إسطنبول – الأناضول: في مطلع عام 2020، أضحت جائحة كورونا الأزمة العالمية الأولى على كافة المستويات وخاصة على المستوى الاقتصادي. ولا يكاد اقتصاد أي دولة في العالم إلا وتأثر بها بشكل أو بآخر، ومنها اقتصاديات الدول الخليجية الست. وترتبط الأزمة الاقتصادية المتوقعة الناجمة عن إجراءات العزل داخليا بأزمة أخرى هي تراجع أسعار النفط في السوق العالمية إلى مستويات غير مسبوقة، بسبب تعطل الكثير من القطاعات الحيوية في الاقتصاد العالمي.
حرب الحصص السوقية
وتعتمد اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة كبيرة على إيرادات تصدير النفط والغاز إلى العالم. وتراجعت أسعار النفط إلى أقل من 11 دولارا للبرميل الواحد لأسباب منها حرب الحصص السوقية بين السعودية وروسيا والولايات المتحدة بعد انهيار التوافق داخل مجموعة دول «أوبك+» على تحديد حصص الإنتاج، ومحاولة كل دولة من الدول المنتجة الثلاث الاستحواذ على النسبة الأكبر من النفط المصدّر إلى الحد الذي أدى إلى زيادة في العرض وامتلاء معظم الخزانات الإستراتيجية وبالتالي ضعف الإقبال على الشراء.
ومع تراجع أسعار النفط ستتراجع إيرادات الدول المُصدِّرة في الخليج والتي تعتمد بدرجة كبيرة جدا على استيراد القسم الأكبر من احتياجاتها، بما في ذلك الغذاء.
ومنذ عقود تبدي دول مجلس التعاون الخليجي تخوفا من تدني مستويات الأمن الغذائي. وتضع منظمة الأغذية والزراعة العالمية «فاو» تعريفا مبسطا للأمن الغذائي بوصفه «جزء من البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لتمكين جميع الناس في جميع الأوقات من الوصول إلى غذاء كاف وآمن ومغذٍ يغطي الاحتياجات الشخصية للتمتع بوضع صحي جيد».
وطيلة عقود، لم يشكل الأمن الغذائي مشكلة حقيقية لدول مجلس التعاون بفضل وفرة مواردها الاقتصادية والمالية قياسا إلى عدد سكانها الأصليين، وقدرتها على توفير النسبة الأكبر من الغذاء من موردين إقليميين ودوليين لسد النقص في الإنتاج المحلي، وهو في الغالب يشكل النسبة الأقل.
وتعاني معظم الدول العربية، بما فيها الخليجية، تحديات متعددة الأبعاد تتعلق بالنمو السكاني السريع غير المتوافق مع زيادة الإنتاج السلعي الزراعي والحيواني اللازم لتحقيق الاكتفاء الغذائي، فضلا عن التراجع في كميات المياه سواء مياه الأنهار أو المياه الجوفية أو مياه الأمطار، إلى جانب غياب رؤية إستراتيجية لتجاوز مخاطر عدم تحقيق الأمن الغذائي. ولا يبدو أن الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية المنتجة سواء الزراعية أو الحيوانية كفيلة بتحقق متطلبات الأمن الغذائي، ما لم تتخذ هذه الدول خطوات متزامنة تبني أسس سياسة عامة لمنع تراجع مستوى الاستهلاك الغذائي إلى مستويات دون الحد الأدنى وفق معايير «منظمة «فاو» و»منظمة الصحة العالمية».
