حامد شاكر يثور الحديث بين الناس في ليبيا عن أمور كثيرة يرونها ذات أولوية في المرحلة الحالية، أولها موضوع الأمن وارتباطه بحل الميليشيات أو انضوائها تحت لواء الجيش الوطني ووزارة الدفاع التي أعطانا وزيرها السيد أسامة جويلي صورة متشائمة حولها.. وثاني تلك الأمور موضوع المصالحة الوطنية الشاملة، التي لا تعني فقط التصالح بين مناطق أو قبائل، وإنما تعني طي صفحة الماضي نهائياً، وتوخي العذر لكل طرف، وألا يُؤاخَذ أحدٌ بموقفٍ اتخذه سوى موقف تجاوز فيه المعقول، فلكلٍ مبرراته، ولكلٍ منطلقه ومنطقه، لكن أمراً أهم لم يتطرق إليه أحد، برغم أنه أهم مما سبق وبدونه لا يمكن أن تنجح جهودٌ نحو أمن أو مصالحة أو غيرهما، ولا يمكن بغيابه إبعاد شبح التقسيم عن ليبيا، ولا حتى إرجاع القدر الأدنى من الاستقرار الذي غاب عن البلد وأصبح من إرث الماضي.. هذا الأمر المهم هو شرعية الدولة. والشرعية كما هو معروف هي حالةٌ قانونيةٌ وواقعيةٌ تبرر أعمال السلطات العليا في الدولة وهي تُستمد من الشعب، من حالة القبول الضمني لأعمال السلطات العليا.. وهذا القبول تتعدد أسبابه.. فهو إمّا أن يكون بسبب بيعةٍ عامةٍ كما في النظام الإسلامي، وإمّا أن يكون امتثالاً للقانون كما في الأنظمة الدستورية، وإما أن يكون نتيجة ثورةٍ.
النوع الأخير من الشرعية يسمى الشرعية الثورية، والفرق بينها وبين غيرها أنها شرعية مؤقتة (انتقالية).. فإذا امتدت عبر الزمن لسنوات فهي ليست شرعية الثورة وإنما هي شرعيةٌ أخرى نتجت عن أمرٍ آخر غير الثورة، حتى وإن أطلق عليها اسم الشرعية الثورية.. ومن شروط شرعية الثورة وجود قيادة لهذه الثورة.. فإذا لم توجد قيادةٌ فهي الفوضى حتى يأتي من يقود، وتكون له الشرعية. في مصر تدارك الجيش الأمر وأمسك بزمام الأمور، واحتفظ بالشرعية لنفسه.. وفي تونس لم يسقط النظام فالحكومة ظلت قائمةً برغم ذهاب الرئيس واستمرت شرعية الدولة قائمة.. في ليبيا نازع المجلس الانتقالي نظام القذافي على الشرعية فقد كان نزع الشرعية من النظام أحدَ أسلحة هذه الحرب، وعندما اختفى النظام أو انهار نتيجة تدخل الناتو المباشر، وظفر المجلس الانتقالي بالشرعية، وبدأ في ممارستها اصطدم بشريكٍ آخر فيها هو كتائب الثوار الذين قارعوا النظام بالسلاح؛ فهم واقعياً أحق بالشرعية من المجلس الانتقالي الذي هو في حقيقته مكونٌ من رموزٍ في النظام الذي قامت الثورة ضده، هذه الرموز لم يتغير عليها شيء سوى العلم الذي يضعونه أمامهم في مكاتبهم المكيفة، فثورة هذه الرموز هي ثورةٌ مكتبيةٌ لا أكثر، بينما كتائب الثوار كانت في المواجهة، صحيح أنها كانت وربما ما زالت تتلقى تعليماتها من قيادة حلف شمال الأطلسي، لكنها مارست عملاً حقيقياً كان هو الفاصل في المعركة.. مشكلة هذه الكتائب أنها ليست تحت ذات إمرة واحدة، ولا يمكن أن تخضع جميعها لإمرة واحدة، وهي بدون إمرة واحدة لن تتسنى لها شرعية الدولة.. ثم برز منافسٌ جديد هو حكومة الكيب التي ظفرت هي الأخرى بجزء من شرعية قيادة البلد في هذه المرحلة، فالشرعية في حالة انعدام الدولة تُكتسب بطريق الظفر.. وهذه حقيقة لم يدركها المجلس الانتقالي إلا بعد أن أراد تغيير رئيس الحكومة ووجد نفسه عاجزا عن