عبد الحكيم أجهرإن المصطلحات والمفاهيم التي اتسع شيوعها اليوم مع الثورات العربية مثل: ديمقراطية، استبداد، مجتمع مدني، مواطنة،.. لن نجد لها مكاناً في كتابات المفكرين الإسلاميين قبل عصر النهضة ومنهم ابن تيمية (ت. 728 هـ/ 1328 م). ولكن يوجد في كتابات هذا الأخير ما يؤهل أتباعه امتلاك ذهنية مختلفة تقودهم إلى مفاهيم العصر تلك مع قليل من الاجتهاد. ابن تيمية الذي نقرأ عنه في الكتب ليس ابن تيمية الحقيقي، إنه إعادة إخراج وصناعة نظرية جعلت منه واحداً من مرجعيات التشدد الديني عند أنصاره وخصومه معاً. لكن ابن تيمية الحقيقي المطلوب قراءته اليوم من قبل الإسلاميين الصاعدين إلى الواجهة السياسية سيساعد هؤلاء على امتلاك التفكير العقلاني المرن، وربما على تغيير الكثير من المسلمات الفكرية التي مازالت هذه القوى تعيش عليها وتعتبرها من الثوابت التي لا تقبل المراجعة. ينتمي ابن تيمية نظرياً إلى التيار الحنبلي الذي يُعتبر مرادفاً أو المصدر الأساس بشكل من الأشكال للتيار السلفي المعاصر، ولكن في حقيقة الأمر فإن ابن تيمية انتقد أكثر من أي مفكر آخر، داخل التيار الحنبلي وخارجه، التفكير الحنبلي، وكانت انتقاداته عميقة إلى درجة تمس أسس المذهب كله. فقد انتقد على سبيل المثال حرفية الحنابلة في فهم النــــص القرآني، وهي واحدة من ثوابتهم الكبرى، ودعا إلى تأويل القرآن تأويلاً يختلف عن التأويلات التقليدية، كتأويلات المعتزلة والأشاعرة المتأخرين الذين اعتمدوا نظرية المجاز اللغوي في هذه المسألة. ذهب ابن تيمية إلى أساس نظري آخر ليشرح مبدأه في التأويل المستند على فكرة (مُراد النص)، أو (قصد النص)، والتأويل التيمي الناتج عن تدبر قصد النص لا يختلف عن التأويل اللغوي فقط، بل يختلف أيضاً عن نظرية الظاهر والباطن التي عرفها المتصوفة وبعض الفرق الدينية. يعلن ابن تيمية موقفه المناصر للتأويل من خلال قبوله تفسير الآية القرآنية المعروفة التي تنص: ‘ومايعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به’ (آل عمران: 7) بجعل الراسخين في العلم معطوفة على الله، ويرفض فصل الآية وجعل التأويل مقتصراً على الله فقط. هذا الموقف هو موقف العدد الأقل من المفكرين في تاريخ الفكر الإسلامي الذين تمتعوا بجرأة فكرية كبيرة، مثل ابن عربي وابن رشد، على خلاف معظم المدارس المحافظة في الإسلام. يرفض ابن تيمية موقف الحنابلة الذين قالوا إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، وإن الله هو الوحيد الذي يعرف ذلك ويحتكره لنفسه وسوف يكشف عنه يوم القيامة، ويدعم هؤلاء رأيهم بآية تنص على: ‘وهل ينظرون تأويله إلا يوم يأتي تأويله’ (الأعراف: 53). القرآن عند التيار الحنبلي والكثير من التيارات المحافظة هو نص مغلق في كثير من جوانبه، الأمر الذي يضفي نوعاً من السرية والغموض عليه، على عكس ابن تيمية الذي اعتقد أن القرآن نص مفتوح قابل للفهم كله، وأن البشر الذين جاءهم النص قادرون على فهمه بالتدبر والكشف عن مقاصده، وهذا الفهم ليس حكراً على مرجعيات دينية أو روحية محددة بل هو مُتاح لكل متعلم وعالم، يقول في ذلك: ‘إن الله قد أمر بتدبر القرآن مطلقاً ولم يستثن منه شيئاً لا يُتدَبر، ولا قال: لا تدبروا المتشابه، والتدبر بدون الفهم ممتنع’ (تفسير سورة الإخلاص، ص. 263). وينتقد في هذا السياق الحنابلة وبعض أهل السنة الذين اعتقدوا: ‘بغير خبرة تامة… ظنوا أن المتشابه لا يعلم معناه إلا الله’، والذين كانوا يقولون: ‘النصوص تجري على ظواهرها ويرفضون أي تأويل يخالف الظاهر’. ويوجه ابن تيمية نقداً شديداً لهذا الفهم ويتهم أصحابه وهم غالباً حنابلة وظاهرية بالتناقض وعدم الخبرة وبالفهم الحرفي، ويسألهم: ‘أي فضيلة في المتشابه حتى يستأثر الله بعلم معناه؟’