجات متفاوتة علي بقية شخوص الرواية : مها زوجة سلطان سالم التي تتكسب عن طريق العلاقات الجنسية المبتذلة، حاولت اجراء تغيير نمطي علي حياتها من خلال علاقتها بناصر، لكن، سرعان ما ذوت تلك العلاقة وانطفأت لتبدو في نهاية الرواية اشبه بمصباح أضيء لفترة وجيزة ثم انطفأ والي الابد. أما زوجها، المخبر السابق الذي تمكن من تغيير مسار حياته حين عمل في دبي، فقد عجز عن التحرر من ماضيه، إلي حد أن انتقامه من هذا الماضي اتخذ بعدا قاتلا حين سمح لزوجته ـ المهيأة أصلا ـ بممارسة البغاء وجمع المال، هذا الانتقام لم يكن نتاج قرار واع اتخذه سلطان، إنما هو محصلة تفاعلات عميقة تمت في قيعان روحه ولاوعيه، واتخذت هيئة قرارات الظل التي التقت مع أطماع زوجته مها في الثراء السريع الذي أفقدها تلك العلاقة التطهرية مع ناصر، مثلما أفقدها ثراء الحب وبهجة الحياة.احمد الزين ليس بعيدا عن هذا المآل وإن اتخذت حياته مسارا مختلفا وأكثر نقاء، فهو يعيش علي ذكريات أمجاد بترت قبل أن تثمر، سواء في طموحاته الوطنية التي تبددت، أم في علاقته بميرنا اليوغوسلافية التي لم تسمح له ظروف قضيته بإنجاب طفل منها، رغم محاولاتها التي بلغت حد التوسل، لقد دفن احمد الزين آماله ومبررات حماسته الوطنية حين وجد نفسه في لجة الاغتراب والعمل في احدي الورشات الهندسية بعيدا عن هموم الوطن، وعن ماضيه الحيوي مع ميرنا والكنعانية التي بدت مساندة لها من حيث ترسيخ الدور وترسيم الهوية.الباكستاني بابو بدا في الرواية أشبه بوسادة تتكئ عليها شخصية ناصر كلما أصابها التعب والإرهاق، إذ رغم تقطع وارتباك عملية التواصل اللغوي بينهما بسبب عدم اتقانه للعربية، الا ان تواصلا انسانيا آخر نما بينهما، ومبعثه ذلك الامتداد الطبقي الذي يجد ناصر نفسه فيه كلما عاد به الحنين الي بداياته الماركسية التي تبددت أيضا. أما سارة، التي حاولت باستماتة حماية حبها لناصر، فقد مارست دورا منبها جاذبا، ورقيبا اخلاقيا يحاول ضبط مسار الحياة الصاخبة لناصر الذي عمد الي التفلت منها في اكثر من موقع في الرواية، الأمر الذي أحالها الي مجرد مقترح عاطفي أو ملطف روحي لاجواء الغربة الساحقة..تلك هي شخوص الرواية، وتلك مصائرها التي تشير الي أن الشندغة هي رواية الجزر ذات المناخات المتعددة، التي ترتبط ببعضها عبر جسور لا مرئية كشفت الاحداث عن وجودها في ذاكرة الشخصية الرئيسية (ناصر الحاج) الذي احتفظ بقدر من التفاؤل المثير للحيرة ،وبقسط من الاندفاع الذي بدا مشرئبا في البدايات، ثم خبا بعد أن استقرت حقائق النهايات، بما فاض عنها من تداعيات تجولت في مساحات أيامه التي قضاها في غربته، وامتدت الي ما قبل تلك الغربة التي شكلت انتحارا ايديولوجيا، وانطفاء عاطفيا، واندحارا فظا لقناعات بدت متقادمة وغير قابلة للحياة من جديد. لقد احتملت شخصية ناصر الكثير من الإغارات المباغتة علي تخوم ذاكرتها، غير ان تلك الاغارات بدت مبررة في سياق الزمن الروائي، وفي تفاصيل الاحداث التي خرجت عن مساراتها التقليدية والتراتبية، لتزيد من صعوبة مهمة الروائي الذي وجد نفسه ـ في الثلث الأخير من الرواية ـ محاصرا بشخوصه. لا أدري ما اذا كان هذا الحصار جزءا من لعبة الروائي، أم أن اشتباكه مع شخوصه قد أفضي الي مثوله أمامها، والاستماع اليها، ضمن عملية تفاعلية بلغت ذروتها حين كشفت تلك الشخوص ،عن ميولها الدفينة للخلاص حتي من أثقال ذكرياتها.انها شخوص تحكي وتتحرك في برزخ الانتقال بين غربة الجغرافيا وغربة الذات، ومن عتمة البدايات التي تحسستها شخوص الرواية الي عتمة النهايات التي طمست أحلامها وآمالها في الحياة علي نحو أفضل ، مع التنويه الي أن النساء في هذه الرواية ـ مها وسارة وميرنا والكنعانية ـ لم يتممن حكاياتهن، فقد اجتاحتهن موجات من الكتمان، ووضعن النقاب علي ذاكراتهن ممسكات عن كشف الأسرار ،وهو ما ادي الي كشف مكامن القوة والضعف عند شخصية ناصر الحاج، الذي كان جريئا حد البسالة في محاولته لاقتحام تلك الاسرار، لكنه كان متفهما ومتسامحا وراضخا في حواراته وتفاهماته معهن، حتي ليخال القارئ ان ناصر ـ في نهاية المطاف ـ ليس سوي تعبير عياني عن نوايا غيرية تسللت الي شخصه هو، وشاغلته بحواراتها، ثم أرغمته علي اجراء تصفية حساب نهائية مع الماضي، حتي لو لم يكن راغبا بذلك.ربما اراد قاسم توفيق في روايته ان يبوح بالكثير مما يجول في ذاكرته ووجدانه، غير أن كابحا ما، كان يقف له بالمرصاد كلما اقترب من الشواطئ المحرمة، وربما اوجعته المصائر المحتمة لشخصياته الصاخبة، تلك التي هرولت نحو النهايات فرارا من نذر الدمار وشواخصه المنتشرة في تقاطعات ومنعطفات الرواية، ويبدو انه ادرك هذه الحقيقة الشائكة، وتوقف طويلا امامها، وقام بإدارة تفرعاتها ببراعة، حين استجاب ـ قدر استطاعته ـ الي متطلبات حرية الشخوص في مساحات عمله، وفي وعاء الشخصية الرئيسية التي بدت كما لو انها حققت انتصارا من نوع ما، دون الانتباه الي أن هذا الانتصار كان بيروسيا باهظ الثمن. كاتب من فلسطينQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية