الوباء في «القلعة البيضاء» لأوروهان باموق

 في ظل الظروف الحالية المتسمة بانتشار وباء كورونا عبر العالم، وما تسببت فيه هذه الجائحة من تداعيات مقلقة، جعلت الجميع يضع يده على قلبه، في انتظار المجهول، خاصة بعد اتساع رقعة الوباء، وعجز دول متقدمة وقوية عن التغلب عليه، لا شك في أن ذاكرتنا تعود بنا القهقرى إلى مخزوننا القرائي، بحثا عن نصوص أدبية تناولت موضوع الأوبئة، من قبيل «الطاعون» للفرنسي ألبير كامو و«العمى» للبرتغالي جوزيه سراماغو.
ومن بين هذه النصوص التي تناولت هذا الموضوع رواية «القلعة البيضاء» للتركي أورهان باموق، التي تعد من أهم الروايات التي تحدثت عن انتشار الأوبئة، خاصة وباء الكوليرا وعن الحجر الصحي الذي كان سببا في انحساره.
تحكي الرواية عن شاب إيطالي شغوف بالمعرفة، كان دائم التنقل عبر العالم من رحلة إلى أخرى تطويرا لأبحاثه. وأثناء إحدى رحلاته من البندقية إلى نابولي وقع أسيرا في أيدي قراصنة أتراك، فلم يقتلوه بسبب ادعائه أنه طبيب، فاستغلوا خبرته في معالجة المرضى والمصابين في الحروب التي لم تكن تنتهي إلا لتبدأ من جديد، وبعد أن استقر بهم المقام في البر باعوه لأستاذ تركي، أوقف حياته على اكتساب المعرفة، وبعد نفور متبادل ما بين الرجلين، نتيجة لاختلاف الطباع، أصبحا صديقين، يجمعهما الشغف بالمعرفة، بالإضافة إلى الشبه الغريب الذي جعل الجيران يظنون الشاب الإيطالي أخا للأستاذ، وقد اجتمعا بعد فراق طويل «إن الداخل إلى الغرفة يشبهني إلى حد لا يصدق. كأنني هناك. هذا ما فكرتُ فيه لأول وهلة. كأن أحدهم يريد أن يلعب معي لعبة، فأدخلني مرة أخرى من الباب المقابل للباب الذي دخلتُ منه.. عندما تقابلنا، تبادلنا التحية. لم تبدُ عليه الدهشة كثيرًا؛ عندئذ قررتُ أنه لا يشبهني كثيرًا، وهو ملتحٍ. كأنني نسيتُ ما يشبهني ويشبه وجهي فيه. عندما جلس مقابلي خطر ببالي أنني لم أنظر في المرآة منذ سنة».
بدأ الرجلان معا أبحاثا علمية، كان يقدمها العالم التركي للسلطان قصد الحصول على مكانة سياسية في القصر. ومن بين المواقف الطريفة التي وقعت بين الرجلين محاولة إقناع العالم الإيطالي للعالم التركي باستعمال المنضدة في الكتابة. إذ أن التركي كان مصرا على الكتابة على الأرض محافظا على التقليد الذي ورثه عن أجداده الأتراك، وبعد محاولات عدة من الإيطالي جرّب التركي الكتابة على المنضدة. فبدت له مريحة أكثر في العمل، فأخذ تدريجيا يقبل الفكرة، حتى جاء الوقت الذي لم يعد قادرا على الاستغناء عنها. خلال تلك الفترة أصيبت إسطنبول بوباء، فالتجأ السلطان للعالم التركي ليقدم حلا لانتشار الوباء، بعد أن فشل من حوله في ذلك، خاصة الفقهاء، الذين اعتبروه قضاء وقدرا، فتجند الرجلان التركي والإيطالي لفعل ذلك، بعد جولات والتقاط الأخبار، خاصة أعداد الموتى، اقترحا على السلطان عملية عزل الأحياء عن بعضها ومطالبة الناس بلزوم بيوتهم. وكانا يقدمان إحصاءات يومية للموتى، فأظهر تناقص أعداد المتوفين فعالية الحجر والعزل الصحي للأحياء وتجنب التجمعات، ما ساهم بشكل تدريجي في انحسار المرض.
وبعد القضاء على الوباء قرّب السلطان العالم وصديقه الإيطالي، وكلفهما بصنع سلاح يرعب به أعداءه في أوروبا، التي كان السلطان يغزو أراضيها، فتوغل فيها حتى بلغ ما يسمى الآن بدول أوروبا الشرقية. إنها باختصار رواية جميلة ومشوقة، تعتبر من أهم الروايات العالمية، التي بالإضافة إلى المعلومات التي تقدمها عن الدولة العثمانية في القرن السادس عشر، تعطي القارئ درسا في التسامح الديني، وأهمية العلم في حياتنا، فرغم اختلاف دين كل من التركي المسلم والإيطالي المسيحي، إلا أنهما عملا معا كأخوين، من أجل تحقيق أهداف غاية في الأهمية، من بينها القضاء على الوباء الذي كان يحصد الأرواح، بدون رحمة. كما أنها تعد مساهمة مهمة من الكاتب في إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب، ضمن طرحها العميق للثنائية الفلسفية الذات والآخر.

٭ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية