الواقع العربي والتحديات الخارجية
د. يوسف نور عوضالواقع العربي والتحديات الخارجية خلال مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي انتشر في العالم العربي ما يعرف بالفكر القومي، وهو فكر اكتسب زخمه بعد تحرر كثير من بلدان العالم العربي والعالم الثالث من قبضة النفوذ الاستعماري، ووجد الفكر القومي قبوله في هذه الفترة عند كثير من أفراد الشعوب العربية لأنه خاطب الجماهير بطموحات وأحلام تشعرهم بتجدد شباب الأمة وقدرتها علي الصمود أمام الغزاة السابقين وقد وجد هذا الفكر في ظروف الحرب الباردة ما يشجع علي استمراره، ولكنه سرعان ما تحول إلي أداة في أيدي العسكريين الذين اعتبروه مفتاح الدخول بهم إلي عالم النفوذ والسياسة حتي اعتبر الكثيرون أن مجرد حدوث انقلاب عسكري في بلد من البلاد العربية نقلة تقدمية في طريق التحرر والعدالة الاجتماعية، وهكذا رأينا الانقلابات تتوالي في مصر وسورية والعراق واليمن والسودان وليبيا ولم يبق مكان سوي بعض الدول التقليدية لم يحدث فيه انقلاب، ولم تكن تلك مشكلة لأنه كان من السهل تصنيف العالم العربي إلي دول تقدمية وأخري رجعية، فالدول التقدمية هي التي تتمتع بالانقلابات العسكرية وسيطرة النخب التي تعلن شعارات كبيرة والدول الرجعية هي التي ما زالت تحت سلطة القبيلة والعشيرة والقيم التقليدية. وعلي الرغم من أن الدول المصنفة عسكرية كانت جميعها تلتقي في الشعارات الكبيرة، فقد اختلفت في توجهاتها الحقيقية بحيث رأينا حزب البعث العربي في بغداد ودمشق يختلفان مع ثورة يوليو في مصر ويختلفان مع بعضهما بعضا كما يختلف الجميع مع النظرية الجماهيرية في ليبيا والثورة في الجزائر وحكومة 17 نوفمبر في السودان وهلم جرا، ولكن مركز الثقل مع ذلك ظل في مصر التي صنفت نفسها قلب العروبة النابض واستقطبت الاهتمام بسبب الشعارات الكبيرة التي أعلنتها مثل الإصلاح الزراعي وإقامة مجتمع القوي العاملة وغير تلك من الشعارات الكبيرة. ولا شك أن حكومة الثورة المصرية واجهت في أول أمرها صعوبات بسبب الشكوك حول توجهات عبد الناصر ولكن نقطة التحول كانت بعد العدوان الثلاثي علي مصر في عام ستة وخمسين عندما التفت الأمة العربية كلها حولها ومنحت عبد الناصر تأشيرة الدخول إلي قلوب العرب، وهي تأشيرة قبلها راغبا وكانت بداية توجه جديد في اتجاهات ثورة يوليو. وهو توجه كانت له سلبياته وإيجابياته، ولا نريد أن نركز هنا علي الشعارات الداخلية لان ذلك يدخل ضمن السياسات المحلية بل نهتم فقط بالتوجهات الخارجية، ذلك أن عبد الناصر التقط الخيط وقرر في تلك المرحلة أن يكون زعيما للأمة العربية كلها وساعدته في ذلك خطاباته التي كانت مقبولة في إطار حركة التحرر الأفريقي والآسيوي التي عرفت بحركة تحرر العالم الثالث التي كان هو من قادتها البارزين، وأصبح عبد الناصر في حد ذاته رمزا لكثير من المعاني، وقد رأي فيه العرب بطلا قوميا خاصة بعد أن أدت سياساته إلي سقوط أنتوني إيدن في بريطانيا وتوافق مع انتصاراته بداية أفول الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عنها، ولكن زعامة عبد الناصر كلفت شعبه والأمة العربية الكثير ذلك أن النموذج الذي احتذاه بعد أن أمم قناة السويس لم يكن صالحا لمصر لأن سياسة التأميمات التي أصبحت سمة النظام المصري قد أثرت علي حركة التحرر الإقتصادي التي عرفت بها مصر منذ عهد محمد علي باشا والتي أدخلت مصر إلي العصر الحديث، كما أن التمسك بشعارات قومية لم يكن عبد الناصر يمتلك مشروعا لها قد أدت إلي اكبر كارثة في تاريخ مصر وهي كارثة عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين التي عرت حقيقة العسكرتارية الحاكمة في العالم العربي وزيف ادعاءات القوميين الذين لم يكن يجمع بينهم شيء سوي استخدام سلطة الدولة من أجل التحكم في أفراد الشعب العاديين، ولكن درس الهزيمة لم يستفد منه أي احد في العالم العربي ذلك أن هذا العالم الذي أدرك حجم الكارثة لم يتوقف كثيرا عند أسبابها بل تحرك للدفاع عند كرامة مجروحة وبالتالي وقف مدافعا عن عبد الناصر عندما قدم استقالته ولم يكن عبد الناصر في نظري جادا في تقديمه للاستقالة بل كان يريد تفويضا شعبيا جديدا وقد وجده، ولكن علي الرغم من هذا التفويض، فلم يتعاف من هزيمته، وتفسير ذلك اختياره خليفة له الرئيس أنور السادات عندما توجه إلي مؤتمر الرباط ولم يكن الكثيرون يعتقدون أن السادات هو الخليفة