د. فايز رشيد
يثير استحقاق أيلول والاعتراف الأممي بدولة فلسطين على حدود عام 1967، جدلاً كبيراً بين الفلسطينيين والعرب وأصدقاء القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي، تماماً مثل الجدل القائم في معسكر الخصم، ذلك حول الخطوة وتداعياتها الكثيرة والكبيرة. وإذا كان الإنشداد حالياً يتوجه في معظمه نحو ضرورة نيل الاعتراف العالمي بالدولة، فإن أيضاً ما سيترتب على هذا الاعــــتراف، يوجب أن يحظى بنفس الأهمية، فالقضـــية تتجاوز الاعـــتراف الدولي بدولة على كامل حدودها (مثل الدول الأخرى التي استقلت وتقدمــــت بطلــبات الأنضمام) إلى مــــثيله بدولة على الجزء الأصغر من هذه الحدود، وهذا الجزء أيضاً يعاني احتلالاً من قبل العدو الصهيوني، إضافة إلى المتغيرات الجغرافية والديموغرافية في هذا الجزء المحتل من الوطن، بفعل الاستيطان ومصادرة الأراضي لأسباب أمنية وعسكرية اسرائيلية. ولعل الرئيس عباس كان صادقاً في تصريحاته النيويوركية عندما توقع أن ‘يمر الشعب الفلسطيني وقيادته بظروف صعبة جداً بعد الاعتراف’. الصعوبة لا تكمن فيما يتوقعه المسؤول الأول الفلسطيني من حيث استمرار الضغوطات الدولية على الشعب الفلسطيني، وتحديداً الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية وبعض الغربية، وإنما فيما يترتب على هذا الاعتراف من قضايا خطيرة، وهذا وفقاً للعديد من الحقوقيين والقانونيين والسياسيين فلسطينيين وعرباً ودوليين. إن من أبرز هذه الأخطار: أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 67 سيلغي قراري الأمم المتحدة رقم 181 حول التقسيم، والقرار رقم 194 حول حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وكل القرارات الصادرة الأخرى حول حقوق الفلسطينيين، وذلك بدعوى وجود دولة فلسطينية، مفترض أنها مستقلة تستوعب اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، ولقد سبق وأن طرحت الولايات المتحدة وإسرائيل مثل هذا الحل بشكل رسمي في ظل تنكرهما المطلق لحق العودة إلى مناطق 48. هذا يفتح الباب بشكل أوتوماتيكي أيضاً على اعتراف رسمي فلسطيني ضمني بـــ’يهودية إسرائيل’، ذلك أن القرار الدولي نصّ على إقامة دولتين: واحدة يهودية والثانية عربية، وأحد تداعيات ذلك، هو إعطاء إسرائيل الحق في التخلص من عرب منطقة 48. من زاوية ثانية: إن السلطة الفلسطينية ورئيسها تحديداً يذهب إلى الأمم المتحدة مجرداً (عارياً) من أية أوراق ضغط بين يديه، أبرزها: أن م. ت. ف تمر في أوهن أوضاعها، لأن السلطة حين تشكلت بعد اتفاقيات اوسلو، حرص مشكلوها على أن تكون بديلاً للمنظمة، وهذه القضية هي حقيقة قائمة أرادها الموقعون على أوسلو أو لم يريدوها. أيضاً فإن الساحة الفلسطينية تعيش أبأس أوضاعها بسبب الانقسام الفلسطيني سياسياً وجغرافياً (سلطتا رام الله وغزة). كذلك فإن السلطة والرئيس عباس تحديداً ألغى المقاومة من قاموسه، إذ هو يقوم باعتقال المقاومين وسجنهم، إضافة إلى قراره باعتبار الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة، منظمات غير مشروعة، والرئيس عباس كان بمنتهى الوضوح في الاجتماع الأخير للمجلس المركزي الفلسطيني حين أعلن: أن خياره الوحيد هو المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات، وهذه نقطة ضعف كبيرة للسلطة الفلسطينية وهي: حرمان الذات من الوسيلة الرئيسية للضغط على الكيان الصهيوني، وهو ما يشي بأن السلطة ستعود إلى المفاوضات كخيار وحيد لها، من أجل تطبيق القرار الدولي باقامة الدولة الفلسطينية. ذلك سيتم في ميزان قوى يميل لصالح إسرائيل والولايات المتحدة، ولسنا بحاجة إلى جهد للوصول إلى حقيقة مفادها: أن القوي يقوم بتطبيق القوانين وفقاً لأهوائه ووجهات نظره ورؤاه. هذه القاعدة انسحبت على القرارات الدولية منذ تشكيل الأمم المتحدة وحتى اللحظة، بدليل: أن هناك العشرات من القرارات الدولية صدرت لصالح القضية الفلسطينية، لكن أي قرارٍ منها لم يجر تنفيذه واقعا على الأرض. هذا بغض النظر عن أن عصرنا هو: الادعاء بحقوق الإنسان وقيم العدالة والشرعية وتطبيق القرارات الدولية…. إلى أخره. من المخاطر المترتبة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية: هو الإمعان في إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني الذي قام لأهداف غير التي يجري طرحها حالياً، بما يعنيه ذلك من تهميش كبير على طريق الإلغاء لمنظــمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، في ظل عدم وجود تغييرات حقيقية للظروف التي يعيشها الفلسطينيون لا في الوطن ولا في الشتات، لذا من الطبيعي وبعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية أن يثور التساؤل عن:
مرجعية الفلسطينيين، هل هي المنظمة أم سلطة الدولة؟ والتي هي فعلياً محتلة، بالرغم من أنها بعد الاعتراف أصبحت سلطة دولة، ولو اسميا فقط! بعد الاعتراف بالدولة يرى البعــــض، وهو محــق، بأن من الطبيــــعي والحالة هـــذه أن تلجأ الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الدعوة لعقد الجمعـــــية العامة للأمم المتحدة، لإلغاء كافة القرارات الدولية المتعلقة بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ومنها مثلا:
القرار باعتبار القدس الشرقية أراضٍ محتلة وما ينطبق على الضفة الغربية ينطبق عليها. نقول ذلك في الوقت الذي لا ننكر فيه بعض الإيجابيات القليلة من الاعتراف الأممي من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، مثل: قبول دولة فلسطين كدولة كاملة العضوية أو بصفة مراقب (لا يجوز لها التصويت والحالة مثل الفاتيكان) في الجمعية العامة، وإمكانية رفع سلطة الدولة العتيدة لقضايا حقوقية على إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية، وغيرها وغيرها، لكن الميزان الذي تقاس به إيجابيات الاعتراف، والمخاطر المترتبة عليه، يوجب أن يكون دقيقاً إلى الحد الذي يوازن فيه بين هذه وتلك، ويفاضل بين أي من الطرق الموصلة للحقوق الوطنية الفلسطينية. تبقى الحقيقة المؤكدة: أن الحقوق لا تأتي بالتمنيات ولا بمناشدة المجتمع الدولي لتطبيق القرارات الدولية، فالدنيا (وفقاً لست الغناء العربي الراحلة أم كلثوم) لا تؤخذ إلاّ غِلابا!.’ كاتب من فلسطين