. ولم يتوقف ابن تيمية عند هذا الحد بل قام بتوفير كل المقدمات الفلسفية لتبرير نظريته في التأويل، فاعتبر أن القرآن مُحدث، وأن كلماته تحدث في ذات الله شيئاً بعد شيء حسب ضرورات التنزيل، قبل خروجها عن الذات الإلهية ألفاظاً صوتية قابلة للقول الإنساني والتدوين، ويؤكد رأيه بالآية القرآنية الصريحة في هذا الشأن: ‘ما يأتيهم من ذكر من ربهم مُحدث’ (الأنبياء: 2). وقام ابن تيمية من جهة أخرى، بممارسة تأويلات على القرآن تجاوزت في جرأتها ما قدمه الفلاسفة المسلمون قبله. فهو يؤمن أن العالم ليس له بداية ولا نهاية، وأنه سيرورة أزلية من الخلق وإعادة الخلق، وأن العالم يتحرك وفق طبائعه الخاصة ووفق الضرورة ومبدأ السببية، وهو بذلك يضع حداً لواحدة من أهم الأفكار رواجاً في الإسلام التي تقول بالخلق من عدم، حنابلة وأشاعرة ومعتزلة وفقهاء.. ، ويدعم وجهة نظره بتأويل القصد الإلهي كما يقول في هذا الشأن بتناول مجموعة آيات قرآنية تثبت نظريته. بالنسبة لابن تيمية فإن الآية القرآنية التي تقول ‘إن ربك فعّال لما يريد’ (هود: 107) تعني أن الله فاعل أزلاً، إذ يستحيل أن تتأخر فاعلية الله عن إرادته، وتتأخر إرادته عن وجوده ذاته. إذن هناك ثلاثة أشياء متلازمة أزلاً مع بعضها: الله وإرادته وفاعليته، الأمر الذي يجعل العالم في حالة إنشاء أزلي. وهذا الخلق الأزلي تثبته الآيات القرآنية التي تشير إلى هذا التدرج في الخلق شيئاً بعد شيء دون بداية، مثل: ‘ثم استوى إلى السماء وهي دخان’ (فصلت: 11)، و ‘كان عرشه على الماء’ (هود: 7)، وأن ‘ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش’ (الأعراف: 54).. ، كل ذلك يؤكد تسلسل الخلق وعدم بدايته. ويبدو ابن تيمية هنا قريباً جداً من فهم ابن رشد للمسألة نفسها. ولكنه يذهب بطريقة أكثر جرأة من ابن رشد، لأن هذا الأخير قد قرر أن الانتقال من أزلية الله إلى سيرورة الخلق يحتاج إلى كائنات وسيطة مثل الأفلاك والكواكب التي افترضها أرسطو قبله. يرفض ابن تيمية الكائنات الوسيطة ويركز على أن الانتقال من الأزلية إلى العالم العيني يتم من خلال الحدوث في الذات الإلهية. وتفسير الحدوث عنده هو انتقال الصفات الإلهية من وضعيتها الكلية كأجناس وأنواع إلى ممكنات فردية علمية داخل الذات، ثم تنتقل هذه الممكنات إلى أعيان خارجية وموجودات حسية. ويعتقد ابن تيمية أن القصد الحقيقي من الآية القرآنية التي تقول عن الله: ‘كل يوم هو في شأن’ (الرحمن: 29) هو هذا التأويل، حيث الحدوث داخل الذات عملية أزلية أبدأً.
القرآن ليس غامضاً عن المعرفة الإنسانية وهو قابل لأن يُعرف كله من قِبل الإنسان القادر على تدبره والكشف عن مُراداته ومقاصده المتعددة. إذ بدون هذ الاعتقاد عن معرفة النص القرآني تصبح الرسالة السماوية كلها دون معنى، لأن الإنسان هو هدف هذه الرسالة وسيكون من العبث أن يمنع الله الإنسان من معرفة كل تفاصيلها، وخصوصاً المتشابه والغامض منها. الإنسان يتمتع بقيمة عليا في الكون لأن الصفات الإلهية انتقلت إليه بمقادير مختلفة، فهي توجد في الله بوصفها صفات كمال وتوجد في الإنسان كصفات نسبية متفاوتة في المقدار. لذلك يقبل ابن تيمية الحديث النبوي الذي يقول: ‘خلق الرحمن الإنسان على صورته’، ويقبل أن يكون حرف الهاء عائداً إلى الرحمن وليس إلى الإنسان. وابن تيمية لا يقصد التشبيه كما فهمه أتباعه وخصومه، بل يقصد شيئاً قريباً من فهم ابن عربي للحديث نفسه، حيث الإنسان هو بشكل ما صورة الله التي يسترد فيها الصفات التي فقدها، ويسترد معها مكانته المركزية. وبسبب مكانة الإنسان هذه يرفض ابن تيمية القول إن الإنسان عاجز عن الوصول للحقيقة بملكاته الخاصة. الإنسان عند شيخ الإسلام قادر على معرفة الحقيقة بقواه الطبيعية التي يسميها الفطرة، كما ورد في الحديث النبوي: ‘كل إنسان يولد على الفطرة…’. هذه الطبــــيعة الإنسانية تؤهــــل الإنسان للوصول إلى الحقيقة دون مساعدة أحد وحتى دون الوحي السماوي. ويبدو ابن تيمية هنا على اتفاق تام مع الفيلسوف العربي الأندلسي ابن طفيل (ت. 581 هـ/ 1185م) في قصته حي ابن يقظان. الطفل حي الذي نشأ خارج المجتمع الإنساني ويجهل أي لغة للتواصل استطاع أن يصل للحقيقة النهائية للعالم بقدراته الطبيعية فقط كإنسان.