المنتظر لنظام عبد الناصر، ولم يكن عهده أفضل بل كان بداية عهد الاعتراف بالهزائم علي الرغم من التمجيد لحرب أكتوبر التي يحار الكثيرون في تفسير أسبابها، ولا يأخذون منها إلا جانبا واحدا هو العبور، وكان ذلك هو الشيء الذي تتمسك به الأمة العربية التي كانت تسير بكرامة مجروحة ولكن هذه التطورات كانت بداية مرحلة جديدة في التعامل الإسرائيلي الأمريكي مع العالم العربي وهو تعامل لم يقف عند حدود اتفاقات أوسلو ومدريد وغيرها من تحركات الخداع التي أفرزت خريطة الطريق والوعد بإقامة الدولتين بل تجاوزتها إلي رفع سقف المطالب الإسرائيلية، لأنه بعد أن كانت كل طموحات إسرائيل تتركز في أن تجلس مع دولة عربية في مفاوضات مباشرة أصبح طموح العرب أن يجلسوا مع إسرائيل كي تمنحهم الفتات، ولا يتساءلون عن الخسائر التي يواجهونها، وبلغت قمة المأساة في حرب العراق الأخيرة التي تمت تحت شعارات كاذبة مكنت الولايات المتحدة من تدمير بنية العراق التحتية وقتل رئيسه وأعوانه ومئات الآلاف من العراقيين بل وجعلتها تعيد العراق إلي العصر الحجري، ومع ذلك لا تنتفض أي دولة عربية أو تطالب بمحاكمة الذين تسببوا في هذه المأساة كلها بل ولا تطالب الدول العربية بالإفراج عن مواطنيها المعتقلين في غوانتنامو علي الرغم من معرفتها أن معتقل غوانتنامو معتقل غير شرعي وأن الولايات المتحدة اختارته لأنه يقع خارج نفوذ القضاء الأمريكي.وعلي الرغم من هذا الواقع المزري فإن الدول العربية المهزومة مازالت تتعاون مع الولايات المتحدة حتي وصل الأمر إلي أن تأتي وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلي الشرق الأوسط لتجتمع برؤساء المخابرات العربية وكأنهم موظفون في الإدارة الأمريكية ووصل الأمر بان تسمي الولايات المتحدة أربعا من الدول بالرباعية العربية التي مهمتها أن تدعم مطالب الرباعية الدولية المعجزة للشعب الفلسطيني الذي قضي وقتا طويلا يتفاوض من أجل تشكيل حكومة وطنية جديدة وبعد أن كونها فوجئ بان تشكيل هذه الحكومة ليس كافيا من أجل اعتراف المجتمع الدولي بها ورفع الحصار عنها لأن المجتمع الدولي لا يريد حكومة فلسطينية قوية، وفي هذا السياق يتعامل المجتمع الدولي مع الحكومات العربية وكأنها مجموعة من الأطفال وذلك بربط تعامله مع الحكومة الفلسطينية بمجموعة من الشروط مثل وقف أعمال العنف والاعتراف بدولة إسرائيل وكل تلك شروط لا تنبئ عن جدية في الموقف الدولي لأن القضية الفلسطينية هي قضية واضحة وكل خلاف بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل لا ينفصل عن المطالب الفلسطينية وإذن فإن نقطة الانطلاق ليست هي وقف العنف أو الاعتراف بإسرائيل بكون هذه أمور تتعلق بكرامة الشعوب بل بإيجاد حل نهائي للمشكلة الفلسطينية بحيث تختفي كل هذه المظاهر التي يقول المجتمع الدولي إنها تقلقه.ولكننا في الواقع لايمكن أن نتجاهل في هذا السياق حقيقة المواقف العربية المتخاذلة التي جعلت جامعة الدول العربية جثة هامدة وجعلت أمينها العام يهذي بكلمات وشعارات هو أول من يعلم أن الحكومات العربية لا تؤمن بها ولا تعمل من أجلها ولا نستطيع أن نقول إن مواقف الدول العربية هي فقط نتيجة ضعف أنظمتها لأن الحكومات العربية لو أرادت أن تقف في وجه الولايات المتحدة أو إسرائيل لتمكنت من ذلك ولكن معظم الحكومات العربية تتآمر علي شعوبها ولا تريد تغيرا في نظمها السياسية وبالتالي فإن أهدافها في الحكم لا تختلف عن أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل وهذا هو سر التناغم بين الجانبين وللأسف الشديد فإن الشعوب العربية تقبل هذا الوضع المؤسف وتصل قمة المأساة في مصر حيث لا يستطيع شعبها أن يصمد في وجه نظام حكم لا يقوم علي شرعية ديمقراطية ويعتمد علي النخب المسيطرة من أجل بسط نفوذه وقد وصلت المأساة في مصر أن الحكومة من أجل تغيير بنود الدستور اتجهت إلي تغيير المواد معتمدة علي أغلبيتها الحزبية دون اعتبار للمعارضة المقاطعة لجلسات البرلمان ومثل هذا الوضع يتكرر في معظم الدول العربية التي لا تحترم مواطنيها وليس لديها أي فهم لمفهوم الدولة الحديثة ونظمها ومع ذلك تلوك حكوماتها الشعارات المفرغة ولا تتوقف عند حقيقة مأساتها، وخير مثال لذلك النقاش الدائر بشأن الحكومة الفلسطينية والذي لا يقيم اعتبارا للموقف الدولي ويفضل دفن الرأس في الرمال حتي لا يري حقيقة الموقف الدولي المحيط بالواقع الفلسطيني.9