تفهم من قبل اليهود الذين عانوا من نفس الظروف سابقا
من المعروف ان المدي العمري للامور المصيرية في اسرائيل أقل من مدي عمر الفراشة الصغيرة. طول عمر اية قضية مثيرة للخواطر علي الرفوف لا تتجاوز اربعة أيام اعلامية وربما تزيد عليها عدة ايام هامشية في صفحة المراسلات أو في البرامج الاذاعية الهامشية.
فسرعان ما تظهر فضيحة جديدة لتغطي علي سابقتها التي تغيب في فضاء القيادة او تقع في مصيدة تكرارية من مصائد جمعية شؤون الجنود المطبوعة. قبل بضعة ايام لا نعرف عددها اهتاجت البلاد وماجت (علي الاقل جزء منها) حول ثلاث وثائق قامت ثلاث جهات بنشرها. الوثائق تمحورت حول رؤية مستقبلية او قائمة لمطالب السكان العرب في اسرائيل.
وبينما كانت الخواطر مهتاجة من هذه الوثائق انتقل الاهتمام الاسرائيلي الي قضية بني سيلع وسارعت الاضواء الجائعة للانقضاض علي الصرعة الجديدة اللذيذة.
ولكن الان بعد القاء القبض علي بني سيلع وعلي أمل ان تمر بضعة ايام الي ان تندلع الصرعة القادمة ربما تتوجب المسارعة الي افلات بضع كلمات قصيرة حول المسألة السابقة: وثائق الرؤية المستقبلية لعرب اسرائيل. ومثلما عودتنا الهستيريا المحلية كانت ردود الفعل علي اوراق العمل هذه تتراوح بين زبد مرتفع الامواج وبين الفزع العميق بين اعلان الحرب وبين نهاية العالم وكالعادة ايضا لم يخل الجدل حولها من الكلام الفارغ.
في اساس القضية تطالب تلك الاوراق بدرجة متغيرة الشدة بالاعتراف بالاقلية العربية في البلاد كمجموعة عرقية ذات حقوق جماعية: حكم ذاتي تربوي وثقافي وربما اداري ايضا. وحق ايضا في الرموز الوطنية. المساواة والتمثيل. حق الحفاظ علي الارتباط والصلة بابناء شعبهم في المهاجر.
ولو كان من وضعوا هذه الوثائق اكثر سخاء بقليل واكثر ذكاء في صياغة الاساس التاريخي لمطالبهم لوفروا علي أنفسهم قدرا غير قليل من الانتقادات غير الموضوعية. علي سبيل المثال جاء في احدي هذه الوثائق: اسرائيل هي وليدة الاعمال الكولونيالية التي بدرت اليها النخبة اليهودية ـ الصهيونية في اوروبا والغرب.
يا ليت اسرائيل ـ لشدة الاسف والتواضع ـ كانت في آخر المطاف وليدة للاسامية والنازية. في كل الاحوال من المسموح به مطالبة شخصية جماهيرية تكافح من اجل حقوق مجموعتها العرقية وحقها في تقرير مصيرها ان تكون اكثر اصغاء وانفتاحا لحق مجموعة عرقية اخري في تقرير مصيرها. او لن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية الا نتيجة من نتائج الحقبة الكولونيالية وردا ملائما علي كل السنوات الطويلة التي حرم فيها ابناء الشعب الفلسطيني من هذا الحق. هذا الاصرار علي المناكفة التاريخية والتناحر يسمح للمناكفين التناحريين من الطرف الاخر بأن يتملصوا من الحاجة لموجة الوثائق نفسها، ذلك لان هذه الوثائق لا تنطوي علي مصيبة او اعلان حرب وانما هي تحمل نفحة من الامل والرغبة الصادقة اخيرا في مواجهة هذا الشرك المشحون.
ومن الناحية الاخري من المسموح ايضا ان نتوقع من الشعب اليهودي ان يكون اكثر اصغاء وانفتاحا علي قائمة المطالب التي تقدمها اقلية عرقية متذكرين انهم طالبوا وما زالوا لانفسهم بنفس ما ورد في تلك الوثائق طوال مئات السنين: الحق في الحكم الذاتي الثقافي والديني والحق في التمثيل والاعتراف بحقوقه كأقلية عرقية ودينية والحق في رفع رموزه الوطنية وانشادات نشيده والحق في ان يكون مواطنا كاملا متساوي الحقوق من دون فقدان ارتباطه بباقي ابناء الشعب الموجودين في المهاجر وبالدولة التي قام بها جزء من هذا الشعب بتجسيد تطلعاته القومية وحقه في تقرير المصير من خلالها.
ولكن ربما ابالغ في مطالبي. فمن الذي يوجد لديه وقت وطاقة للتوقف المعمق المطلوب عند هذه العقدة الرقيقة الحساسة القابلة للاشتعال؟ بين حرب لبنان وبني سيلع، بين فساد القيادة والتهديد الايراني، بين حكومة فوضوية وشرطة سخيفة، بين المنازل الفاخرة ومراكز الاغاثة، بين صواريخ القسام وقرارات الاغتيال والتصفية، ذلك لانه من الاسهل والافضل مواصلة المناكفة والمعارضة والاستخفاف والاستهزاء والاصابة بالفزع والشعور بالمهانة. إذاً هذا ما سيكون.
ب. ميخائيلكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 12/12/2006