ذلك. هذا الأمر جعلنا أمام حالةٍ من اللاشرعية، فالشرعية ليست مجرد كلمة، وإنما هي ممارسة ومن شروطها عدم تجزئتها، فإذا تجزأت انعدمت وحالة انعدام الشرعية في ليبيا تُفسر لنا بوضوح دعوى الفيدرالية في الشرق الليبي، فإقليم برقة لم يعد يربطه بإقليم طرابلس سوى الجانب الخدمي الذي تتحكم فيه الميزانية الصادرة من هناك، أي لم يعد يربطه بالدولة الليبية سوى الجانب المالي، عدا ذلك فهو إقليمٌ مستقلٌ من جميع النواحي وأهمها الناحية الأمنية التي تعني السيادة، والسيادة هي الوجه الآخر للشرعية، ومسألة بقاء برقة إقليماً ليبياً أو انفصالها أصبحت مسألة ضمير ليس إلا، فإذا تم اقناع هذا الضمير بعدم جدوى الاستمرار تحت مظلة ليبيا فسيكون من السهل تحريك قوات درع برقة إلى منطقة (القوس)، وإعلان برقة دولة مستقلة ذات سيادة، وأظن أن خبراء نفسيين يعملون على تسويغ هذا الأمر للمواطن في الشرق الليبي، من خلال تطويع العقلية الجماعية هناك وإعادة تشكيلها على وضعٍ جديدٍ وهويةٍ جديدةٍ هي الهوية البرقاوية، وسيتم إنجاز هذا الأمر بسرعة بحيث يصبح المواطن في برقة كارها لأن يعود إلى الهوية الليبية كما يكره أن يعود إلى الكفر.
إن حالة انعدام الشرعية، لايمكن أن تدوم، فهي فراغٌ من شأنه أن يُملأ، وملؤه لا يكون سوى بأحد طريقين، إما بتجزئة الكيان الكبير الذي غاب من يستطيع أن يبسط سيطرته عليه، وفي هذا الطريق يسير دعاة الانفصال في برقة الآن، وإما بوجود جهةٍ أو قوةٍ وطنية تأتي لأخذ الشرعية بالقوة، ومن خلال ثورة مضادة من أجل الشرعية، وأي الجهات التي ذكرناها المجلس والحكومة والكتائب ليست قادرة على القيام بهذا الأمر، فوجودها سببٌ لحالة الفوضى الحالية، وما كان سبباً للمشكلة لا يصلح لأن يكون سبباً للحل.
إن امتلاك الشرعية يحتاج إلى توافر عدة شروط، أولها القوة الكافية لبسط السيطرة وفرض حالةٍ من الأمر الواقع، وثانيها التأييد الشعبي، وآخرها الاعتراف الدولي، وهذه الشروط تتدرج في أهميتها بحسب الترتيب، وبعضها مترتبٌ على بعض، فالقوة تخلق التأييد وكلاهما يخلق الاعتراف الدولي، وإذا تخلف أحد هذه الشروط أو تراخى فإن النتيجة ستكون استمرار حالة اللاشرعية، وربما بروز جهةٍ جديدةٍ منافسةٍ للجهات الثلاث سالفة الذكر، وبخاصة إذا اكتسبت هذه الجهة الرابعة أرضاً أو إقليماً وفشلت في بسط سيطرتها على باقي الأقاليم، وقد يترتب أمرٌ آخر هو التدخل الأجنبي العسكري المباشر، وسيكون هذا التدخل مبرراً ومعززاً من الأمم المتحدة، وسيؤول إلى انفصال أقاليم ليبيا وإعلانها دولاً مستقلة. ختاماً أقول إن على الليبيين، في الشرق وفي الغرب وفي الجنوب ألا تأخذهم العزة بالإثم، وأن يعوا أن بلادهم في انتظار معجزةٍ لانتشالها من الضياع، وإخراجها من مهزلةٍ تاريخيةٍ سيلعن من أجلها كلُّ خلفٍ سلفَه، وستنعتنا الأجيال القادمة بأسوأ النعوت.. وأن ليبيا لن تقوم لها قائمة والانتقام والتشفي يأخذان فيها بعدا رسميا، ويتم تقنينهما على مرأى ومسمع العالم، وأقرب الأمثلة قانون تجريم تمجيد الطاغية الذي أصدره المجلس ويسري بأثر رجعي، فهذا القانون يدل على أن الليبيين قد خرجوا من رمضاء حكم الفرد، ليقعوا في جحيم حكم الأفراد. ‘ كاتب ليبي