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي تبنت الكثير من الدول العربية تخصيص حصة أعلى من موازنتها للاستثمار في القطاع الزراعي وتنميته لتبديد مخاوف الاعتماد على الاستيراد وتبعاته على الأمن الوطني لكل دولة واحتمالات ممارسة ضغوط تنعكس على القرار السيادي. لكنّ ضعف أداء الأنظمة السياسية والمؤسسات التابعة لها كان وما زال يسهمفي تعطيل حركة التنمية والاستثمار في القطاع الزراعي رغم توافر عوامل رأس المال والتقنيات الخاصة. يذكر أن أن ضمان الأمن الغذائي في حقيقته لا يعتمد فقط على الإمكانيات المالية العالية لدول مجلس التعاون في تحقيق الاكتفاء الذاتي أو الجزء الأكبر منه، مع اللجوء إلى الاستيراد لتلبية ما تبقى من الحاجات الغذائية لسكان الدول الست سواء الأصليين أو المقيمين والوافدين. ففي السعودية مثلا، رغم أنها الدولة الأكبر من حيث عدد السكان والموارد الاقتصادية والمساحة، اتخذت الحكومة قرارا في 2016 بالتخلص التدريجي من إنتاج القمح محلياً لعدم استنفاد كامل احتياطياتها من المياه الجوفية اللازمة لأغراض أخرى، كالصناعة وتوفير مياه الشرب الصالحة وغيرها، حيث يرتبط الغذاء بالماء ارتباطا جدليا. وقد تكون ندرة المياه في بعض الدول من أسباب تدني مستوى الأمن الغذائي فيها، ما يدفع في اتجاه التركيز على استيراد المواد الغذائية، كبديل عن استثمار الأراضي الصالحة للزراعة، فضلا عن منع استهلاك كميات من الماء تظل الحاجة إليها للاستهلاك البشري أكثر إلحاحا من الحاجة للإنتاج الزراعي.
الأكثر فقرا من حيث الموارد المائية
ويسود طقس حار في دول مجلس التعاون الخليجي معظم أيام السنة إلى جانب انخفاض مستويات هطول الأمطار وندرة مياه الأنهار وعدم وجود كميات ضخمة من المياه السطحية وغيرها من العوامل التي تضع دول المجلس في تصنيف الدول الأكثر فقرا من حيث حصة الفرد من الموارد المائية بالقياس إلى عدد السكان. ويتزايد القلق بين الدول الخليجية من خطورة تراجع مستوى الأمن الغذائي عن المستويات الاعتيادية، وضرورة العمل داخل مجلس التعاون على تشكيل منظومة إقليمية تعنى بالحد من المخاطر. ويولي مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه عام 1981 أهمية بالغة لما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي. لكن المجلس سجل الاهتمام الأكبر بهذا الجانب بعد أن مرّ العالم عامي 2007 و2008 بأزمة اقتصادية نتج عنها «طفرة» غير متوقعة في أسعار الغذاء في السوق العالمي بسبب ارتفاع أسعار النفط الذي يشكل النسبة الأكبر من الإيرادات الخليجية. وأدركت في حينه دول مجلس التعاون الخليجي حقيقة غياب سياسة أو إستراتيجية بعيدة المدى لتحقيق الأمن الغذائي. فرغم الإعلان عن برامج تنمية زراعية، بل وبدء تنفيذ عدد منها تستورد دول التعاون الخليجي ما بين 70 و90 في من حاجاتها للمواد الغذائية الأساسية.
ومؤخراً تبنى بعضها مبادرات بالاستثمار في القطاعات الزراعية في الدول الأخرى، مثل صربيا والولايات المتحدة والسودان والأردن والصومال ودول عربية وافريقية أخرى.
وفي الشهر الحالي اقترحت الكويت إنشاء شبكة أمن غذائي إقليمية خاصة بدول المجلس الست لضمان تأمين الإمدادات الغذائية الكافية، وتلبية الاحتياجات الغذائية وسد نقص الغذاء الأساسي في أوقات الأزمات.
وقالت وزارة التجارة والصناعة الكويتية في بيان صحافي، عقب اجتماع وزراء دول المجلس عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، إن الوزراء يعملون على التأسيس لرؤية موحدة للأمن الغذائي لدول المجلس لدراستها واعتمادها قريبا. ودعت الكويت إلى وضع ترتيبات خاصة في مراكز مراقبة الحدود والجمارك لضمان الحركة السلسة للإمدادات الغذائية والأدوية الأساسية بين دول مجلس التعاون الخليجي. علاوة على ذلك ، أشارت الوزارة الكويتية إلى أن وزراء دول مجلس التعاون الخليجي ناقشوا أيضًا التداعيات الاقتصادية المتوقعة لفيروس كورونا. وأكدت على أن الكويت ستواصل تنسيق الجهود وتبادل المعلومات مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى في هذا الوقت الدقيق للمساعدة في تأمين الاحتياجات الغذائية.