الطبيعة الإنسانية مفطورة على طلب المعرفة وعلى إرادة هذه المعرفة رغم تفاوت مستوى إرادات الناس في طلبها وبلوغها. وبسبب هذا التفاوت في إرادة المعرفة فإن هناك مجموعة من الناس لا تستطيع أو لاتريد بلوغ الحقيقة بقواها الذاتية، لذلك أرسل الله أنبياءه. وحتى هؤلاء الذين جاءت الرسل من أجلهم فإنهم لا يقبلون بهذه الحقيقة لأنها سماوية، بل لأن فطرتهم تقبلها، إذ يتعلق نجاح الأنبياء باستعداد الفطرة الإنسانية لقبول رسالتهم وليس لسبب آخر، ولولا هذه الفطرة لما نجح الأنبياء أصلاً. فالفطرة ذاتها التي توصل البعض للحقيقة هي ذاتها مايجعل الوحي السماوي مقبولاً.
من جهة ثانية، الإنسان فاعل على الحقيقة وهو صاحب أفعاله والمسؤول عنها، لأن هذه الأفعال هي الطبائع ذاتها التي وضعها الله في كل شيء ومنها الإنسان. الإنسان يستطيع أن يكون حراً، وهو يتحرك في نشاطه الإنساني على أساس مبدأ ‘طلب النافع ودفع الضار’ وهذا هو مفهوم الهداية القرآني، وبالتالي فكل الأفعال الإنسانية معللة وفق شروطها الواقعية من المنافع والمضار. وهذا مايجعل الكون والعالم والإنسان محكومين بالأسباب والنتائج، بما في ذلك الأشياء الطبيعية التي يجب فهمهما على هذا الأساس.
العالم مُحكم ومنتظم بقوانينه، وهذا يجعل كل شيء في الكون قابلاً للفهم، وما لانعرفه اليوم هو مجرد شيء لم نتمكن نحن من معرفته، ولكننا سنعرفه غداً. العالم ليس غامضاً وليس سرياً والله لا يحجب أية عجائب عن الفهم الإنساني. الكون والحقائق الكبرى مرهونة بطبعنا البشري، ومعرفة كل ذلك يحصل بسبب إرادتنا المعرفية. وحتى أفعال الله ليست من النوع السري والغامض، فأفعال الله معللة بالحكمة والأسباب، والله لايفعل شيئاً عبثاً ولا يخفي عن الإنسان شيئاً، وافعاله قابلة للتفسير مثل أي شيء آخر.
بهذه التصورات العميقة يفض ابن تيمية السر عن الثلاثية المعقدة في الإسلام ويضيق دائرة المقدس التي نسجها المسلمون طويلاً في تاريخم الفكري حولها. القرآن، والنبوة، والله. يجعل ابن تيمية العالم بكل حقائقه النسبية والمطلقة مكشوفاً للمعرفة الإنسانية المحكومة بالعقل. كل شيء يقع الآن أو سيقع غداً يقع تحت مداركنا ومعرفتنا، لا دوائر واسعة من المقدسات ولا عالم سري ولا غموض يحيط بحقائق العالم. ويرفض ابن تيمية كلياً اعتقاد البعض أن أفعال الله لا يعرفها إلا الله ذاته وعلى أننا لانحتاج إلى المنطق في فهمها، حسب ماهو شائع في الفهم العامي للإسلام، على العكس من ذلك فإن أفعال الله تصدر عن حكمته وهي بالضرورة على تناغم مع قوانين الأشياء والكون، وبالتالي تقع تحت حقل إدراكنا وملكاتنا المعرفية.
ابن تيمية الذي يُعتبر الأب الروحي للتيار السلفي وواحداً من المرجعيات الكبرى في الفكر الإسلامي، يحتاج إعادة فهم، لأن وجهه الآخر يدرب أتباعه وغيرهم على التفكير العقلاني وعلى إعادة فهم الإسلام بشكل يعيد للإنسان بالمعنى العام مكانته وقدرته على اختراق العالم، ويدفع به إلى التفكير بكل شيء، وعلى امتلاكه درجة من درجات الحقيقة مهما اختلف الناس في تصوراتهم وعقائدهم.’ أستاذ جامعي وباحث سوري